■ أعيش بين الإيقاع ليس فقط منذ بداية حياتي التلفزيونية، فقد وجدتني وسط إيقاع النوتة الموسيقية واللوحة التشكيلية وسيرة اللون، منذ بواكير عمري، وكأن المسألة مرتبطة ببرنامج قدريّ يخضع كله لسياقات مختلفة من الإيقاع، بدءا بالحركة الزمنية السريعة لحياتي، إلى حركة اللون والفن بكل أوجهه وهي تصنع فواصل يومياتي.
أعيش وسط هذه السياقات المختلفة، المتجانسة والمتآلفة، لتكون إيقاعي الخاص بي، ولعلّي بين ما أختاره وما يختارني، لا فرق، فأنا مهيّأة منذ ولادتي لهذا القدر.
أمّا عن فكرة الموسيقى التي تشغلني هذه الأيام، فقد جاءت بعد أن طلبت مني سيدة جليلة لإدارة حوار حول الموسيقى والإيقاع، لحظتها حضرتني جملة قرأتها للشاعر التونسي محمد الغزي حين قال «الموسيقى سُلّمنا إلى الله»، وهي ذات مرجعية كنسية، حين أُدرجت الموسيقى لتصبح جزءا من الصلاة لما لها من تأثير على المستمع، وقبل ذلك كانت مرجعية وثنية، صعب مقاومتها لجذب المصلين للكنائس وإخراجهم من المعابد الباطلة، نتحدث هنا عن إيقاع زمني صاخب بالصراعات، بين حاملي رسالة المسيح والطهر والعفّة، والغارقين في القرون الوسطى في عالم مدنّس، حيث الموسيقى لها إيقاع صاخب في محافل السكر والعربدة. هذه العبارة التي اختصرها محمد العزي بلغته، وإيمانه، ورؤيته الخاصة، خشيت كثيرا قراءتها بطريقة تسيء للسامع ذي الخلفية المتحجرة، كون عبارة كهذه تقرأ بمحدودية كلماتها ومعانيها المقتضبة في مجتمعنا، فيما الصّحيح أن تُقرأ بمعناها السّابح في ملكوت الله. إذ بقليل من التأمل ندرك أن الكون كله عبارة عن سيمفونية رائعة، وفكرة السّاكن والمتحرّك بالتأكيد لم تأت مع أوزان الخليل بن أحمد الفراهيدي، فأسبقية الخلق أوجدتها بالصيغ الأجمل على الإطلاق.
جماليات الموسيقى متنوعة بين جماليات الألفة والغرابة، وربما لهذا السبب تستعمل للعلاج، فهي أحيانا تُحدث صدمة، حسب الفروق الإيقاعية.
وجماليات الموسيقى متنوعة بين جماليات الألفة والغرابة، وربما لهذا السبب تستعمل للعلاج، فهي أحيانا تُحدث صدمة، حسب الفروق الإيقاعية. ألا يختلف الأمر حين أسمع جنائزيات باخ، وحين أسمع الفصول الأربعة لفيفالدي، أو حين أسمع ياني، أو عمر خيرت أو عمر الشريعي؟ أليست جميعها في اختلافها، واختلاف منابعها، تحرّك القلب بوتائر مختلفة؟ ألا تغيّر المزاج؟ ألا ترفع دواخلنا إلى السماء؟ عبر سلالم لا مرئية، نتسلّقُها ونحن في حالة استرخاء؟ ألا يحدث أن نشعر بالاختناق والرغبة في الانفجار والتشظي من ضغوطات الحياة، ولا نجد السّكينة إلاّ في الخلاء والاستسلام للصمت، ذلك الذي ليس صمتا تماما، بل هو فواصل من حفيف أوراق الشجر، وتغاريد طيور. حتى صياح الديكة فجرا، نوع من الموسيقى الذي تستملحه النفس وتتحرّك له مشاعر الألفة في قلوبنا، حتى أصوات المآذن في أوقات خلوتنا ترمم ما أفسده الضجيج اليومي وإيقاع الحياة الصاخب.
ألم يقل نيتشه إن «الحياة بدون موسيقى بكل بساطة خطأ، تعب، منفى» ونيتشه ليس بمقياس، لكنّه قال شيئا ترجم خباياه الإنسانية التي تشبه خبايانا، وهي نقاط تلاقينا جميعا.
عازف التشيللو الكتالوني الإسباني بابلو كسالس قال: «تطرد الموسيقى الشر من القلوب الخاوية من الحب، وتملأها بالسكينة والسلام» وهذا تحديدا ما سعى إليه المرتلون في صلواتهم، والشعراء في قصائدهم، والكتاب في نصوصهم، ففي كل نص يختفي بناء موسيقي ما. الشعر فيه إيقاع، والنثر فيه إيقاع، وأنا واحدة من الذين يكتبون قصيدة النثر، وقد قرأنا ذلك عند سوزان برنار في بداية تشكل وعينا بقصيدة النثر، إن النثر لا يعتمد على الموسيقى الخارجية، لأن القافية تمردت على الأوزان، حيث نجدها حرة، وتقود البياض، أو التكثيف في الصفحات، أو إيقاع البياض كما يحلو لي أن أسميه، فالفراغات لها إيقاع، قصيدة النثر تجاور الحروف الصفيرية، هسهسة السين.. الصاد، الزّاي.
يدخل الإيقاع حتى في عملية الإنجاب. الأب والأم نفساهما ينجبان أطفالا مختلفين، وكل طفل يولد حسب إيقاع تكوّنه، حسب فعل الحب، يدهشنا أحيانا أن لحظة الحب كلما كانت في قمّتها، ضخّت صفات التميز في الجنين، أليس هذا إعجاز حقيقي اكتشفه العلم حتى إن كان لا يزال يبحث في ميكانيزماته وأسراره؟ الإيقاع أجمل من العروض وهذا يأتي في كتاب محمد مفتاح «العالم ونظرية الإيقاع»، وهذا ما يأخذنا إلى إيقاعات اللغة، وتشكيلاتها الهندسية العجيبة خارج الشعر الموزون وغير الموزون.
فحتى الرواية فيها إيقاع، إيقاع تكرار المكان، على سبيل المثال الإيقاع في رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، يرتبط بحركة مصطفى سعيد من القاهرة إلى لندن إلى السودان، سفر الشخصية إيقاع، التقطيع الزمني في الرواية إيقاع. نتتبع بناء الرواية بالانتقال الروحي مع شخصيات الرواية، غير مبتعدين تماما عن الفضاء المحدد لنا من طرف الكاتب، وهذا إيقاع آخر يعيشه كل قارئ على حدة، بشكل مختلف مع أن النص المقروء واحد، الشيء الشبيه تماما بعملية تكون الجنين التي تحدثنا عنها سابقا.
في النصوص الروائية تتنوع الإيقاعات، إيقاع مريم في رواية «مريم الحكايا» لعلوية صبح، يأخذنا في رحلة غريبة تتقاطع بين الوهم والواقع.
في رواية أحمد السعداوي «فرانكشتاين في بغداد» لها إيقاع مختلف، من خلال تعاقب لحظات القتل والصمت، ومن خلال إيقاع الرعب الذي تعيشه المدينة، أمّا في «موت صغير» لمحمد حسن علوان، تتوارد المقولات لتكون نسقا إيقاعيا للرواية، تقسيم الفصول بمقولات جعل فعل القراءة يرتبط بها، وهذا نموذج رغم تكرره، إلا أنه يختلف من كاتب إلى آخر، تفعل غادة السّمان ذلك منذ بواكير منشوراتها، وقد أصابت كتاب جيلها وأجيال أخرى تعاقبت بعدهم بتلك العدوى، حتى أصبحت المقولة المستخلصة من قراءة سابقة، هي بداية إيقاع الأحداث كلها في أغلب النصوص السردية التي قرأناها، وكأنّها الصوت الذي يجرُّ باقي الأصوات المخزنة في المخيلة.
في النصوص الروائية تتنوع الإيقاعات، إيقاع مريم في رواية «مريم الحكايا» لعلوية صبح، يأخذنا في رحلة غريبة تتقاطع بين الوهم والواقع، نكاد نضيع في بداية النص حتى نكتشف تلك اللعبة المبتكرة من طرف الكاتبة لضبط إيقاع أحداثها المتخيلة، هذا يذكرنا بأغاني فيروز التي غنتها في ألبومها «كيفك إنت» ـ وإن رفض البعض هذه المقارنة – فقد عشنا في البداية الصدمة بسبب الإيقاع المختلف، ثم احتجنا لبعض التأمل في ذلك النّمط الجديد المقترح من طرف ابنها زياد، ثم بلغنا مرحلة تذوق جماليات تلك الأغاني، وقد كان بلوغ تلك المرحلة نوع من القفز لمرحلة وعي تفوق المعتاد، لتشكل ذائقة جديدة أصعب من أن تستوعب بخفة المألوف من أغانيها.
في حياتنا اليومية ألا يقول الواحد منا أن إيقاع حياته يختلف عن إيقاع حياة غيره؟ كيف؟ كتب فيكتور هوغو مئة وثلاثة وثلاثين كتابا بين رواية وشعر وقصـــة قصــــيرة، ونصوص أخرى متنوعة، ومع هذا عاش حياة مليـــئة بالحب والمغامرات والتسلية والمتعة وزيارة الأصدقاء، إذ لم يكن يكتب إلا خمس ساعات في اليوم، هي بين السادسة مساء والعاشرة، وفوق ذلك كان يحب النوم، والاستمتاع بفطور الصباح وكأنه يحتفل، أما بالزاك فقد حُكي عنه أن الكتابة ذبذبت نظام حياته، وجعلته يدمن على الكافيين حتى يبقى مستيقظا بين الواحدة بعد منتصف الليل إلى الثامنة صباحا ليكتب… كانت الكتابة بالنسبة له نوعا من جلد الذات، وكان إيقاع حياته ضربا من الجنون في نظر من حوله.
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين