المعارضة بأثر رجعي: قراءة جديدة في فيلم “سوق المتعة”  

كمال القاضي
حجم الخط
1

عنيت السينما المصرية قبل مئة عام بقضية الحرية في كثير من الأفلام، كواحدة من القضايا المهمة والملحة في الطرح الدرامي، وبرزت عبر سنوات الزخم السينمائي اسهامات المبدعين في هذا المجال من الذين عملوا على رصد الحالات الإنسانية وتصوير النماذج التي تعاني بعض الأمراض النفسية نتيجة القهر، والتي تتولد تلقائياً بفعل الكبت وتنمو داخلياً حتى تُصبح نبتا متشعبا داخل ثنايا الشعور والحواس يتعايش معه الإنسان ذاتياً ويفقد تدريجيا أي إحساس بالألم، بل وتصل درجات الخنوع داخله إلى الحد الذي يستعذب معه المهانة ويتلذذ بجلد ذاته إذا ما كفت الأيدي الأخرى عن جلده!

نوع من التواطؤ يمارسه الإنسان ضد نفسه عندما يصل إلى أقصى درجات الألم ويفقد القدرة على المقاومة فينزل بإحساسه إلى أسفل وتأخذ المقاومة في داخله اتجاها عكسيا، ويلجأ إلى الاعتراف القهري بأنه مُذنب ويستحق الجلد أكثر من مرة.

تلك معطيات افتراضية قدمها فيلم “سوق المتعة” للمخرج سمير سيف، قبل أكثر من عشر سنوات، في معالجة سينمائية خاصة، تربط بين كل ذلك والمعنى المستهدف من السياق الدرامي. فالسيناريست وحيد حامد اعتمد على ثيمة بسيطة وفكرة نفسية تدور حول تعاظم الإحساس بالقهر داخل الإنسان المسالم الذي يفاجأ بأنه متورط في قضية تودي به إلى السجن وتلزمه البقاء في زنزانة متر في متر لمدة خمسة وعشرين عاماً، يقضي خلالها عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة وهو يجهل الأسباب التي أدت به إلى هذا المصير.

بطل “سوق المتعة” رجل من تلك النوعية التي تقع عادة ضحية لمثاليات بلهاء وأحاسيس ساذجة تستشعر الأمان ولا تستشعر الخطر فتدفع الثمن باهظا، “فأبو المحاسن” الذي أدى دورة الفنان الراحل محمود عبد العزيز، بطل نبيل يخرج من السجن بعد قضاء المدة ليبحث عن عمل شريف يقتات منه، فلا يجد أمامه سوى فرصة واحدة لعمل بسيط في مستوقد فول يقبله متأففا أمام وطأة الحاجة وحرقة الجوع، وبينما هو يكدح ويحمل فوق رأسه رماد العالم وهباب الدنيا يأتيه من يعده بكنوز الأرض ومفاتيح السعادة ولا يطلب منه غير السكوت وعدم البوح بالسر مهما كانت التحديات والإغراءات.

 عندئذ تدور رأس اليائس الحزين ويوافق السجين البائس ويوقع الصفقة مع رسول الشيطان الذي جاءه بثروة طائلة على غير موعد مُعرفاً نفسه بأنه مصباح علاء الدين.

دلالات قوية وجمل حوارية قصيرة وموحية استخدمها وحيد حامد في تكوين المشاهد درامياً وبنى عليها فلسفته طوال الأحداث التي امتدت إلى ما يقرب من ساعتين. فالصفقة التي عقدها البطل مع الرجل المجهول صاحب الثروة تقترب كثيراً من رؤية شكسبير للصفقة التي عقدها فاوست مع الشيطان مقابل أن يمنحه الحياة، فالتماثل بين الصورتين السينمائية والمسرحية تحقق بنسبة كبيرة وإن كان قد اختلف في الشكل والتوظيف.

وتنتقل الأحداث إلى دائرة أخرى تمثل بؤرة المضمون والهدف من هذا الفيلم، وهي الرواسب التي يتركها السجن داخل أعماق السجين حتى بعد تحرره من القيود ووجوده خارج الأسوار، لأن المأساة الحقيقية تكمن في حالة التمزق والفصام التي عاشها البطل أبو المحاسن خارج السجن وارتداده مرة أخرى إلى حياة القمع والقهر والتعذيب الذي تفاقمت بداخله فأصبحت جزءا أصيلاً منه، يمارسه ضد نفسه دون عناء كأنه شيء فطري فيه، حتى في علاقته العاطفية لم يرغب أن ينفس عن رغباته بشكل طبيعي، لكنه ظل يلجأ إلى الطُرق السرية والمستهجنة، وكذلك في النوم والمعيشة، أخذ يُفضل سُبل التدني على التمتع بوسائل الراحة والرفاهية فيترك غرفة نومه في فندق الدرجة الأولى لينام في الحمام، وكلها إشارات لملامح استعذاب القهر الذي تمارسه السلطة الأعلى على اختلاف مستوياتها ونوعياتها وتمضي في ممارسته حتى يُصبح عادة نمارسها طوعاً وبشكل يومي ولا نرتضي لها بديلاً وإن قايضناها بالثروة .

وفي هذه الجزئية بالتحديد نرى البطل يستثمر أمواله بعد خروجه من السجن العمومي في بناء سجن قطاع خاص، يُشرف عليه بنفسه ويستضيف فيه كل زملائه من المساجين القدامى، وهنا تأكيد على أن الأموال التي تأتي من عائد السجن لا تؤدي إلا لسجن جديد لا يختلف في شيء غير الشكل وطريقة الإدارة فقط.

وقد توحدت الرؤية لدى السيناريست وحيد حامد والمخرج سمير سيف في مشهد النهاية، إذ اتفقا الاثنان على نهاية واحدة جمعت بين أسلوب المخرج الذي يغلب عليه الميل إلى الأكشن وبين رؤية الكاتب التي تمتاز بالدلالة الضمنية.

وقد تفوق بطل الفيلم الراحل محمود عبد العزيز على نفسه أداءً وفهماً للبعد النفسي للشخصية، بينما اعتمدت الهام شاهين في دورها على الاستعراض الشكلي أكثر من الروح الداخلية للشخصية المركبة، وذلك قبل أن تكتسب المزيد من الخبرات التي حصلتها فيما بعد، أما فاروق الفيشاوي فقد أتقن دوره في حدود المساحة المتاحة، فالدور صعب برغم قصره ومحدوديته.

ويتلخص الدرس المستفاد من الفيلم والأحداث في مفهوم ينطوي على حكمة مهمة مفادها، أنه لا مرادف للسجن إلا السجن ولا بديل للحرية إلا الحرية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية