دلّل أكثرُ من ناقدٍ على أهمية العنوان في الأعمال الأدبية، فنجد من يقول «ربما كانت عنونة العمل ـ أكثر مما تظن ـ إشكالاً، فمقاصد المرسل منها تختلف جذرياً عن مقاصده من عمله، وتتنازعها عوامل أدبية وأخرى ذرائعية براغماتية وربما أضفنا العامِلَ الاقتصاديَ (التسويق)»، ومن هذا المنطلق ننظر لعنونة ديوان الشاعرة السورية سعاد الخطيب «عتبة النقص» بوصفِهَا الاتِّصالَ الأوَّليَ بينَ «المُرسِل» و»المتلقي»، ونبحثُ في انعكاساتها الدلالية، فأولاً هي تصحيفٌ جِناسِيٌّ عن المُتعارَفِ عَليهِ تداولياً باسمِ «عُقدةِ النقص»، فتتحول التسميةُ من عقدة إلى «عتبة»، وبينما الأولى تدل على معاني البقاء وتحمِلُ بينَ طياتِهَا مَفاهيمَ الرَغبةِ في التجاوز، والتخلُّصَ من هذا الداء المرضي، تأتي الثانيةُ لتدُلَ على معاني الرغبة في عدم التخطي وعدم الوصول إليها، أو البقاء في المنطقة السابقة لحدوثِ النقص، وهو لا شك معنىً غريب، يحتاج دلالياً لمزيدٍ من البحث حول تأويله، وحول المراد منهُ، ومن ثَمَّ نتجهُ إلى الديوان لننظرَ حولَ المعنى الشعري الممنوح لهذه الصورة الرمزية؛ فنجد في قصيدة «لا تقف في وجه ورقة ساقطة»، تقول الشاعرة:
«لا تقفْ في وجهِ ورقةٍ ساقطة
ثِقْ بالخريف
يهَبُكَ عتبةَ النَّقص
*****
«حميميّة»
«الضَّجر»
تسمياتٌ
… واللُّغةُ
من حبٍّ إلى حبٍّ تخلعُ التَّسميات
ترقدُ مكشوفةَ القلبِ في جورَبيّ الصُّوف».
كأن عتبةَ النقص ليست شيئاً سيئاً يرغب الجميعُ في الهرب منه، أو عدم الشعور به، بل هو هنا شيء يتم وهبه، يتم تلقيه ومنحه.
نلفتُ النَظرَ هُنَا إلى كيفيةِ تشكل المعاني في الديوان، واتخاذ الشاعرة خصوصية في تكوين معانيها الكلية، لكننا هنا سنتوقف عند العلاقة التي تمت أقامتها بينَ الخريف، و«وهب عتبة النقص»، وكأن عتبةَ النقص ليست شيئاً سيئاً يرغب الجميعُ في الهرب منه، أو عدم الشعور به، بل هو هنا شيء يتم وهبه، يتم تلقيه ومنحه، ومن هنا نضطرُ لأن نضع سياقاً تأويلياً مختلفاً لمعنى «النقص» الذي تتحدث الشاعرة عنه، ونحاول من خلال تخيل حالة شعورية مغايرة للمعاني التقليدية أن نفهمه، إنه ليس النقص بمعانيه النفسية الذي يشير إلى كون الإنسان ينظر لنفسه على نحوٍ مِن الدُونيَّةِ، وتقليل الذات عن الآخرين، وإنما هو ـ هنا ـ حالةٌ أُخرَى، حالة تنجم عن التقارب الحميمي مع المحبوب، خاصة عند ربط ذلك بسياق القصيدة السابق على هذا المقطع، تقول:
ساكنُ الملاءات
«الضَّجر»
أو
«حميميّة»
هو ثالثٌ بيننا
يتناسلُ ونحن نقرضُ القُبَل.
تُجهِدُ جسدَكَ في التَّعليل
لتقلِّل من شأنِ صريره».
عتبةُ النقصِ إذن هي تلك المرحلة التي يكون فيها الإنسان وحيداً، بدون التواصل ـ الحميمي ـ مع المحبوب، فهو يستشعر النقص، وتحاصرهُ المشاعر السلبية تجاه هذا الحدث الذي يعزله عن حبيبه، ولكي يتخطى هذه العتبة عليه أن يتواصل، أن يقيم علاقَتهُ الحميمية بمعانيها العاطفية والجسدية مع المحبوب، ومن ثم العتبة المراد تخطيها هنا هي عتبة الوحدة والتفردِ بالذات بعيداً عن التواصل مع المحبوب، إلى عتبة اكتمال المتعة، واكتمال الحميمية؛ وبهذا المعنى تفرضُ عنونةُ الديوان توجيهاً تأويليا على المتلقي أن يَضَعَ نَفسَهُ في هذه المرحلة السابقة لمراحل التواصل الحسيِّ – مع المحبوب، نحنُ هُنَا في حالةِ ما قبل التواصل، ولكن ليس قبلها ببعيد، وإنما قبلها بدرجةٍ تُوحِي بإمكانيةٍ أكبر لقدرة تحقيق الوصال الكامل معه، وفي هذا الإطار يأتي هذا الديوان، ما يجعلُنَا نضعُ مَشاعِرَنَا في حالةٍ من حالاتِ التوتر والتوجس والترقب؛ خاصة مع هذه المرحلة السابقة مباشرة على اللقاء الحسي، وهي ربما من أهم وأعقد المراحل إمتاعاً وشحذاً للحواس في الوقت ذاته، وهي التي يرتهن بها نجاحُ إمتاعيةِ حميميةِ التواصُلِ من عدمه.
يرى أدونيس أن الإبداع هو في الأساس دخولٌ في المجهول، وأنه يتفجر من رحم اللامعلوم، ومن هذا المنطلق نرى أن الكثير من قصائد ديوان «عتبة النقص» تأتي من هذه المنطقة (اللامعلوم)، وتلعب على فكرة استمطار المعنى الإجماليِّ للقَصيدة من دائرة المجهول إلى أفقِ خلقِ دَلالاتٍ معنوية جديدة، نحو تشكيل معنى مغاير ومناقضٍ للمعنى السابق، نوردُ مثالاً على ذلك من قصيدة «شهرزاد»، تقول:
«جسدُها
خميرةٌ تعيشُ عجينَها
تتخمَّرُ
تنضجُ
تفورُ
تتهيَّأُ لعتبةِ جسدٍ آخر
بحدسِ موقدٍ خَبِرَ الرَّوائح»
المصير الطبيعي للخبز بعد أن يتخمر هو أن يلقى في النار، وأن هذه النار رغم فعلها الحارق وفائض الحرارة في الخبز إلا أنها السبيلُ الوحيدُ إلى إنضاجه.
نلاحظُ هنا تكرار «العتبة» التي هي النقطةُ الفاصِلةُ بينَ عَمليةِ اللقاء والتواصل الجسدي بين المحبوبين، وعملية البعد مع التهيؤ ذاته والاستعداد لهذه العملية، ونقف أمام الوصف الذي بدأ من الجسد، وانطلق يصفُ حالَةَ النُضجِ والفوران، فتشبيهُ الجَسَد بالخَميرة، هو تشبيهٌ أنثويٌّ بامتياز، لارتباطِ العَقليةِ العربيةِ بكون الخبز من الدلالات الإشارية المرتبطة بالمرأة في الموروث الثقافي العربي، ومن ثم فإن فكرة تشبيه نضج الجسد، بفكرة الخميرة التي تعمل عملها في الخبز، حتى يفور، ثم ينضج (مع ملاحظـــة أن المصير الطبيعي للخبز بعد أن يتخمر هو أن يلقى في النار، وأن هذه النار رغم فعلها الحارق وفائض الحرارة في الخبز إلا أنها السبيلُ الوحيدُ إلى إنضاجه؛ فإننا هنا إزاء حالة من حالات التشبيه من منطقة «اللامعلوم»، وهو تشبيه يستقصي أثر عمل النشوة في الجسد، فما هي تلك الخميرة التي فعلت فعلها في جسد «شهرزاد»؟ هل هي خميرة الحب؟ أم الشهوة ومتطلبات الجسد؟ هل كانت هناك عوامل مساعدة ـ مثلما تحتاج الخمــــيرة في الحياة العادية إلى عاملٍ مُساعِدٍ لكي تُؤتي نَتيجتـــهَاـ أدت إلى ذلك؟ ماذا عن العلاقةِ المَعروفةِ تاريخــــياً بين شــــهرزاد وشهريار؟ فهي علاقة لا تُمثِّلُ حباً كاملاً ولا خوفاً كاملاً ولا حالة مثالية من حالات النضج العاطفي. والأعجبُ من بين العديد من الأسئلة التي يمكن أن نسألها: كيف أصبحت «الخميرة» مفردةً شعريةً تُؤدِّي مَعنى خيالياً يُسهِمُ في تكوين صورةٍ لَهَا أثرٌ شُعوريٌّ على نَفسِ المتلقي؟
تستمر الشاعرة في حالة تشكيل الصورة من منطقة «اللامعلوم»، فتقول:
«لم تعرفْ شهرزادُ الإيهامَ في الفنّ
لكنَّها اختارتِ اللّيلَ زمناً للقصِّ
اللّيلُ مركبُ الأهواءِ العبثيّة
مربِضَ الغوايةِ
رسنُها ومهمازُها
غوايةُ:
القتلُ
الدَّسيسةُ
الجسدُ
القصُّ…
*****
تُلهِبُ شهريارَ بالكلمة
تلكَ الّتي تخمَّرت
نضجَت وفارَت في المخيّلة
ثمَّ تدحرجَت في فضاءِ المخدَع
وبالكلمةِ ذاتِها تُخمِدُه
تقودُه إلى فراشِه
قبلَ أنْ يَعُدَّ الخراف.
الصورة تُبنى بناءً كلياً عَبرَ تَراكيبِ القصيدة، وبالمُضي بالتدريج من مفتتحها إلى خاتمتها، حتى تصبحَ القصيدةُ كُلُها في نهايتها صورةً واحِدةً إجماليةً، وعلى امتداد القصيدة تحدُثُ عمليةُ تحويلٍ لمسارِ الفكرة.
نرصدُ هنا ظاهرةَ التراسُلِ في تشكيلِ الصورةِ، فتبدأُ من خصوصيةِ اختيار شهرزاد للَّيل لكي تقص فيه حكاياتِها (هل كان أمامها اختيارٌ آخر من الأساس؟) ثم تنتقل لخصوصية الليل الذي يبعثُ في النَفسِ العديدَ مِن الغوايات، فهُناكَ غوايةُ القَتلِ وغوايةُ الدَسيسة وغوايةُ الجَسَد وغوايةُ القص، يعيدنا ذلك من جديد لمرحلة «عتبة النقص» في مرحلة ما قبل اكتمال الشبق بالغوايات، وإنما مرحلة الوقوع في إثم الغواية والتهيؤ لها، وبعد ذلك تنتقل إلى حالة شهريار، الذي تستعير له أيضاً فكرةَ الخميرة وكأنَّ جَوهَرَ عمليةَ الإنضاجِ الجسدي الحميمي قد انتقلت من ذات وجسد شهرزاد، إلى ذات وجسد شهريار، لكنه مَلِك، بيده مصير شهرزاد، في يده كثيرٌ من مُقدَّراتِ الأمور فيما يخصها، ومع ذلك يصبح تحت رغبتها، تتحكم فيه بكلمة، فكلمة توقظه وكلمة تخمده، وبدلاً من الصورة التقليدية لكون شهرزاد قابعة تحت رحمتهِ، منتظرةً منه العفو، تشتري روحها اليومية ببضع حكايات تبهر بها عقل ملكها؛ يصبح شهريار هو المُتحكَّمُ فيهِ عبر قدرة الكلمة التي تلقيها هي على مسامعه، وعلى هامش هذا الإيحاء المعنوي، تأتي الإشارةُ الحسيةُ الواضِحةُ للجنسـ وكثيرةٌ هي إشارات الديوان للجنس- فأزهار الصبار تتفتح في جسدي شهرزاد وشهريار، ونلاحظ اختيار أزهار الصبار الذي يشير إلى معنيين متناقضين في الآن نفسه، فمن ناحية هناك شوكُ الصبار وإيحاءاته الدلالية بالألم والوجع، ومن ناحيةٍ أخرى هناك زهرته ـ لا سيما بدلالتها الأنثوية لاحتوائها على: الألم، وإمتاع القطاف، الشوك والزهرة، وبهذا الأساس يصبح للشبق رائحة وملمسٌ وطعم، إن الملاحظة الجوهرية لكيفية تشكيل الصورة الشعرية هنا هي كون الصورة بالأساس صورة تراكبية، تعتمد على ارتباط المادة اللغوية وتشكيل بنية القصيدة الشعرية بالصور التي يتم تراسلها وتركيبها معا رويداً رويداً، تماما كمن يُركِّبُ قطعةَ بازل حتى يصل منها لصورةٍ نهائية، فهنا نجد أن طريقة تقديم الصورة الكلية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بطريقةِ بِناءِ القصيدة نفسها، فكل مقطع شعري يؤدي معنىً تسلسلياً يُبنى في ذاته على المعاني السابقة عليه، ويكون هو في ذاته أساساً لتوضيح معنى الصورة اللاحقة له، بحيث لا يمكن تصور المعنى التمثيلي النهائي، إلا من خلال الصورة الكلية للقصيدة المتراكبة، ولا يمكن بحالٍ فَصلُ مقطعٍ من هذه المقاطع، وإلا نتج عن ذلكَ خللٌ كبيرٌ في تقديم الصورة المعنوية الكلية للقصيدة. ولنتابع معا هذا التراكب وتوليد المعنى في قصيدة «لذة مشبوهة»، تقول:
لا شيء مُسلٍّ
إهدني نوماً يسيراً
لأعودَ إلى أرجوحتي
أكسرُ جوزةً بأسناني
أحتفظُ بوَجَعِ سنّي كجوهرة
كيفَ كانَ الشُّعورُ بالألمِ قبلَ هذا الخراب؟
يا للترف
كنا نكترثُ لألمِ الأسنان
وتشقُّق الشِّفاه
هل تذكرون الشِّفاه قبلَ هذا الخراب؟
…………
سنجد أن الصورة تُبنى بناءً كلياً عَبرَ تَراكيبِ القصيدة، وبالمُضي بالتدريج من مفتتحها إلى خاتمتها، حتى تصبحَ القصيدةُ كُلُها في نهايتها صورةً واحِدةً إجماليةً، وعلى امتداد القصيدة تحدُثُ عمليةُ تحويلٍ لمسارِ الفكرة، فهناك بناءٌ بينَ علاقاتٍ دَاخِليةٍ وخَارجيةٍ للقصيدة، وهو ما يُصعِّبُ عَلينَا عمليةَ الاقتباس من الديوان، فيصعبُ أن نعرضَ لتَحليلِ صُورِهِ دونَ اقتباسِ مقاطعَ طويلةٍ نتيجة هذا الترابط، ولنعُد للصُورةِ التي نتحدثُ عَنهَا، فاستدعاءُ سياقاتٍ خارجيةٍ من حالاتِ الشعور التي تنتابُ الإنسان فلا يعرف ما الذي يجب أن يفعله بالضبط، لننتقل إلى حالة شعورية أخرى، حالة «نوستالجيا» الحنين للماضي بذكرياته الطفولية، «الأرجوحة»، «ألم الأسنان»، كل ذلك من الأمور التي تنقلنا تماماً عن عالمنا الراهن إلى عالم الماضي، فالماضي هو ما كان فيه طعمٌ للقُبلةِ وطعمٌ للأرجوحةِ، حتى الألم كان له طعم، فألم الأسنان كان مثل جوهرةٍ، أما الآن فنحنُ أمامَ خَرابٍ، أمامَ واقعٍ يَحتاجُ إلى إنقاذٍ، يحتاجُ إلى تَغيير، فالنقلةُ النوعيةُ من عالم الدمى، وعالم بيت المكعبات، والأرجوحة، إلى الحلم بقاربِ إنقاذ، ببناء جديد يأخذنا من هذا الغرق، وبين النقلتين تتكون صورة جديدة، صورة تغرقنا في عالم من دوامات الأسى على الواقع الذي نعيشه، وتبقى نقطة الضوء هي انتظارُ من يستطيع أن يبني قارباً جديداً.
يتمتع الديوان بقدرةٍ على توليدِ صورةٍ كليةٍ من بناءِ كل قصيدةٍ تتكونُ في وعي المتلقي عند ختامِه للقراءة ، وقد حاولت هنا تحليل كيفية تشكيل الصورة والمعاني، وتوضيح تلاحم البناء المقطعي للقصيدة ودوره التراكبي في تشكيل الصورة الشعرية والصورة الوجدانية، وأثر ذلك على المتلقي.
٭ شاعر مصري مقيم في الخارج