لندن-“القدس العربي”: لم تتوقف إسرائيل لحظة واحدة عن توظيف موضوع المحرقة لتبرير جرائمها الوحشية المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني المظلوم وسياستها الإجرامية في فرض مبدأ الأمر الواقع من خلال احتلال المزيد من الأراضي الفلسطينية وضمها إلى الأراضي المحتلة. وأدت الجرائم الإسرائيلية إلى نتائج عكسية، حيث بدأ موضوع الهولوكوست ومحاربة السامية يفقدان تأثيرهما ومضمونهما. وعلى سبيل المثال كان أحد زعماء حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني في تصريحات تعتبر الأولى من نوعها، قد وصف تذكار المحرقة في ألمانيا بأنه “عار”.
ولم تمر محاولة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لتوظيف سلاح “محاربة السامية” ضد بولندا بنجاح، بل أدت إلى إلغاء قمة مجموعة “فيشغراد” التي كان مقرراً عقدها لأول مرة خارج أوروبا وفي مدينة بيت المقدس المحتلة يوم الإثنين 18 شباط/فبراير، والتي تضم 4 دول في أوروبا الوسطى وهي بولندا، والمجر، والتشيك، وسلوفاكيا؛ وعرضت إسرائيل استضافة القمة لتعزيز علاقاتها مع دول في الاتحاد الأوروبي. وأثار نتنياهو ضجة كبيرة بعد وصفه البولنديين بأنهم شركاء النازيين وأنهم تعاونوا معهم في المحرقة، على هامش اجتماعات مؤتمر وارسو. وزاد الطين بلّة القائم بأعمال وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بتصريحاته العنصرية حيث قال في أول يوم تسلم منصبه الجديد إن “أنا ابن ناجين من الهولوكوست، ذكرى الهولوكوست ليست شيئا يمكن المساومة عليه، هذا واضح، لن ننسى ولن نسامح” مؤكدا أن لا أحد يمكنه تغيير هذه الحقيقة التاريخية لما حدث. وأضاف “البولنديون تعاونوا مع النازيين بالتأكيد، لقد تعاونوا مع النازيين” وأوضح “كما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحاق شامير (الذي قُتل والده على يد البولنديين) لقد رضع البولنديون معاداة السامية من حليب أمهاتهم، لا يمكن تجميل هذا التاريخ”.
وتم إلغاء قمة مجموعة فيشغراد المقرر عقدها في بيت المقدس بعد إعلان بولندا انسحابها، في تصعيد لأزمة بينها وبين تل أبيب على خلفية التصريحات الإسرائيلية حول دور بولندا في الحرب العالمية الثانية. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية إنه “لن يتم عقد اجتماع مكتمل لمجموعة فيشغراد حيث يتطلب ذلك حضور الأعضاء الأربعة” موضحا أنه عوضا عن ذلك، سوف تعقد قمة تضم الدول الثلاث الأخرى في فيشغراد، أي جمهورية التشيك والمجر وسلوفاكيا التي سوف يلتقي رؤساء وزرائهم على الترتيب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وأعلن رئيس الوزراء البولندي، ماتيوش مورافيتسكي، انسحاب بلاده من القمة، وذلك بسبب عدم إصدار الحكومة الإسرائيلية إدانة مناسبة لتصريحات أدلى بها وزير الخارجية المؤقت الإسرائيلي المعين حديثا يسرائيل كاتس. ووصف رئيس وزراء بولندا، تعليقات وزير خارجية إسرائيل حول دور بولندا خلال محرقة اليهود بأنها “عنصرية” وقال إن “كلام وزير خارجية إسرائيل عنصري وغير مقبول، ومن الواضح أن وزير خارجيتنا، ياتسك شابوتوفيتش، لن يذهب إلى القمة”. وقالت وزارة الخارجية البولندية إنه تم استدعاء السفيرة الإسرائيلية، أنا عزاري، لمناقشة القضية.
وبدأ الخلاف عندما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال مشاركته في مؤتمر الشرق الأوسط الذي انعقد في العاصمة البولندية وارسو، إن “البولنديين كانوا يتعاونون مع القوات النازية، ولا أعرف أحدا جرت مقاضاته بسبب هذه الاستنتاجات”. وبعدها، أوضح الجانب الإسرائيلي أن نتنياهو قد تحدث عن “أشخاص بولنديين وليس الشعب البولندي”. وحاول مكتب نتنياهو لملمة الموضوع واحتواء الأزمة بقوله إن التصريح نقل بشكل خاطئ. وقال نتنياهو إن تصريحاته “تم تحريفها”. لكن الحكومة البولندية رفضت تفسير مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، وقالت إنها غير راضية عن التفسير الذي يقول إن تصريح نتنياهو نقل بشكل خاطئ.
وكتبت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن التاريخ يلاحق دبلوماسية نتنياهو في أوروبا الشرقية، وأن محرقة اليهود ليست مجرد محطة تاريخية عادية بالنسبة لكل من بولندا وإسرائيل، مضيفة أن غياب بولندا عن هذه القمة والجدال الذي تبع ذلك، بعثر أوراق نتنياهو الذي كان يطمح من خلالها إلى تعزيز تقارب إسرائيل مع بلدان أوروبا الشرقية. وبينت أن الصيغة الاستفزازية التي أعاد يسرائيل كاتس، استخدامها حوّلت الحادثة إلى أزمة. وأوضحت أن حزب العدالة والقانون البولندي الحاكم يلتزم بتلوين التاريخ الوطني بلونين مختلفين أبطال أو ضحايا، مما يعطي انطباعا بالتقليل من حجم جرائم معاداة السامية. ورأت أنه من المؤكد أن يسرائيل كاتس الذي هو من الرموز المحنّكة في حزب الليكود والذي قد يكون مرشحا محتملا لخلافة نتنياهو، قد وزن خطواته مؤخرا، وكلماته التي تسببت في خروج قمة فيشغراد عن مسارها، تخدم مصالحه السياسية أيضا. وقالت “لوموند” إن موقف كاتس الذي يتفق حوله العديد من الإسرائيليين، يعرض نتنياهو لمصاعب في السياسة الخارجية، وهو أكثر المجالات التي يتقنها، وإن هذا الموقف يكشف عن عدم الانضباط في الحكومة وداخل حزب الليكود ذاته.
على خط التصعيد في هذا الملف، أعلن وزير الثقافة البولندي بيوتر غلينسكي، عن مسابقة لإدارة متحف تاريخ اليهود البولنديين. وفُسرت هذه الخطوة على أنها محاولة من جانب اليمين للتخلص من مديره الحالي، المؤرخ داريوس ستولا. لكن أغلبية حزب العدالة والقانون البولندي تعتبر ستولا أقرب للمعارضة الليبرالية، كما أنه ما زال يلقى دعما من المعهد التاريخي اليهودي، أحد الكيانات الثلاثة التي تشترك في إدارة المتحف بالإضافة إلى بلدية وارسو ووزارة الثقافة.
وحصلت كل هذه الضجة والهجمة الإسرائيلية على دول مجموعة فيشغراد، رغم دعم دول هذه المجموعة لجرائم تل أبيب في حق الفلسطينيين. وقال جوناثان راينولد، الباحث في جامعة بار ايلان في إسرائيل، إن استراتيجية نتنياهو تقتضي العمل مع دول وسط وشرق أوروبا ومجموعة فيشغراد، للتخفيف من الضغوط التي تمارسها دول أخرى من الاتحاد الأوروبي، وأضاف أن نتنياهو يبالغ بما يحصل عليه من هذه الدول، كما إنه يسيء تقدير الثمن حسب المفاهيم اليهودية من خلال الارتباط ببعض هذه الدول. وتسببت علاقات نتنياهو مع رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان الذي زار إسرائيل في تموز/يوليو الماضي بانتقادات داخل إسرائيل بعد اتهامه بإثارة المشاعر المناهضة لليهود في بلاده. وأثار أوربان انتقادات عندما شن حملة قوية على الملياردير اليهودي الأمريكي من أصل مجري، جورج سوروس، المولود في بودابست ومؤسس منظمة “اوبن سوسايتي” التي تمول العديد من المنظمات غير الحكومية في المجر والعالم. ودافع نتنياهو عن أوربان مخاطبا إياه “لقد دافعتم عن إسرائيل مرارا في المنتديات العالمية، ونحن نقدر ذلك بشدة وهذا أمر مهم”. وكان نتنياهو قد قال ذلك خلال لقاء مع قادة دول فيشغراد في اجتماع مغلق في بودابست عام 2017 بمطالب الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بجرائم الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية واحتلالها. وقال أمام مذياع كان مفتوحا وسمعه الصحافيون “هذا جنون مطبق ويتعارض مع مصالح أوروبا”.