جانب من مظاهرة حاشدة لجزائريين في باريس أمس ضد استمرار بوتفليقة و النظام ( أ ف ب)
باريس- “القدس العربي”:
قالت صحيفة “ لوموند” الفرنسية إن عدد المرشحين للهجرة يتزايد في الجزائر ليس بسبب البطالة أو الفقر؛ بل بسبب الظروف الاجتماعية التي يرى فيها بعض الجزائريين عائقا أمام ضمان مستقبل زاهر لأولادهم.
ولاحظت الصحيفة أن الجزائريين الذين يبلغون الأربعين من أعمارهم يتركون البلاد نحو دول أوروبا وأمريكا الشمالية من أجل ضمان جودة تعليم أطفالهم. نورة موظفة جزائرية ومديرة وكالة فرعية بإحدى شركات الاتصالات بمدينة بجاية تقول إنها استأذنت من إدارة الشركة وغادرت إلى الجزائر العاصمة من أجل حضور دورة تكوينية حول الهجرة إلى كندا.
نورة متزوجة وأم لطفلين وتبدو؛ ظروفها ملائمة لعيش كريم في بلادها إلا أنها فضلت المغادرة. تقول نورة “ميلاد ابني قبل ثلاث سنوات جعلني أفكر في الهجرة؛ فأنا لا أريده أن يتعلم في مدرسة لا تعلمه كيف يفكر بل تركز فقط على تعليم الصلاة والقراءة على غرار المدرسة التي تدرس فيها أخته”، وليست المدرسة هي السبب الوحيد في مغادرة نورة بل تقول إنها لم تعد تجد ذاتها في المجتمع الجزائري ككل. وتضيف نورة “المظاهر الخارجية للتدين مثل النقاب وأثر السجود في الجبهة؛ عادت من جديد بعد أن كادت تختفي بعد انتهاء الحرب الأهلية تسعينات القرن الماضي، ولا أتحدث هنا عن تلك الأمارات بل عن النفاق الذي يصاحبها، وبالتالي لا أرغب في أن يعاني أطفالي في المستقبل” “لقد تبددت آمالنا بحصول تغير يجعل المجتمع أكثر انفتاحا وتحررا ولذا أريد أن يعيش أطفالي في حرية تامة ويفعلوا ما يريدون دون أن يشعروا بأنهم مهمشون”.
ويؤكد سعيد موسيت مدير البحث بمركز دراسات الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية أن نتائج عدد من الدراسات تشير إلى انتشار هذه الظاهرة في الجزائر بعد أن باتت شائعة في كل من المغرب وتونس، حيث تلجأ عائلات مستقرة اجتماعيا ومهنيا إلى الهجرة بحثا عن تأمين مستقبل أولادها.
وفي حالة مشابهة لحالة نورة؛ بدأ أمين وهو صحافي في يومية جزائرية إعداد وثائق الهجرة لكنه يرفض المغادرة قبل الحصول على وظيفة في الخارج. أمين البالغ من العمر 45 والذي يعمل هو وزوجته في شركة دولية يقول إنه لم يفكر يوما في الهجرة مع أنه وزوجته لديهم أربعة إخوة وأخوات يعيشون في الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وبلغاريا، لكنه بات يخطط للأمر لضمان تعليم ابنته البالغة من العمر 6 سنوات والتي تدرس حاليا في إحدى المدارس الخصوصية.
واتخذ إسكندر؛ قرارا مماثلا عندما قام بترحيل زوجته وابنته ذات السبعة أعوام في إسبانيا حيث أسس وكالة للإشهارات وافتتح مطعما ويتنقل بين الجزائر وإسبانيا. يقول إسكندر إن قلقه من عدم قدرة المجتمع على التحول بدأت 2010 مع انتخاب بوتفليقة لمأمورية ثالثة؛ لكنها تعززت مع تزايد قلقي على ىمستقبل ابنتي التي ولدت بعد ذلك، مشيرا إلى أنه رفض تعليم ابنته في مدارس خصوصية حتى لا تعيش في عزلة عن المجتمع.
وبحسب منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إن 267 ألفا و 799 جزائريا من أصحاب الكفاءات “ربع المهاجرين الجزائريين” يعيشون خارج بلدهم الذي ولدوا فيه. وتبلغ نسبة المقيمين في فرنسا منهم 75% و 11% في كندا و 4% منهم في المملكة المتحدة. ويلاحظ مركز دراسات الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية انفجارا في أعداد المهاجرين الجزائريين منذ عام 1990.
وأوضحت “لوموند” أن أسباب اتخاذ قرار الهجرة تعددت بين التذمر من استشراء الفساد والمحسوبية وانتشار الفراغ الثقافي وسوء نظام التعليم ورداءة الخدمات الصحية ونقص الموارد المالية، غير أن أسبابا أخرى بدأت تضفو على السطح أبرزها انتشار التعصب وخطاب التمييز والمناهج المدرسية التي تشجع على رفض غير المسلمين وسن قوانين دينية صارمة لضبط الحياة العامة والخاصة في حياة الأفراد وتراجع مكانة المرأة.
ويبدي شاب جزائري آخر كان يعمل طبيبا في مستشفى عين النعجة بالجزائر “مهنة الطب إحدى أكثر المهن تضررا من هجرة الأدمغة” ندمه على المغادرة نحو ألمانيا التي يقيم فيها حاليا صحبة زوجته وابنته ذات الثلاث سنوات؛ وذلك بسبب تعقيدات الحياة هناك حسب وصفه. ويقول إنه يفكر في الهجرة نحو الجنوب باتجاه داكار أو أبيدجان أو ربما أديس أبابا؛ حيث لا تتحسن عادة ظروف حياة المهاجرين نحو بلدان الجنوب.
ويأمل فاهم وهو مهندس وناشط سياسي جزائري أن تتحسن الظروف ويقول إن كل هؤلاء المرشحين للهجرة لا يذهبون سوى نحو البلدان التي توجد فيها الحرية، مشيراً إلى أنهم ليسوا معزولين بالدرجة التي قد يعتقدونها.
اللافت أن صحيفة “لوموند” الفرنسية تشير إلى هذه العوامل، لكن في المقابل هناك كثير من الجزائريين من يعيب عن وسائل الإعلام الفرنسية أنها تقوم أحيانا بـ”بكاء التماسيح” على الوضع في الجزائر، لكنها التي لا تشير إلا دور باريس في دعم السلطة القائمة في الجزائر، واحتضان رموزها المتهمين بالفساد في باريس، والذين اشترى كثير منهم مثلا عقارات فيها.
وكان موقع استخباراتي فرنسي أن باريس، قبل أسبوعين وبعد أن كانت تعارض بشدة ترشح عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة؛ عادت لمراجعة حسابتها؛ حيث وافقت رسمياً على سيناريو خلافة الرئيس الجزائري لنفسه بعد عدة محادثات بدأت على أعلى مستوى وبأقصى تقدير مع مبعوثين من الجزائر.
ونقلاً عن مصدر مقرب من الاليزيه، أوضح موقع “مغرب انتليجنس” (نسبة للمنطقة المغاربية وليس المغرب) maghreb-intelligence أن الرئاسة الفرنسية لم تجد بديلا آخر تراهن عليه، معتبرة أن خيار أحمد أويحيى الوزير الأول، ورئيس حزب السلطة الثاني (التجمع الوطني الديمقراطي) غير صالح، نظرا لكونه لا يحقق الإجماع داخل القيادة العليا للجيش الجزائري.
وعلى غرار مظاهرات داخل وخارج الجزائر، تجمع آلاف الجزائريين، أمس، وللأسبوع الثاني في ساحة الجمهورية بقلب العاصمة الفرنسية باريس، رفضاً لترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لفترة رئاسية خامسة.