فلسطين-“القدس العربي”: أثار إغلاق سلطات الاحتلال الإسرائيلي البوابات الخارجية المؤدية إلى باب الرحمة في المسجد الأقصى المبارك التوتر في القدس، وجدد المخاوف حول عزم الاحتلال فرض التقسيم المكاني على المسجد بإقامة كنيس يهودي في المكان.
وعلى مدار الأيام الماضية شهد المسجد الأقصى توترا كبيرا عقب قيام سلطات الاحتلال الإسرائيلي بوضع سلاسل حديدية على البوابات الخارجية المؤدية إلى باب الرحمة الواقع في الجدار الشرقي للمسجد الأقصى. وقام الشبان بخلع البوابات الخارجية عقب اشتباكات مع قوات الاحتلال التي اعتدت عليهم بالضرب واعتقلت عددا منهم.
وقال مفتي القدس والديار الفلسطينية، الشيخ محمد حسين، في حديث مع “القدس العربي”: إن ما جرى يعتبر تحديا واضحا لمشاعر كل المسلمين بمحاولة اقتطاع جزء من المسجد وتحويله إلى كنيس، إضافة إلى انها خطوة للتدخل المباشر في شؤون المسجد الذي تتولى إدارته وزارة الأوقاف الأردنية لمحاولة تغيير الأمر الواقع المستمر منذ عام 1967″ معتبراً الماس بالمسجد إثارة للنزاعات والحروب الدينية.
وعقب صلاة الجمعة نجح المئات من الملصين بإعادة فتح الباب بعد إغلاق استمر 16 عاما، حيث أدوا الصلوات داخل باحاته. وتقدم المتظاهرين والمصلين رئيس وأعضاء مجلس الأوقاف الإسلامية والعديد من الشخصيات المقدسية لفتح باب الرحمة.
وقال خطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري، لـ “القدس العربي”: ان مصلى باب الرحمة جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى، وهو مصلى قديم وأطلق منه الإمام الغزالي كتابه الشهير، مضيفا ان سلطات الاحتلال تريد العبث داخل المسجد الأقصى من خلال هذه المحاولات.
وأوضح أن الأيام المقبلة ستشهد تطورات أما بان تسلم سلطات الاحتلال بفتح الباب، أو تقوم بإعادة إغلاقه وهنا المصلون جاهزون للتصدي لهذه المحاولة بالاستمرار في التواجد في المكان، حيث سنعيد تجربة البوابات التي انتصرنا بها على الاحتلال قبل عامين.
وأكد صبري أن المسجد الأقصى لا يخضع لمحاكم وقرارات الاحتلال وهو مسجد إسلامي خالص بكل مساحته الـ144 دونما والتي تشمل مصليات وأروقة وباحات المسجد وما فوقه وأسفله، وهو جزء من عقيدة كل المسلمين في العالم، لافتا إلى ان سلطات الاحتلال تخطط لفرض التقسيم المكاني على المسجد الأقصى انطلاقا من باب الرحمة، حيث اعترف أحد قادة الاحتلال بأن هناك مخططا سيتم تنفيذه خلال السنوات الثلاث المقبلة لفرض التقسيم المكاني على المسجد. وحذر الشيخ الاحتلال من أي محاولة للعبث في المسجد من شأنها ان توتر الأجواء وتشعل المنطقة.
ويعود هذا الباب إلى العصر الأموي، وهو باب مزدوج يعلوه قوسان ويؤدي إلى باحة مسقوفة بعقود ترتكز على أقواس قائمة فوق أعمدة كورنثينة ضخمة، وقد أغلق باب الرحمة، وقيل إن الذي أغلقه هو صلاح الدين الأيوبي دفاعاً عن المسجد الذي يؤدي مباشرة إلى داخله.
وواصل الفلسطينيون إقامة صلواتهم قبالة الباب المستهدف، رغم إعادة البوابة ووضع دائرة الأوقاف قفلا صغيرا، حيث أعلنت الأوقاف انها ستقيم بداخله مصلى دائما لحمايته ولمنع أي محاولة إسرائيلية للسيطرة عليه وتحويله إلى كنيس.
وقال الخبير بالخرائط الاستيطانية، خليل التفكجي، في حديث مع “القدس العربي”: “إن ما يجري استخدام أساطير دينية وتجييرها لغايات سياسية لفرض التقسيم المكاني على المسجد الأقصى بعد فرض التقسيم الزماني بسيطرتهم على دخول وخروج المصلين عبر باب المغاربة” مضيفا هناك اسطورة دينية يهودية تتحدث عن قدوم المسيح المنتظر من باب الرحمة المعروفة “قدس الأقداس” حاملا على ظهره الهيكل المزعوم، لذلك يسعون إلى إقامة كنيس لاستقباله على باب الرحمة وعلى جزء من المقبرة التي تحيط به.
واعتقلت قوات الاحتلال عقب فتح الباب العشرات من المقدسيين من بينهم أمين سر حركة فتح بالمدينة، وأفرجت عن معظمهم بعد إبعادهم عن المسجد الأقصى مدة تتراوح بين 3 ايام إلى 3 أشهر. وقام العشرات من الشبان يوم أمس السبت بتنظيف المكان وإزالة الأتربة والركام التي كانت سلطات الاحتلال تمنع من تنظفيه.
وتشكل هذه الخطوة الأخطر عقب إغلاق إسرائيل المسجد ومحاولتها فرض بوابات حديدية على مداخله عام 2017 وهو ما تسبب بتفجر مواجهات واسعة بالقدس والضفة، بينما خاض أهالي القدس في حينها اعتصاما مفتوحا أمام أبواب المسجد انتهت بتراجع الاحتلال عن مخططاته.
ويواصل المستوطنون اقتحاماتهم المتكررة للمسجد الأقصى تحت حامية شرطة الاحتلال بالمقابل تضيق وتمنع سلطات الاحتلال دخول المصلين.
وقال ممثل منظمة التعاون الإسلامي لدى دولة فلسطين، والمتابع لشؤون القدس، السفير أحمد الرويضي، في حديث مع “القدس العربي”: “الاعتداء على باب الرحمة هو اعتداء على كل المسجد الأقصى المبارك” مضيفا عقب خلع السلسة وما جرى من اعتصامات واشتباكات داخل المسجد وصلت للاحتلال رسالة واضحة أنه لن يسمح بالمطلق تمرير مشروعه بفرض التقسيم المكاني تحت أي ذريعة تمهيدا لإقامة كنيس يهودي.
وأوضح ان لا سلطة لقضاء الاحتلال على المسجد الأقصى المبارك التي حكمت في عام 2017 لصالح إغلاق قاعة باب الرحمة، حيث تحاول إسرائيل منذ عام 2000 إيجاد موطئ قدم لها داخل المسجد الأقصى المبارك لإقامة مزاعمها الدينية تحت ذرائع وقرارات قضائية.
ولفت إلى أن هناك موقفا مشرفا من الأردن ووزارة الأوقاف بمنع المس في أي مكون من مكونات المسجد الأقصى، وهو موقف منظمة التعاون الإسلامي، لذلك فأي محاولة لتغيير الأمر الواقع سيفجر الأوضاع ليس في القدس بل في كل العالم الإسلامي الذي تداعى لهذا الحدث وأدان المحاولة الإسرائيلية للسيطرة على باب الرحمة.
وأثار قرار إعادة فتح مصلى باب الرحمة يوم الجمعة وأداء الصلوات فيه غضب المتطرفين اليهود، وطالبوا سلطات الاحتلال بقمع الملصين وإعادة إغلاق الباب، وتسلميه لأمناء الهيكل.
“فتح” و”حماس” تحذران
وحذرت حركتا فتح وحماس، إسرائيل من المس في المسجد الأقصى. وقالت حركة فتح في بيان لها، إن القدس والأقصى “خط أحمر وأن إسرائيل تتحمل مسؤولية أفعالها الإجرامية في ساحات المسجد”.
وأوضحت “ان الحركة كانت وستبقى جنبًا إلى جنب مع أبناء شعبنا رأس حربة في مقارعة الاحتلال في القدس والذود عن مقدساتنا وفي كل مكان”. وأكدت حماس في بيان أن الأقصى “خط أحمر لا يمكن للاحتلال تعديه، أو تنفيذ مخططاته بتغيير واقعه والسيطرة عليه”. وقالت إن “على الاحتلال الإسرائيلي أن يعي جيدًا رسالة الجماهير الهادرة المدافعة عن قدسها ومقدساتها، بوقف عدوانه، والكف عن العبث بهويتها الإسلامية والعربية، فكل محاولاته ستنكسر على صخرة صمود شعبنا وتضحياته، وهذا ما أثبته وشهد عليه التاريخ”.
وأضافت أن “الأمة العربية والإسلامية مطالبة اليوم بالوقوف في وجه موجة التطبيع الرسمي مع الاحتلال الذي يعتدي على مقدساتها، ويسعى إلى تبديد جهودها وتشتيت صفها، كما ندعوهم إلى القيام بواجبهم في توفير الإسناد والدعم اللازمين للقدس في مواجهة عدوها الأول المتمثل في الاحتلال الإسرائيلي”.