لماذا اخترت هذا الحديث؟ هل لأنه اقترب موعد الاحتفال بها، ففي التاسع من مارس/آذار المقبل يكون قد مرّ عليها مئة عام؟ ربما.. لكن لأن هذه الثورة – رغم أنها لم تنجح مئة في المئة- انتقلت مصر بعدها إلى مرحلة متقدمة من الحياة الليبرالية، رغم وجود الاستعمار البريطاني، ورغم وجود المندوب السامي البريطاني. ثورة 1919 جاءت بدستور جديد يقلص كثيرا من صلاحيات الملك، وجاءت باستقلال وطني، وإن لم يكن كاملا، وجاءت برغبة عارمة في الاندفاع إلى الإصلاح الاجتماعي والسياسي. لقد تمت مؤامرات كثيرة عليها وعلى منجزاتها السياسية، خاصة في ما يخص الدستورالذي تعطل مرتين، مرة مع وزارة محمد محمود، ومرة مع وزارة إسماعيل صدقي، وكانا من رواد الثورة في البداية – لكن حركة الاحتجاجات الشعبية لم تتوقف، خاصة بين أبناء الطبقة الوسطى في الجامعة. الحديث السياسي طويل، لكنني سأعرج على الآداب والفنون لنعرف ما الذي فعلته هذه الثورة فيها، ولماذا لم يعد ذلك يحدث في ما جرى في مصر، بعد أن قامت حركة يوليو/تموز 1952. طبعا سيقفز هنا شخص ويقول بسرعة إن الآداب والفنون ازدهرت جدا بعد يوليو 1952 سأقول له تريث قليلا.
كان كثير من القيادات الثقافية مدنيين، وحتى العسكريين منهم مثل ثروت عكاشة، كانوا قد قدموا أنفسهم كتابا من قبل يوليو 1952.
أنا أعرف إنه أقيمت أكاديمية الفنون والثقافة الجماهيرية، وانتعشت حركة المسرح في الستينيات انتعاشا لم يتكرر، وصدرت مجلات أدبية عظيمة، وكذلك الأمر في السينما، رغم أنها صارت في قبضة الحكم، لكن السؤال الغائب هل تذكر أسماء من فعلوا ذلك؟ أذكرهم لنفسك ستجد أنهم جميعا تعلموا أثناء الفترة الملكية، في عصر كانت الليبرالية تتقدم، رغم محاولات تزوير الانتخابات البرلمانية، وكانت الدولة تفتح الطريق واسعا للمجتمع الأهلي ليبني المستشفيات ويتبرع بها لوزارة الصحة، ويبني المدارس ويتبرع بها لوزارة المعارف، ويبني العمارات على الطراز الأوروبي، وكان لا يزال طعم أوروبا التي أرادها حكامها أن تكون مثالا لمصر، رغم أنهم ارتكبوا مظالم كثيرة في حق الطبقات الفقيرة من الفلاحين، على وجه الخصوص. أما الأصغر منهم فقد تعلموا في الخمسينيات، حيث كانت المدارس لا تزال تحتفظ بطعمها الملكي في الأنشطة الثقافية والرياضية.
كان كثير من القيادات الثقافية مدنيين، وحتى العسكريين منهم مثل ثروت عكاشة، كانوا قد قدموا أنفسهم كتابا من قبل يوليو 1952. كان التلميذ ينتهي من التعليم الابتدائي الذي كان تسع سنوات ولا يوجد ما يسمى بالإعدادي، فيكون قادرا على قراءة كتب الفلسفة باللغة الإنكليزية. أين هذا بعد ذلك؟ لقد كان من أخطاء يوليو 1952 الكبرى إلغاء اللغة الإنكليزية من المرحلة الابتدائية، تحت شعار القومية العربية، فانتجت متعلمين أكثرهم لا يجيد لا لغة أجنبية ولا اللغة العربية، خاصة من تعلموا في عصر السادات وحسني مبارك، حين بدأ انحطاط التعليم الكبير، بينما جيل ثورة 1919 كان بعضهم يعرف خمس وست لغات أجنبية بسبب دراسته في أوروبا والحياة وسط الجاليات.
لم يتم سجن أحد لإنتاجه الأدبي أو الفني. معركة حول العرب أم البحر المتوسط. وكل هذه المعارك كان يراد منها أن يتسع الطريق ويضيء للشعب.
نعود إلى ثورة 1919 وأقول حاسما إنه بعدها ظهر جيل جديد في الكتابة والفنون. وكما قلت دائما إن الاجيال ترتبط بالأحداث الكبرى، وليس كما صنفها النقاد المحدثون منذ الستينيات كل عشر سنوات. وكما قلت أيضا من قبل حكاية كل عشر سنوات هذه تصلح للعلاج في المستشفيات، أما في الثقافة فتُحدث صراعا لا أساس له على الأرض. بعد ثورة 1919 انتعشت حركة الفن التشكيلي مع جماعة الخَيَال محمود مختار ومحمود سعيد وراغب عياد وأحمد صبري ومحمد عفت ناجي وغيرهم، ثم جماعة السيرياليين، جورج حنين ورمسيس يونان وأسماء كثيرة لا يكفيها المقال، وبدأت أدوات السينما المصرية تتشكل مثل، الاستوديوهات، كما بدأ الإنجاز مثل، الأفلام الصامتة ثم الناطقة، وبدأت الرواية تجد لها طريقا أوسع، فلم تكن قد صدرت إلا رواية أو اثنتان. وظهرت في عالم القصة القصيرة أسماء مثل يحيى حقي والأخوان شحاتة وعيسى عبيد، الذين قالوا بضرورة نقاء القصة من الشوائب البلاغية. ولم يكن هناك روائيون مختصون بها فكتب المفكرون روايات لتدشين هذا الفن مثل طه حسين. وانطلق المسرح الشعري على يد أحمد شوقي والمسرح العادي على يد توفيق الحكيم الذي أيضا كتب الرواية ثم ظهر نجيب محفوظ.
وتجدد الشعر مع مدرسة الديوان ثم مدرسة أبوللو، أما الموسيقى والغناء فحدث ولا حرج عن عظمة سيد درويش قبل وبعد الثورة، وأم كلثوم وأسمهان وعبد الوهاب والسنباطي وزكريا أحمد ومحمود الشريف والقائمة طويلة. وانشغل المفكرون بدراسة تاريخ مصر والتاريخ العربي والإسلامي بحثا عن جذور الحضارة والمناطق المضيئة واشتعلت المعارك حول الكتب والأفكار. معركة حول العامية أو الفصحى. معركة حول كتاب في الشعر الجاهلي. معركة حول كتاب فتنة الخلافة لعلي عبد الرازق. معركة حول كتاب «لماذا أنا ملحد» لإسماعيل أدهم . معركة المصرية أم العربية. بالمناسبة لم يتم سجن أحد لإنتاجه الأدبي أو الفني. معركة حول العرب أم البحر المتوسط. وكل هذه المعارك كان يراد منها أن يتسع الطريق ويضيء للشعب.
إن المفكرين من إنتاج ثورة 1919 هم من قادوا الحياة الثقافية والفنية في عهد يوليو، ولم يكن سهلا أن يتخلوا عما تعلموه من الثقافة الرفيعة.
وفي الوقت الذي كانت تُحسم فيه الانتخابات البرلمانية لأحزاب الأقلية المتهمة بالانتماء إلى الملك والصبر على الاستعمار البريطاني ولم يفز حزب ثورة 1919 وأعني حزب الوفد، غير سنوات قليلة بالوزارة لا تزيد عن سبع سنوات تفرقت على ثلاث مرات، فأحزاب الأقلية هذه رغم ما يشوبها في السياسية هي التي تركت الباب مفتوحا على آخره للمجتمع الأهلي، فكانت الصحف وتعددها الكبير وبكل اللغات باعتبار الجاليات الأجنبية ولأنها كانت صحفا ومجلات خاصة، فكانوا يختارون لها رؤساء تحرير من الكتاب الكبار مثل طه حسين وأحمد حسن الزيات وغيرهم. وتعددت الأفكار فظهرت الأفكار الاشتراكية، ومن فضلك لم يكن وراء مفكر مثل سلامة موسى أي يد أجنبية مثلا لكن دراساته في إنكلترا عاد منها ميالا إلى الاشتراكية. لم يكن مدفوعا من الخارج غير جماعة الإخوان المسلمين صناعة بريطانيا، وهم تماما مثل صناعة إسرائيل وإقليم كشمير بين الهند وباكستان، في ما بعد. الإخوان لم يقدموا أدبا ولا فنا فليس لديهم إلا الدعوى والعودة إلى الماضي وحلم الخلافة الكاذب الذي عرف فيه الكتاب والمفكرون أكبر اضطهاد تحت الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية، ولم ينج غير فقهاء الظلام. طيب ما الذي حدث لذلك كله.. انقلاب يوليو 1952 الذي أصبح اسمه ثورة لما فعله النظام من مكاسب للعمال والفلاحين ضاعت كلها بعد ذلك لانه لم يترك خلفه أحزابا ولا نقابات تدافع عنها. وأعود فأقول إن المفكرين من إنتاج ثورة 1919 هم من قادوا الحياة الثقافية والفنية في عهد يوليو، ولم يكن سهلا أن يتخلوا عما تعلموه من الثقافة الرفيعة. أي أن نجاح يوليو في هذا السياق يرجع إلى مُنتج ثورة 1919 . لم يكن هناك غيرهم يا عزيزي. أصغرهم سنا يوسف إدريس نشر قبل الثورة بعامين أو ثلاثة أعوام. لماذا حققت ثورة 1919 تلك الطفرة الفنية والأدبية؟ لأنها وسعت من مساحة الليبرالية وخرجت من مظلة الحكم المطلق الذي فشل دائما في العودة، حتى بدأ عصر الانقلابات العسكرية مع حسني الزعيم في سوريا في نهاية الأربعينيات ثم تمدد.
٭ روائي من مصر