إبداعية الساحة العمومية

حجم الخط
3

بثت إحدى القنوات المغربية مؤخرا خبر افتتاح ساحة باب سيدي عبد الوهاب في المدينة العتيقة في وجدة، أمام رواد الفرجة الشعبية (فن الحلقة) بعد ثلاثين سنة من إغلاقها. سررت كثيرا لهذا الخبر، لاسيما بعد زيارتي الأخيرة إلى هذه المدينة، ومروري من تلك الساحة التي جعلتني أتأمل فراغها، محاولا تخيل ما كان يملؤها في زمان مضى. كلما رأيت ساحة واسعة في أي مدينة عربية، سواء كانت عصرية أو عتيقة، لا أتذكر سوى الفضاء الشعبي الذي نشأت فيه في الدار البيضاء بنكهته وخصوصيته (اشطيبة): خليط من النساء والرجال، والأطفال والبنات، يتحلقون حول عباقرة الفن الشعبي في فسيفساء أشكاله الإبداعية (فرق فلكلورية، رواة، وعاظ، باعة أعشاب) فأتخيل هذا الفضاء يتدثر بسحر الكلام، وغريب الحكايات العجيبة، والضحك البريء، والسخرية من أي تحول يعرفه المجتمع. ويدفعني ذلك إلى تمني عودة الحيوية للساحة العمومية التي افتقدتها في العصر الحديث حيث قل التواصل، والتفاعل بين مختلف مكونات المجتمع.
كانت الساحة العمومية في التاريخ العربي والغربي فضاء للتجمع والإبداع والتلقـــي. أثارت هذه الفضاءات الكثير من التنظيرات الأدبية والأنثروبولوجية والاجتماعية، وكتب الشيء الكثير عن دورها في خلق المتخيل الشعبي الجماعي (باختين)، بل إن العديد من الأنواع السردية ما كان لها أن تتشكل إلا من مخــــزون ما تدخــــره هذه الفضاءات (المقامة مثلا).

ساحة جامع الفنا، مثل شارع المتنبي في بغداد، وغيرها من الفضاءات العربية، تدل دلالة عميقة على ما كانت عليه الساحة العمومية في التاريخ العربي، وما اضطلعت به من أدوار ثقافية.

ظلت هذه الفضاءات المغربية مستمرة في المدن القديمة والهامشية، وفي الأسواق والمواسم التي تقام في البوادي حتى أواخر السبعينيات. وتم بعد ذلك القضاء على كبريات هذه الساحات التي كانت منتشرة بشكل كبير، ولم يحافظ منها سوى على ساحة جامع الفنا في مراكش التي صارت أحد معالمها المميزة على المستوى العالمي، ولا سيما بعد أن دافع خوان غويتيسولو عن اقتراحها تراثا عالميا.
ساحة جامع الفنا، مثل شارع المتنبي في بغداد، وغيرها من الفضاءات العربية، تدل دلالة عميقة على ما كانت عليه الساحة العمومية في التاريخ العربي، وما اضطلعت به من أدوار ثقافية. إنها فضاءات الترفيه والإبداع، وصناعة المتخيل الجماعي. وأكاد أجزم بأن الدوارج المغربية المختلفة، ما كان لها لتتشكل لولا هذه الفضاءات. وهذا مبحث مهم لمن أراد أن يتعمق في علاقة اللغة وانتشارها بالفضاءات الجغرافية في الأحياء والحلاقي. إن اللهجات المغربية المختلفة ذات علاقة وطيدة بهذه الساحات. وأذكر في طفولتي كيف أن المفردات الجديدة التي تذاع في لغتنا اليومية لم تكن سوى من مبدعي أبطال هذه الحلقات، الذين لم يكونوا يبدعون فقط حكايات ونوادر، ولكنهم كانوا يصنعون اللغة، ويولدون مفردات جديدة.
إن المسرح المغربي، ورواد الفكاهة «العصرية» التي تقدم الآن في مختلف القنوات المغربية، وكذلك الأغاني المختلفة، كل ذلك لم يكن سوى تطوير وعصرنة لما كان يقدم في الساحة العمومية الشعبية، التي صنعت لها تاريخها الخاص في المغرب، وفي المدينة العربية (مسرح الحكواتي مثلا). يبدو لنا ذلك في كونها كانت تلعب دورا كبيرا في تشكيل الوعي الجماعي الشعبي، حيال مختلف القضايا التي كانت تشغل الجميع، لذلك كانت هذه الفضاءات تجد من يعارضها، ويشوه سمعة أبطالها، سواء خلال فترة الاستعمار، أو بعد الاستقلال. كان بعض روادها لا يتورعون عن تقديم النقد الاجتماعي، ولكن بطريقة فكاهية وساخرة. جاء القضاء على هذه الساحات إنهاء لتاريخ الفرجة الشعبية، ولتقاليد عريقة في التفاعل الاجتماعي بين مكونات المجتمع.
بدأت تتسع المدن الحديثة مع نهاية القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، وصار الرصيف، والبناء يملأ مختلف الفضاءات الفارغة، وكان للجشع المقاولاتي دوره في تخريب فضاءات المدن الجديدة وتغريبه أيضا. فلا نجد اهتماما بالمساحات والأحزمة الخضراء بين المدن المتجاورة، وقد اتصل بعضها ببعض، ولا بفضاءات الترفيه، ناهيك عن غياب المسارح، والفضاءات الثقافية العامة.

بدأت تطرأ تحولات خجولة حول إعطاء الفضاء العمومي، وضمنه الساحة الشعبية، مكانته الخاصة حاليا.

إذا كانت الساحة العمومية الشعبية دائمة، وتتحدد زمانيا، ويوميا، بين صلاتي العصر والمغرب، عادة، وفي بعض المناسبات ليلا (رمضان)، فإن التلفزيون حل محل هذه الساحات، ولكنه لم يستطع ملء الوظيفة التي كانت تقوم بها الساحة العمومية. وتم تجريب ساحات عمومية جديدة، ولكنها عابرة: منصات تقام في أوقات محددة، في الصيف، وتكون خالصة للغناء الذي تستدعى له فرق أجنبية (موازين مثلا)، ولا يحضرها سوى جمهور خاص من الشباب الذي لا تربطه ببلده أي صلة؟ كما أن المهرجانات الصيفية لا تتعدى حقبة مقيدة بالعطلة، ولا تؤدي وظيفتها الاجتماعية كما كانت.
بدأت تطرأ تحولات خجولة حول إعطاء الفضاء العمومي، وضمنه الساحة الشعبية، مكانته الخاصة حاليا. وما ملاعب القرب، وتجديد بعض الساحات العتيقة، مثل ساحة باب سيدي عبد الوهاب في وجدة وإقامة مهرجانات للحكاية الشعبية سوى دليل على ذلك، ولعل قيام الجماعات البلدية في مختلف المدن بتخصيص أماكن من هذا النوع كفيل بمد المدن بدم جديد على مستوى العلاقات مع التقاليد الثقافية التي ساهمت في تشكيل الوعي والمتخيل الجماعيين، والتي لم تستطع الفضاءات الجديدة (المراكز التجارية الكبرى) القيام بها. تجديد الساحة العمومية ربط جديد للثقافة بالفضاء.

٭ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية