برلين – «القدس العربي»: يوحي عنوان فيلم المخرجة الأمريكية ماري برونشتاين «لو كانت لديّ أرجل، لركلتك»، بالإحساس بالعجز والغضب في آن. دعونا نتخيل شخصا غاضبا، يود أن ينفّس عن بعض من ألمه بركل خصمه، ولكنه يكتشف أنه بلا أرجل تساعده على ركل ذلك الخصم. والخصم في فيلم برونشتاين، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي (13 إلى 23 فبراير/شباط الجاري) ليس شخصا بعينه، بل مجموعة متضافرة من الظروف والتعقيدات والمشاكل التي تواجهها أم تشعر بأنها بمفردها في مواجهة العالم. الأمومة في الفيلم ليست بالأمر اليسير على الإطلاق، بل طريق عسير تجد المرأة أن عليها أن تتكبد عناء السير فيه بمفردها. الأمومة في الفيلم هي المسؤولية التامة عن كل شيء، والشعور بالعجز التام عن كل شيء، هي الوحشة، والقلق الدائم، والخوف من اتخاذ قرار خاطئ قد يؤثر على حياة طفلك إلى الأبد، وهو اللوم الدائم للذات والشعور بالتقصير، وشعور الأم كما لو أن الحياة بأكملها تنهار حولها، بينما هي تحاول أن تنجو بنفسها وطفلها من طوفان من المشاكل.
ليندا، الشخصية المحورية في الفيلم (روز بيرن في أداء متميز للغاية) طبيبة نفسية في مونوك، وهي بلدة صغيرة تطل على المحيط في ولاية نيويورك، تجد نفسها محاطة بمتاعب لا قبل لها بها، هي أم لطفلة صغيرة مصابة بمرض لا تعلم تفسيره يجعلها غير قادرة على تناول الطعام، ما يجعل وزنها أقل من الوزن الطبيعي لسنها، ويضطرها لاستخدام أنبوب للتغذية. كلما تذهب ليندا مع ابنتها لمتابعة الحالة، يتملكها شعور تام بالعجز والتقصير، لأن ابنتها لا تصل إلى الوزن الطبيعي، رغم محاولاتها المستميتة لمساعدتها. لا نرى زوج ليندا إلا قرب نهاية الفيلم، فهو يعمل في مجال يضطره للسفر دوما. عمل ليندا مرهق ذهنيا ونفسيا حقا، فهي تتعامل مع مرضى في حاجة للعون النفسي، بينما تشعر هي بأنها في حاجة إلى العون، أضف إلى ذلك كله، تجد ليندا على حين غرة أن سقف الشقة التي تستأجرها قد انهار، مسببا فجوة كبيرة كما لو أنها هوة سحيقة تكاد أن تبتلعها. ربما حين نمعن النظر من بعيد نجد أن ما تمر به ليندا ليس نهاية العالم، ولكنها وسط مشاكلها ووحدتها تشعر بأن عالمها بأسره يتداعى. ولكن هذا لا يعني أيضا أنها تملك رفاهية الانهيار، فعليها أن تواصل الحياة حتى تعتني بصغيرتها وبعملها، ولا يعني الأمر أيضا أن حياة ليندا تخلو تماما مما قد يبهج، فمثلا يكفيها أن تحتضن صغيرتها، التي لا نرى وجهها إلا قرب نهاية الفيلم، وتغني لها تهويدتها المفضلة التي تساعدها على النوم.
عادة ما نحيط الأمومة بهالة من القداسة وربما الكمال، فالأم في نظر الكثيرين هي مصدر العطاء والأمان والحب والدفء. الجميع يبحث عما تعطيه الأم، ولا أحد يفكر حقا في ما تشعر به الأم، أو ما تحتاجه. وهذا بالتحديد ما تقدمه ماري برونشتاين، مخرجة الفيلم. يأخذنا الفيلم إلى العالم الداخلي للأم، ينفذ إلى مشاعرها وعقلها الباطن، ويحاول أن يعطيها صوتا للتعبير عما تحتاجه وعما يشعرها بالعجز. في بعض مشاهد الفيلم تتخيل ليندا كما لو أن الانهيار في سقف منزلها هو بوابة كونية إلى عوالم أخرى. وتشعر كما لو أنها تواجه هذا الفضاء السحيق المخيف بمفردها، دون مدد أو عون، وهكذا يبدو عالم الأمومة بالنسبة لها كامرأة عاملة مسؤولة في وقتنا هذا.
لا نرى ابنة ليندا إلا قرب نهاية الفيلم، نسمع فقط صوتها الصغير، أو نرى جسدا نحيلا متدثرا بالغطاء. ربما يأتي قرار المخرجة بحجب صورة الابنة ضمن الرؤية الفنية الأكبر للعمل التي تركز على الأم وعالمها النفسي وليس على ابنتها. طوال الفيلم نسمع وعيد الطبيبة للأم أنه إذا لم تصل الابنة إلى الوزن الطبيعي، فلن يتمكن الطاقم من إخراج أنبوب التغذية وستبقى الفتاة في حاجة للأنبوب للغذاء. ولكننا نعلم لاحقا أن إبعاد هذا الأنبوب لا يتطلب جراحة، وأن الفجوة التي يتسبب فيها الأنبوب في البطن ستلتئم ذاتيا بعد خروج الأنبوب. وهذا يضع مسؤولية جديدة على عاتق الأم، أو مسؤولية وفرصة للحرية في آن، فهي الآن يمكنها أن تخرج الأنبوب بنفسها دون ضغط من الطبيب وبمقدورها أن تعمل مع ابنتها في هدوء للوصول إلى الوزن المثالي. كلها قرارات محفوفة بالخطر لا يوجد من يعين الأم على اتخاذها، كلها قرارات لها تبعات كبيرة على صحة الابنة، ولا تجد الأم من تستشيره أو من تناقش معه الأمر. هي بمفردها تواجه الهوة الكونية في سقف منزلها والتجويف الذي يبدو لها سحيقا مخيفا بعد إزالة الأنبوب من بطن ابنتها.
في عيادتها النفسية تقدم ليندا العون والنصح للعديد من الأشخاص، من بينهم أم شابة لرضيع صغير. تشعر هذه الأم بأن لا قبل لها برعاية صغيرها، ولكنها تخشى عليه من كل شيء، ويدفعها عجزها للفرار من المشفى وترك صغيرها في عهدة ليندا ذاتها. بينما يسلط الفيلم الضوء على ليندا ذاتها وإحساسها بالعجز، انعدام السند كأم، إلا أنه يعلمنا أنها ليست فريدة في هذا الشعور، وأن هناك العديد من الأمهات اللاتي يشعرن بالعجز أمام مسؤوليات الأمومة ومخاوفها.
لا يقدم «لو كانت لديّ أرجل، لركلتك» صورة وردية حالمة للأمومة. ولكنه لا يقدم صورة كابوسية، بل يقدم صورة واقعية لحياة الأم في عصر ضاغط يضعها في مواجهة مسؤوليات الأمومة والحياة بغير عون أو دعم في أغلب الأحيان.