فيلم «أحلام».. كابوس ميشيل فرانكو الجديد عن الحب والسلطة والحدود

برلين ـ «القدس العربي»: بعد فيلمه «نظام جديد» (2020)، الذي يقدم فيه رؤية قاتمة دامية لكيفية إحداث تغيير في العالم، يعود المخرج المكسيكي ميشيل فرانكو ليقدم فيلمه الأحدث «أحلام»، الذي يتنافس على الدب الذهبي في مهرجان برلين، في دورته الخامسة والسبعين (13 إلى 23 فبراير/شباط الجاري). «أحلام» فيلم يقدم رؤية لا تقل كابوسية ولا عنفا ولا مأساوية عن «نظام جديد»، ولكن التصور الكابوسي هذه المرة يخرج عن رؤية فرانكو لسبل إحداث تغيير في بلاده المكسيك، إلى العلاقة بين الجارة الشمالية، الولايات المتحدة والمكسيك.
في «أحلام» يعود فرانكو للعمل مع الممثلة الأمريكية جيسيكا تشاستين، بعد مشاركتها في بطولة فيلمه «ذاكرة» (2023). وبعد أن كانت تشاستين تلعب دور امرأة تداوي جراح رجل يعاني من حالة مبكرة من الخرف والزهايمر في «ذاكرة»، تعود هنا في دور امرأة تسبب من الجراح والآلام أكثر مما تداوي. ويعد دورها، والفيلم بأسره، تعليقا على العلاقة السامة بين الولايات المتحدة والمكسيك، وعلى ميزان القوى بين البلدين، من خلال قصة حب وافتتان جسدي جامح بين ثرية أمريكية شابة وراقص باليه مكسيكي.
يبدأ المشهد الأول للفيلم بشاحنة ضخمة، نراها في بادئ الأمر كما لو أنها تصطف في الطريق ثم رويدا نراها تهتز ونسمع الصياح والأصوات المتداخلة الفزعة والقرع على الجدران الداخلية. ثم نرى ما في داخل الشاحنة، إنها كتل بشرية متداخلة يعمها الخوف والفزع، ثم تأتي سيارة أخرى، ثم تفتح أبواب الشاحنة ليخرج من في داخلها ويحاولون أن يجدوا لأنفسهم موطئ قدم في الولايات المتحدة. يركز المشهد على شاب وسيم ممشوق القوام، يستل بعيدا عن المجموعة ويبحث عن سيارة تقله إلى سان فرانسيسكو. لا نعرف ما هي وجهة الشاب على وجه اليقين، ولكنه يبدو مطمئنا واثقا في خطوته متيقنا من طريقه. يغادر السيارة ليسير في طرق منطقة ثرية في سان فرانسيسكو، حتى يصل إلى منزل أنيق، يقرع بابه، ولكنه يبدو خاليا، فيبحث عن مفتاحه في مكان يعلم أنه سيجده فيه. يدخل المنزل يفتح البراد ليتناول بعض الطعام، ثم يذهب إلى الفراش لينام في اطمئنان وهدوء. بعدها تدخل إلى المنزل امرأة ترتدي ثياب سهرة أنيقة يبدو أنها من تصميم أكبر دور الأزياء. ترى الشاب صاحب الجسد الفتي الممشوق نائما في تمام عريه، فيمارسان الحب في نشوة عارمة. يبدو لنا أن لقاءهما هذا ليس لقاء عارضا وأنهما على معرفة وثيقة ببعضهما بعضا، وإن كنا لا نعلم حتى الآن كيف التقيا سابقا.
لا يؤسس فرانكو في هذا المشهد للعلاقة فقط بين الاثنين اللذين لا نعرف من هما ولا اسميهما حتى الآن، ولكنه أيضا يؤسس للعلاقة بين بلديهما. فهي بيضاء ناصعة البياض، ثرية تقطن في بيت فخم تزينه لوحات أصلية، وهو أسمر وسيم ممشوق القوام، أتاها معدما لا يحمل حقيبة سفر أو مالا ولا يملك سوى جسده العاري. ثمة افتتان عارم بين الاثنين واحتياج جسدي وشبق، ولكن يبدو أنها صاحبة اليد العليا في تلك العلاقة. هي أكبر سنا وأكثر سطوة وتملك البيت والمال، بينما هو أكثر براءة ولا يملك سوى جسده وموهبته التي سندركها لاحقا.
تتكشف الشخصيات لاحقا، فنعرف أن الشاب هو فرناندو (إيزاك إرنانديز في أداء مميز)، وهو راقص باليه مكسيكي موهوب، تعرفت عليه جينيفر مكارثي (جيسيكا تشاستين) لأنه كان يدرس الباليه في مدرسة الرقص التي أقامتها المؤسسة الخيرية لأسرتها الثرية في ميكسيكو سيتي. تبدو لنا العلاقة معقدة وذات أبعاد كبيرة من محاولات فرض السطوة والسيطرة. جينيفر امرأة جميلة ذات نفوذ واسع ومطلقة ولا تنجب، يفتنها فرناندو بجسده الفتي، وهي تشجع موهبته الفذة في الرقص، طالما يأتمر بأمرها، وطالما لا يخرج عن دائرة نفوذها. هو يود أن يحصل على وجود شرعي في الولايات المتحدة عن طريق الانضمام لفرقة كبيرة لرقص الباليه، بينما هي تود له أن يبقى في الظل كعشيقها الذي لا تود لوالدها أن يعلم شيئا عن وجوده. أما بالنسبة لشقيقها، فهذا الشاب المكسيكي ليس إلا نزوة من نزوات شقيقته لا تعني له شيئا طالما لا يهدد وجوده صورة مؤسسات والده أو ثروته.
يرفض فرناندو أن يكون مجرد نزوة من نزوات جينيفر، ويحاول الخروج من سطوتها، وتساعده موهبته في الحصول على دور البطولة في عروض فرقة باليه شهيرة في سان فرانسيسكو. يرى فرناندو في نفسه وموهبته ندية لجينيفر، ويود أن يشق طريقه في الحياة بموهبته. ولكنها لا ترى فيه ندا لها ولا ترى فيه سوى صاحب جسد تشتهيه، وتقدم له فتات الدعم طالما بقي تحت سطوتها، وبعيدا عن أسرتها الثرية.
في أفلام فرانكو لا تتحقق الأحلام ولا حتى تتبدد وتنتهي بخيبة أمل صامتة. ولكنها تتحول إلى كابوس صادم مقيم. ولكن حتى قبل أن يخيم الكابوس بشقائه، توحي تطورات العلاقة بما هو مقبل. لا تقدم جينيفر فرناندو لوالدها، الذي يأتي لزيارة مؤسستها الخيرية على أنه صديقها أو حبيبها، بل كمجرد راقص موهوب اكتشفته مؤسستها الخيرية. لا نرى وهي تمارس الجنس معه أنها تحبه لشخصه، أو أن أمره يعنيها بعيدا عن افتتانها الجسدي البالغ به. هو بالنسبة لها جسد ترغبه ليس إلا ذلك، وتظن أنها تمتلكه، عقلا وروحا وإرادة، لأنها تملك الثروة بينما لا يملك هو المال أو الأوراق الرسمية للإقامة في الولايات المتحدة. إنها علاقة سامة قائمة على فرض السطوة والهيمنة والاستغلال الجسدي من جهة، ومحاولة الحصول على الشرعية والندية والاحترام والاعتراف بالموهبة من الجهة الأخرى.
أحلام» يمكن وصفه بأنه سهل ممتنع. هو فيلم بسيط عن علاقة امرأة وشاب يصغرها بعدة أعوام. ولكنه على بساطته يحفل بالتفاصيل ومستويات السرد والمجاز. هو فيلم موجز في كلماته وفي ثوراته أيضا، ولكنه يحمل من العنف والعنف المضاد ما يصدمنا، لاسيما أن العنف فيه صامت أيضا لا يسفر إلا عن تأوه بسيط وتدمير مستقبل بأكمله.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية