عداء إسرائيلي للسامية؟ حدّثْ ولا حرج!

حجم الخط
2

بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي، أوقع مجموعات الضغط اليهودية الأمريكية في حيص بيص، لم تجد إزاءه بدّاً من كسر الصمت ومحاولة تخفيف الأضرار؛ ما أمكن، بالطبع، إذْ أنّ الضربات القاصمة تعاقبت، ويُنتظر أن تتعاظم وتتفاقم طيلة الفترة التي تسبق انتخابات الكنيست، 9 نيسان (أبريل). ففي مسارات استماتته للبقاء على رأس الحكومة أياً كانت الأثمان، وعلى سبيل مواجهة المشكلات القضائية والسياسية، وكذلك التحالفات الوليدة التي تستهدف إسقاطه؛ عقد نتنياهو اتفاقاً مع حزب “البيت اليهودي” للدخول في قائمة مشتركة مع حزب “القوّة اليهودية”، لضمان بلوغ عتبة الـ3,25 وحيازة مقاعد في الكنيست. مصدر الحرج لا يكمن في أنّ الحزب الثاني ديني متشدد ويميني متطرف، فهذه ليست عناصر طارئة على تحالفات نتنياهو؛ بل في أنّ “القوّة اليهودية” لا يخفي البتة استلهام الكاهانية، العقيدة التي أطلقها الحاخام مئير كاهانا، مؤسس “حركة كاخ” وعضو الكنيست الذي قُتل في نيويورك سنة 1990.

“إنه حزب عنصري وبغيض”، قالت “لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية”، الـAIPAC، أقوى مجموعات الضغط اليهودية الأمريكية، في وصف حزب “القوّة اليهودية”؛ منضمة في ذلك إلى “اللجنة الأمريكية اليهودية”، التي ألمح قادتها، كما نقلت صحيفة “هآرتز” وليس أية وسيلة إعلام أخرى غير إسرائيلية، إلى أنّ تحالف نتنياهو مع هذه الحركة سيضع بين أيدي منظمات مقاطعة إسرائيل سلاحاً قاطعاً تصعب مقاومته. من جانبه أعلن جوناثان غريينبلات، رئيس “رابطة مناهضة التشهير” أنه “لا يتوجب أن يكون هناك مكان للعنصرية، ولا مقام لانعدام التسامح في إسرائيل، ولا في أية ديمقراطية”.

لكنّ هذه المجموعات تتفادى، غنيّ عن القول، توصيف جانب آخر من عقائد “البيت اليهودي” و”القوّة اليهودية” وما يماثلهما من جماعات متشددة دينياً ومتطرفة عنصرياً؛ أي حقيقة كونها تمارس العداء للسامية، فعلياً، ليس بمعنى إشاعة فلسفات الكراهية ضدّ العرب (الساميين، في نهاية المطاف!)، فحسب؛ بل كذلك ضدّ بعض فئات اليهود أنفسهم، وفي إسرائيل تحديداً.

العقيدة الكاهانية تحرّض على خوض صراع تناحري أقصى مع “اليهود الهيللينيين”، لأنهم أوّلاً لوّثوا التوراة بأوبئة الأفكار الليبرالية والاشتراكية والرأسمالية، وحالوا دون اكتمال اللقاء بين الصهيونية الجذرية والنزعة الدينية الأصيلة. وفي كتابه الأشهر “أربعون عاماً”، كتب كاهانا بالحرف: “هذه بلاد تنغل بالهيللينية، وبالغوييم الذين لا يجمعهم بالدين سوى النطق بالعبرية، والذين تتضخم عندهم نزعة الأنا إلى حدّ الدوس على الهيكل ونسف الديانة. الهيللينيون يسرحون ويمرحون في أرض الربّ، وحين انفصلت اليهودية عن الصهيونية باتت هذه الأخيرة مجرد شكل من النزعة القومية الكريهة. اليهودي ضدّ الهيلليني، هذه هي المعركة الحقيقية الوحيدة”.

قبل كاهانا، كان مرجعه الروحي الحاخام اللتواني أفراهام إسحق كوك قد كتب المطولات في احتقار “هؤلاء العرب البداة الذين يحتلون أرض الميعاد، التي خصّ بها الربّ إسرائيل وحدها من دون الأمم”. ولكنّ مطوّلات أخرى كان الحاخام قد خصّ بها “الصهاينة الذين يأكلون لحم الخنزير، ويستبدلون التوراة برطانة عقائدية ليبرالية أو اشتراكية”؛ ليست في نظره أقلّ من هرطقة صريحة ضدّ التوراة وضدّ الربّ. ولقد هتف أبناء كوك وأحفاده: “الربّ هو الذي قرّر أننا الشعب المختار مرّة وإلى الأبد (…) إسرائيل الكبرى هي الأرض المقدسة شاملة تامة، وهي الشعب المختار شاملاً تامّاً”.

والحال أنّ حيثيات التعريف الرسمي لمعاداة السامية، كما أقرّته منظمة “التحالف الدولي لاستذكار الهولوكوست”، الـIHRA، في مؤتمر بوخارست، صيف 2016؛ سوف تحيل أمثال كوك وكاهانا، وقيادات “البيت اليهودي” و”القوّة اليهودية”، إلى أقرب محكمة فرنسية بتهمة معاداة السامية، إذا نفّذ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وعده بإصدار قانون يماثل بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية. ولا مبالغة في تخيّل ما سيقع فيه القضاة الفرنسيون من حيص بيص، على شاكلة ما وقع لأقطاب مجموعات الضغط اليهودية الأمريكية، سواء بسواء!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية