الوجوه الجديدة التي ظهرت مع أشرف عبد الباقي في مسرح مصر، وأخذت فرصتها كاملة لإثبات جدارتها في التمثيل، لم تغتنم الفرصة في المجال السينمائي بما يُناسب السينما بطبيعتها وسحرها ومميزاتها الجماهيرية والتأثيرية الكبيرة، بل إن معظم الذين جاءتهم فرصة التمثيل في السينما على طبق من فضة أهدروها نتيجة عدم الوعي بالفارق الأدائي والتقني بين السينما والمسرح، ولم تكن هذه مسؤوليتهم فقط كممثلين، لكنها كانت مسؤولية من كتبوا لهم النصوص السينمائية، بدون إدراك ذلك الفارق الحقيقي والجوهري بين الأداء المباشر للممثل على المسرح والأداء السينمائي الذي يعتمد على الاستيعاب والتخزين التلقائي لكل كبيرة وصغيرة، تخص الشخصيات والمواقف والأحداث، ومهارة استدعاء التفاصيل وقت استحضار الشخصية والموقف، بشكل مُقنن وحسبما تقتضي الحالة الدرامية في السينما.
المباشرة في الكوميديا هي أخطر عيوب الممثل المسرحي ونقطة الضعف التي تخصم من أدائه وتجعله أقرب إلى المشخصاتي منه إلى الممثل المقنع، وتحتاج مسألة الإقناع إلى نص جيد يسمح باكتشاف مواطن ومكامن الموهبة لدى من يرغب في التمثيل، وتزداد أهمية النص في السينما، فلابد من سيناريو جيد يكون ملائماً في حالة الفيلم الكوميدي، إذ لا يمكن توليد الكوميديا من فراغ، اعتماداً على قدرات الممثل وحدة، حتى لو كان موهوباً.
في فيلم “خير وبركة” نلحظ افتقاداً كاملاً للسيناريو أو النص السينمائي بمواصفاته المعهودة، وهي الإطار والشكل والحدث والمضمون والعقدة الدرامية، فكل ما اعتمد عليه المخرج سامح عبد العزيز لم يزد عن كونه حاله كوميدية ملفقة لشقيقين غير مؤهلين للحياة الطبيعية، أو بمعنى أدق فاقدين للأهلية، الشقيقان هما “خير وبركة” ويجسد أدوارهما علي ربيع ومحمد عبد الرحمن، ويلعب المخرج بشكل أساسي على حالة البلاهة التي يتسم بها سلوكهما العام، في محاولة لتطويع ما يصدر عنهما لخدمة الفكرة الكوميدية، وما يتخللها من مفارقات هي بالضرورة متوقعة في سلوك البطلين غير السويين.
وترتكز الأحداث على رغبة الشقيقين في حضور حفل لمطربة مشهورة والبحث عن تذكرتين للدخول، ورغم سطحية الفكرة وسذاجة المعالجة إلا أن المخرج تمادى في خلق التفاصيل، وأضاف الكثير من المواقف لزيادة جرعات الضحك، بدون التنبه إلى ضعف النقطة المركزية ذاتها، وهي رحلة البحث عن تذكرتين، وما نتج عنها من مشاكل وخلافات بين خير وبركة، وهما البليهان بنص السيناريو ومعطيات الفيلم، وبين أحد المحتالين، الذي تحول بعد ذلك إلى زعيم عصابة دونما تبرير مقنع لهذا التحول، أو إيضاح لطبيعة نشاطه الإجرامي!
وكما جاء الفيلم مُلفقاً في معظمة، جاء أيضاً دور دلال عبد العزيز التي جسدت شخصية أم خير وبركة بشكل اجتهادي ليس إلا، حيث افتقر الدور ذاته لكافة الحيثيات التي تجعله دوراً إنسانياً أو كوميدياً، ولهذا لم تستطع الفنانة صاحبة الخبرة أن تعطي للشخصية الإحساس الملائم لها، كي تعبر عن معاناتها وأزمتها النفسية في التفاهم مع ولديها محدودي الذكاء، ومن ثم صار أداؤها متبايناً وغير متكافئ مع الحالة المعضلة للشقيقين. ففي معظم المشاهد بدت وكأنها حائرة في رد الفعل الخاص بها كأم، فلا هي تستطيع الضحك ولا هي تستطيع البكاء، فثمة خلط في الشعور أصابها فجعلها في منطقة محايدة وغريبة. وبتداعي المواقف وتكرارها لم يكن أمام البطلين، علي ربيع ومحمد عبد الرحمن سوى الأفيهات كغطاء وحيد يمنح الفيلم نكهة كوميدية غير حقيقية تتأسس على الافتعال، وتستمد مذاقها وتأثيرها من خفة الظل المعهودة عنهما، كأنه استدعاء قسري لما سبق من أدوارهما المضحكة يتم الرهان عليها بأثر رجعي، في غياب الحدث الكوميدي المتصل بالحدوتة وسياقاتها الواهية.
وأمام تبديد الفرصة وفقدان الحالة السينمائية لمميزاتها الحقيقية، تظهر قدرات سيد رجب كفنان لديه مخزون وفير من موهبة خاصة يمكن استثمارها على أكثر من وجه وبطرق مختلفة، فقد أدى دور البلطجي، صاحب القوة والنفوذ ببراعة قلبت موازين التقييم، وجعلت موطن القوة الأصلي للفيلم في الجانب الاستثنائي المتعلق بدوره وأدائه المتميز، الذي عوض الكثير من نقاط الضعف، كونه اتسم بالإثارة وجعل المشاهد في حالة من الترقب والانتظار، وحقق الحد الأدنى من النجاح المستهدف فأنقذ ما يمكن إنقاذه.