عطالة الشعراء العرب

حجم الخط
1

هل يمكن للشعراء العرب ان يغيروا حركة قمصانهم خارج(نسق) الدولاب؟ وهل يمكن للغة بوصفها تفكيرا او وهما ان تتحول الى طائرة او برميل متفجر، اوان تلبس قبعة الجنرال لتثير فزعا عند الجمهور، او عمامة الفقيه التي تغوي المريدين وتوسع جمعهم الباحث عن الاشباعات الكبرى؟ هذه الاسئلة ليست لاباحة السخرية المرة، بل هي عتبة للولوج الى السخرية ذاتها، تلك التي تركتنا خارج التاريخ، وخارج التدوين وخارج المعنى، واوهمتنا بخطورة الصناعة الشعرية التي تركها لنا الاجداد دون شفرات ودون خرائط….
الادعاء بان الصناعة الشعرية تشبه الخيمياء المثيولوجية، وتسويقها بوصفها فكرة لاثبات فعالية الذات الشعرية، لم تعد نافعة، ولم تعد مؤثرة في صنع مريدين لها، لان (صناعة الشعر) ستكون شبيهة باي صناعة اخرى، اي بحاجتها لان تحوز على شروط المنتج والواسطة والرسالة والمستهلك، وحتى حاجتها الى رجع صدى لمعرفة حدود الاثر والجدوى..هذا الترسيم الياكوبسني يرتبط بجانب اخر مهم واكثر واقعية، ذلك التي يتعلق بمعرفة هوية(السوق الشعرية) وطبيعة الجهات التمويلية والسياسية التي تفكر باهمية العناية ب(الاقتصاد الشعري) وضرورة ان يحظى الشعراء بجرعات عالية من الاطمئنان…
واحسب ان حديث الجيل الثاني من اصحاب مدرسة فرانكفورت ومنهم ادرنو عن(الصناعة الثقافية) يقترن بجملة من المقدمات والمعطيات التي تعطي لهذه الصناعة توصيفها وفعالياتها في انتاج مظاهر للوعي، وفي خلق حراك انتاجي يقوم على فكرة الاعلان والترويج والجذب والاستهلاك، واذا كان الغرب يعاني مثل الاخرين من مظاهر سوء الاستهلاك الشعري، فان الشعراء في الغرب يتمتعون ب(شرعنة) المواطنة، وهي قوة حقوقية واخلاقية ورعوية، اي انها تمنح الشاعر الحق في الرعاية والدعم بوصف التفكير والاعلان عنه والمجاهرة به، وحتى بيعه حقا وطنيا وقانونيا…
والعودة للشعراء العرب يعني الحديث عن توقهم الواهم لان يملكوا حقا ولو محدودا للترويج عن بضاعتهم، وللعيش باطمئنانات تملك الحد الادنى من القبول، اذ بات الشعراء بلا (اسواق تاريخية) وبلا(مريدين) وربما فقدوا في مرحلة مابعد(الربيع العربي) الاغطية السلطانية التي كانت تزقهم بالعطايا، وتصدّق بعض اوهامهم الشعرية، وتقيم لهم المهرجانات الصاخبة، لان القوى الجديدة من الاصوليين لايصدقون حكاية الشعر ولا الشعراء الذين يتعبهم الغاوون، والذين سيكفرونهم في المرحلة اللاحقة من سرديات الدولة الخلافية!!
قرأت قبل ايام بعض قصائد الشاعر نوري الجراح(يأس نوح) والتي غمرتني بالكثير من البهجة الشعرية والشجن العميق، ربما لاني قرأت كثيرا له، واعرف مقدار جديته في هذه الصناعة الساحرة والماكرة، وانحيازه لكتابة الوعي في صورته واستعارته، وفي رؤيته للوجود، وربما لان حجم الجرح الذي يخبئه الشاعر تحت معطفه القديم كبير ونازف، اذ هو جرح البلاد والوجع والمنفى، وحرج اليأس الذي تحوّل الى هاجس عربي، اذ بدأنا نعيش فقدانات(اندلسية)كبيرة، بدءا من اندلس المكان المديني وانتهاء باندلس الروح واللغة.
هذا الاحساس المروّع بالخيبة والفقد اوصلني الى يقين بضرورة ان نراجع كل شيء، مراجعة ثقافة التسليح، وثقافة السلطة والايديولوجيا، وثقافة الفرجة والاحتفال والكلام والتدين، وسياسات النهي عن المنكر، هذه المرجعة هي الوجه الاخر للحلول، حلول بمستوى الانقاذ والتطهير حتى لايصل البرابرة الى اسرتنا والى ماتبقى من قصائدنا، حلول لاتكمن طبعا في اعادة انتاج الايديولوجيا ولا في اعادة كتابة التاريخ المفتوح على المصائب، ولا حتى في تداولية الخطاب الديني الذي تحول الى خطاب معسكرات ولعبة في القسوة المتبادلة، بل في التعاطي مع الحل(الصنايعي) وفي التخلص من معطف الحكواتي القديم الذي علّق في رؤوسنا الفوانيس التي لاتشتعل، ولاتدلنا الى اي طريق، اذ نحن ابتلينا بتاريخنا المكدس والمضلل والوهمي، وغير المؤرشف وغير المحقق، انه تاريخ الطين والغبار والكلام والاكاذيب والبطولات والخوارق التي لاتطرد لصا يقف عند الشباك، ولا تحاور(مستعمرا) يريد ان يستلب ما تبقى من المكان والمعنى…

علي حسن الفواز

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية