برلين ـ «القدس العربي»: في فيلمه «القفاز الذهبي» المتنافس على الدب الذهبي في مهرجان برلين في دورته التاسعة والستين (7 إلى 17 فبراير/شباط الجاري)، يقدم المخرج الألماني التركي فاتح أكين قصة مبنية على وقائع حقيقية عن السفاح والقاتل المتسلسل الألماني فريتز هونكا، الذي انتهك وقتل الكثير من النساء في سبعينيات القرن العشرين. إنه فيلم لا يسبر غورا ولا يكشف بعدا نفسيا للقاتل، ولكنه يكشف أمامنا على الشاشة كل العنف والقبح الكامن وراء هذه الجرائم، حتى أننا يمكننا أن نرى الأوصال الممزقة وتزكم أنفسنا رائحة الجثث المتحللة. إنه فيلم لا ينمق قبح الجرائم ويظهرها بكامل بشاعتها ويقدم مرتكبها ككائن مقزز أقرب إلى الدواب والوحوش منه إلى البشر، فهو بهيمي النزعة للدرجة التي تباعد بيننا وبينه تماما، وتنأى بنا كمشاهدين عن محاولة فهمه، أو فهم أسبابه في ارتكاب أفعاله الشنعاء، كل ما في وسعنا هو الشعور بالتقزز التام والرعب ونحن نراه يهشم عظاما ويقطع جثث ضحاياه الواحدة تلو الأخرى.

اختار أكين لبطولة فيلمه الممثل الألماني الشاب يوناس داسلر، الذي حوله مكياج الفيلم إلى كائن قبيح مقزز مثير للغثيان، لا نستغرب أن يقترف مثل هذه الجرائم الوحشية المروعة. ولكننا من فرط تكرار البشاعة والتقزز، اللذين لا يبرحان الفيلم طوال مدته، يكاد أن يصيبنا التبلد المصاحب للسأم.
ولكننا طوال الفيلم نُسائل أنفسنا عما قد يدعونا لمشاهدته، بخلاف أنه ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كبير، وما الذي دفع فاتح أكين لإنجازه في المقام الأول. الإجابة التي تلح علينا هي أن القبح موجود والبشاعة ماثلة أمامنا في الحياة والشخصيات المريضة التي ترتكب الفظائع النكراء يعيشون وسطنا، ولكننا نختار ألا نراهم، وألا نرى ما يقترفونه. ولكن أكين يضعنا وسط هذا القبح لنشهده ونصبح شاهدين عليه. هو قبح أثار رغبة صحافية تجلس قربنا في التقيؤ، فخرجت من القاعة، ولم تكن الوحيدة. نحن نأمل من الفن عموما ومن السينما خاصة أن تقدم لنا فهما ومنطقا لما لا يمكننا فهمه، أو استعيابه، ولكن ربما بعض القبح لا يمكن فهمه أو تقديم صورة منطقية لأسبابه، بل تغمسنا السينما وسطه لنراه بأعيننا ونشم رائحته الخبيثة بأنفسنا.
لا يتوانى الفيلم في إظهار مشاهد العنف الجنسي ضد الضحايا، وإن كنا لا نرى تماما ما يحدث على فراش هونكا، ولكن يمكننا أن ندرك من الأصوات ومن الأغراض المستخدمة ما يحدث تماما.
نعلم من خلال الفيلم أن هونكا كان دميما وغير مرغوب فيه من قبل النساء، ولكن ذلك لا يمنحنا مؤشرا كافيا للتعاطف معه كشخص منبوذ من المجتمع، أو لفهم شخصيته أو لم كان يقتل النساء ويقطع أجسادهن، بل يجعلنا ننفر منه ونتقزز. يبدأ الفيلم عام 1970 في شقة رثة قذرة حقيرة في هامبورغ، بعد أن قتل هونكا أولى ضحاياه، وهو يحاول التخلص من الجثة. نكاد أن نصاب بالغثيان ونحن نسمع صوت المنشار وهو يقطع الأوصال ويهشم العظام. لا نرى عملية تمزيق الجثة ذاتها، ولكن مجرد الصوت كفيل بأن يثير فينا الفزع. ثم ينقلنا الفيلم إلى «القفاز الذهبي»، تلك الحانة الرخيصة الحقيرة، في المنطقة الحمراء في هامبورغ. نكاد أن نشم الرائحة العطنة في «القفاز الذهبي»، رائحة التبغ الرخيص والكحول الأرخص وعرق أجساد لا تفارق الحانة تعاقر الكأس. إنها الحانة التي كان هونكا يتردد عليها لالتقاط ضحاياه من بائعات الهوى المسنات المخمورات، اللاتي ما كن ليرضين به لدمامته، لولا أنه كان يعدهن بالمزيد من الشراب في منزله. ترافقه إحداهن إلى المنزل، وهي امرأة في منتصف الخمسين تدعى غيردا (مارغريت تيسل)، التي لا منزل لها ولا عائل، والتي تنظف له المنزل وتطهو له، وتتحمل الاعتداء الجسدي المتكرر مقابل المأوى، بينما يحلم هو بابنتها الشابة الجميلة التي حدثته عنها. خيال مريض لشخص مريض، وحين لا يتحقق يكون مصير غيردا كمصير غيرها من ضحاياه.
لا يتوانى الفيلم في إظهار مشاهد العنف الجنسي ضد الضحايا، وإن كنا لا نرى تماما ما يحدث على فراش هونكا، ولكن يمكننا أن ندرك من الأصوات ومن الأغراض المستخدمة ما يحدث تماما. في زمن حملات «أنا أيضا» وغيرها من الحملات المناهضة للعنف الجنسي والجسدي ضد المرأة، قد يتوقع البعض من أكين أن يتبنى في الفيلم نظرة نابذة لهذا العنف، أو أن يقدم رسالة ما للتنديد به، ولكن المخرج ينأى بنفسه عن المعترك الأيديولوجي. ربما يمكننا القول إن أكبر تنديد بالعنف ضد المرأة يكمن في إظهار هذا القبح وهذه البشاعة على الشاشة. نحن نرى المترددات على «القفاز الذهبي» من النساء كما يراهن هونكا: مسنات، مخمورات، بدينات، ولا ينمق الفيلم نظرة السفاح إلى ضحاياه.
«القفاز الذهبــي» فيلم تصعب مشاهدته، وقد يكون من المستحيل إعادة مشاهدته. ولكنه فيلم يلقي بنا وسط الجحيم بدون هوادة. لا يحاول الفيلم تقديم دراسة نفسية لهونكا ولا يحاول أن يرسم لنا دوافعه أو ما دعاه إلى انتهاك وقتل النساء. ولكن ما يصلنا بكل وضوح وجلاء هو قبح عالمه وشناعة جرائمه.