الفيلم المصري “الضيف”: السينما على طريقة التوك شو

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ــ “القدس العربي”: في ظل تجارب السينما المصرية هذه الأيام، ما بين أعمال تحاول التفلسف الأجوف على شاكلة التأمل والنظر إلى السقف طوال الوقت، كمحاولة لادعاء الحكمة، لكنها في الأساس أحد مظاهر المرض النفسي، وأعمال أخرى تجسد البطولة الوهمية الأقرب للبلطجة، وهو شكل البطل الشعبي في مصر الآن، وأخيراً بعض الأعمال التي تعتمد على الراقصات والمطربين الشعبيين، أقرب لشغل الموالد وكباريهات الدرجة الثالثة. بين كل هذه الأشكال التي تتوسل السينما كفن جماهيري، تأتي الأفلام الجادة، المهمومة بقضايا الوطن المُلحة ــ كاستثناء ــ والتي ترى الخلاص في مناقشاتها واختلاق الجدل حولها، بخلاف حالة الركود الفكري والذهني التي يعاني منها الجميع في ظل سياسات لا بداية ولا نهاية لها، من حيث توطيد السلطة واستحكاماتها، وصولاً إلى حالة قمعية تطول الجميع. وقد أشيع أن فيلم “الضيف” ينتمي للنوعية الأخيرة من الأفلام التي تحاول إلقاء الضوء على أزمات المجتمع المصري، ومناقشة أفكار كان من المتوجب أن يكون قد تجاوزها، كقمع الحريات والتطرف، وكذا بعض مظاهر التدين التي أصلتها الرؤية السلفية لله والدين والإنسان. ولكن هل تكفي الأفكار وحدها في خلق حالة فنية، وسينمائية بشكل خاص؟ أم أنها مجرد وسيلة يمكن استبدالها بمقال أو برنامج حواري ــ وكل منهما يحترفهما كاتب الفيلم ــ وبالتالي لا يعد فيلماً، اللهم ثرثرة تقترب كثيرا من حكايات المقاهي، وعلى أكثر تقدير نقاش في ندوة لا يحضرها إلا أصحابها وأصحابهم الذين يقومون بدور الكومبارس. العمل أداء خالد الصاوي، وأحمد مالك، وشيرين رضا، وجميلة عوض، وماجد الكدواني، ومحمد ممدوح. مدير التصوير مازن المتجول، مونتاج أحمد حافظ، ديكور علي حسام، وموسيقى هشام نزيه. تأليف إبراهيم عيسى ومن إخراج هادي الباجوري.

الشخصيات المجردة

ليس كل كاتب مقالات أو مقدم برامج حوارية ــ في حال إبراهيم عيسى فهو يقدم برامج يتكلم فيها بمفرده أغلب الوقت ــ يمكنه كتابة سيناريو فيلم سينمائي، أو التعامل من خلال الدراما. ولا تختلف روايات إبراهيم عيسى عن سيناريو فيلم “الضيف” ذلك لأنه يخلق شخصياته لتصبح أبواقاً لأفكار مجردة وآراء صاحبها، وبذلك تختفي أبعاد وحياة الشخصية، فاقدة وجودها الدرامي، وحتى وإن تطورت ولو على سبيل رد الفعل أو مواجهة موقف ما، فهي لا تقوم بذلك إلا من خلال فكرة أخرى تنهض في مواجهة صراع الأفكار هذا. وإن كان عيسى حاول ذلك من قبل في فيلم “مولانا” المأخوذ عن رواية له بالاسم نفسه، إلا أن الأمر ازداد سوءا في “الضيف” فأصبحنا أمام برنامج يضم شخصيات عدة ويستمر لأكثر من ساعة ونصف الساعة، لكنه يُدعى هذه المرّة فيلماً.

الحكاية

يحيى التيجاني (خالد الصاوي) مفكر تنويري ــ سنتحدث بلغته ــ من المغضوب عليهم، والمشهور عنه بين العامة هو انتقاد الدين، حد اتهامه بتهمة ازدراء الأديان، والتي يُحاكم بسببها. تقوم الدولة بتعيين حراسة شخصية له وبيته. فالدولة أيضاً تريد أن تظهر بأنها حامية الفكر والمفكرين من الظلاميين، هذا لا ينفي تحالفها معهم ومحاكمة الرجل في تهمة يرمي بها المتشددون كل من يخالفهم الرأي. حتى الآن الأمور تسير على ما يرام. إلا أن الرجل الملقب بالتيجاني ــ إحدى الطرق الصوفية الشهيرة في مصر، روادها معظمهم من المثقفين والكتاب ــ لا يكف عن الثرثرة المزمنة ومناقشة الأفكار التي يواجهها. وحتى لا يتحول إلى إنسان آلي، كان لابد من هوايات وحاجات يحبها ــ كإنسان طبيعي ــ فهو يحب الطعام ومشاهدة مباريات كرة القدم. ومن خلال ليلة واحدة هي زمن أحداث الفيلم، يتم الكشف عن الحكاية وما فيها، فيأتي المهندس الأكاديمي الشاب أسامة (أحمد مالك) ضيفاً على بيت التيجاني، ليتقدم لخطبة ابنته الوحيدة فريدة (جميلة عوض) ولا تخفي الأم مارلين (شيرين رضا) ــ سنعرف موضوع مارلين هذا في ما بعد ــ سعادتها بالطبع. وبمجرد وصول “الضيف” يتحول الأمر إلى نقاش مستمر لا يهدأ حول الدين والتعصب والأفكار المغلوطة للمتدينين أو المتأسلمين بمعنى أدق، من حجاب إلى نقاب ــ فالأبنة الوحيدة لبست الحجاب بفضل الحب ــ وبعد صراع مرير مع أسرتها، خاصة الأم، التي سنعرف لاحقاً أنها مسيحية، وقد أخفت ابنتها عن خطيبها الشاب هذا الأمر، حتى لا تفسد حياتها. الشاب الذي يبحلق متأملاً أو ممتعضاً من كلمات وأفكار الرجل، يقوم بالتسلل إلى حجرة المكتب ويفتح ظهر الهدية التي أتى بها ــ آية قرآنية ــ ليستخرج مسدساً، يهدد به الجميع، فهو جاء ليهدر دم يحيى الكافر من وجهة نظر الشاب المسلم، المتعلم في الولايات المتحدة والمعيد في الجامعة، فهو ليس فقيراً أو جاهلاً مغررا به، وهو يخالف الصورة النمطية التي استهلك بها علماء الاجتماع أعمارنا. ويكشف الشاب أن الكاتب التنويري كان في السابق أحد المتشددين، وقد قام بإحراق نوادي الفيديو ــ كانت شوطة للجماعات المتطرفة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الفائت ــ وفي النهاية ينجح يحيى في قتل الشاب، بعدما يتمكن الأخير من إصابته إصابة بالغة، وبعدين؟

التوك شو والمسرحة

العمل بالكامل لا يعدو مناظرة فكرية طويلة بين الرجل والشاب، وما الشخصيات سوى فواصل في برنامج حواري، كتحضير الطعام، وحديث الأم عن ذكرياتها وتعرفها بزوجها، أو الحوار الخافت بين الأم وابنتها في ردهة البيت، ــ كلاشيهات معهودة في مثل هذه المواقف ــ أو زيارة الخال (ماجد الكدواني) ليقول بأن الشاب لا يحب الفتاة، ويُثني المفكر عن كتاباته فهو يحرث في بحر، أو ضابط الحراسة (محمد ممدوح) ليستوثق بدوره من صلاح فكر وعقيدة الرجل الذي يقوم بحراسته. ففكرة عمل سينمائي يدور بين شخصيات محدودة وفي مكان واحد، وزمن محكوم أيضاً ــ ليلة واحدة ــ يعد من أصعب أشكال الكتابة السينمائية، بداية لأنه يقترب من المسرح إلى حد كبير، وثانياً أن يكون هذا الحوار الدائر دوماً له المعادل البصري الذي يجيد التعبير عنه، وهناك تجارب هامة اتخذت من هذا الشكل الدرامي بنيتها السينمائية، لعل من أشهرها “مَن يخاف فرجينيا وولف” ــ المأخوذ عن مسرحية لإدوار ألبي ــ أو “12 رجلا غاضبا” ومؤخراً الفيلم الإيطالي “غرباء تماما”. أما في “الضيف” فلا تطور أو تحوّل للشخصيات، أو حتى كشف ما هو غامض، خاصة في الأداء المتفاوت ما بين التنويري التهكمي ــ حتى في لحظات تهديده وأسرته بالقتل ــ أو أداء الشاب وكأنه سيتحوّل إلى كائن آخر في النهاية، وصولاً إلى المرأة ــ الأم وابنتها ــ ككائنات محل اختبار لمثل هذه الفكرة أو تلك. فالسينما أولاً وأخيراً تهتم بكيفية التعامل مع الفكرة وتقديمها، وإما المباشرة والفجاجة، وقد أكدهمها “الضيف”على طول الخط.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية