برلين ـ”القدس العربي”: التصريحات التي أصدرتها أنغريت كرامب كارنباور، رئيسة الحزب المسيحي الديمقراطي بشأن أهمية سحب الجنسية الألمانية من مقاتلي تنظيم “داعش” الألمان ذوي الجنسية المزدوجة، معتبرة ذلك إشارة ردع مهمة، تعكس مدى رغبة الساسة الألمان في وضع سياسة حازمة بشأن التعامل مع المقاتلين العائدين من التنظيم المتشدد الذين يحملون الجنسية الألمانية، وهو ما اعتبره البعض محاولة للتخلص من الضغوط الأمريكية على ألمانيا بعد مطالبات ترامب باستقبال ألمانيا المقاتلين الألمان العائدين من التنظيم.
وقالت كارنباور، التي خلفت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في رئاسة الحزب المسيحي لشبكة التحرير الصحافي “توقعنا من وزيرة العدل كاتارينا بارلي، هو أن تكون هناك موافقة منها على ذلك في النهاية” وأكدت أنه أمر” ضروري كما أنه إشارة ردع مهمة”. وأضافت: “من يذهب لتنظيم إرهابي، ولديه جوازي سفر، يجب أن يعرف أنه يتخلص بذلك من الجواز الألماني، ومن إمكانية العودة إلى ألمانيا”.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعا دولا أوروبية بينها ألمانيا وفرنسا، عبر موقع “تويتر” إلى استعادة أكثر من 800 مقاتل داعشي تم أسرهم في سوريا وتقديمهم إلى المحاكمة، وهدد بأنه في حال عدم استجابة الحلفاء، فإن الولايات المتحدة ستكون مضطرة إلى إطلاق سراح هؤلاء المقاتلين. يشار إلى أن هؤلاء المقاتلين محتجزون لدى قوى كردية، وليس الولايات المتحدة.
بيد أن ألمانيا ردت بفتور على النداء الذي أطلقه الرئيس الأمريكي وربطت الداخلية الموافقة على عملية الاستعادة بحدوث زيارات قنصلية لهم حيث صرحت متحدثة باسم الوزارة “مبدئيا كل المواطنين الألمان ومن يشتبه بأنه قاتل إلى جانب ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية له الحق في العودة”. ولكنها أضافت أن ذلك مشروط بالسماح لمسؤولين من القنصلية بزيارة المشتبه بهم. وقالت إن العراق أبدى اهتماما بمحاكمة بعض مقاتلي تنظيم “الدولة” الإسلامية من ألمانيا. وأضافت “لكن في سوريا لا يمكن للحكومة الألمانية ضمان الواجبات القانونية والقنصلية التي يتعين القيام بها تجاه المواطنين الألمان المسجونين بسبب الصراع المسلح هناك”.
يشار إلى أنه تم التوصل إلى اتفاق من قبل الائتلاف الحاكم إلى أن من المقرر أن يفقد أي ألماني يحمل جنسية مزدوجة، جواز السفر الألماني، إذا ثبتت عليه المشاركة في معارك تابعة لتنظيم إرهابي في الخارج. وكان الأمين العام للحزب المسيحي الديمقراطي باول تيسمايك قد اتهم وزيرة العدل مطلع الأسبوع الجاري بعدم عرض مشروع القانون الذي ينص على ذلك على الحكومة.
وتواجه ألمانيا، مثل عدة بلدان أوروبية، معضلة عودة مواطنيها الذين قاتلوا في سوريا والعراق، وخصوصاً الأطفال منهم، وقبيل إعلان السقوط الوشيك لتنظيم “داعش” الإرهابي تدرس الحكومة الألمانية حاليا الجوانب القانونية لعودة الجهاديين الألمان وسبل تقديمهم للعدالة. وسيكون من الصعب جمع أدلة تثبت تورطهم في أعمال وحشية في مناطق الصراعات، إضافة إلى عدم امتلاك ألمانيا لأي تمثيل قنصلي في سوريا. وتقول السلطات الألمانية إن نحو 1050 شخصا سافروا من ألمانيا إلى منطقة القتال في سوريا والعراق منذ 2013 وقد عاد ثلثهم تقريبا إلى ألمانيا.
ولتفادي هذا المطب القانوني، دعا وزير داخلية ولاية بافاريا يوآخيم هيرمان إلى سحب جوازات السفر من الجهاديين الألمان الذين يحملون أكثر من جنسية والذين جرى أسرهم خلال العمليات القتالية. لكن هذه الدعوة لم تلق آذاناً صاغية بشكل كاف. لكن ماذا عن معضلة أطفال الجهاديين؟
وتشهد ألمانيا سجالا حادا حول كيفية التعامل مع عودة الجهاديين من حاملي الجنسية الألمانية الذين اعتقلوا أثناء المعارك مع “داعش” فمن جهة أعلن وكيل وزارة الداخلية الألمانية للشؤون البرلمانية، شتيفان ماير، أن الوزارة تسعى إلى سحب الجنسية الألمانية من الجهاديين الذين يحملون جنسية دولة أخرى، جاء ذلك في تصريحات للمسؤول الألماني نقلتها صحف مجموعة “فونكه” الألمانية وقال ماير إن وزارة الداخلية بصدد “إعداد مشروع قانون” من أجل تقنين ذلك.
كما أن صحيفة “برلينر مورغين بوست” نشرت مقالاً تحليلياً تناولت فيه معضلة “الأطفال القنبلة” وروت فيه قصة ياسمين أو من مدينة هامبورغ، التي اختارت طريق الجهاد بعدما التحقت بشريك حياتها الجديد آنذاك في سوريا، برفقة ابنها جبريل (تسع سنوات) الذي أجبر على قضاء أربع سنوات تحت إمرة تنظيم “داعش”.
أما زميل زيهوفر في الحزب الاجتماعي المسيحي وفي المنصب السياسي، يواخيم هيرمان وزير داخلية بافاريا، فيطالب بمراقبة مكثفة لكل العائدين حاملي الجنسية الألمانية الذين لا توجد أدلة على تورطهم في جرائم يعاقب عليها القانون الألماني. وبعبارة واضحة: كل متشدد عائد لا يدخل السجن مباشرة، يجب مراقبته بشكل مكثف، حسب رأي الوزير المحلي في بافاريا.
أما إذا توفرت أدلة وقرائن على تورط عائد ما في جرائم، فلابد من مثوله فورا أمام القضاء، وهذا يعني، وفق الوزير البافاري، دخوله السجن على ذمة التحقيق فور وصوله إلى الأراضي الألمانية. ولكن في حال عدم كفاية الأدلة والقرائن على أدانة العائد، فيجب، وفق الوزير هيرمان، وضعه تحت رقابة مشددة ومكثفة وإذا اقتضى الأمر، حسب الوزير، على مدار الساعة، ما يعني إضافة عبء إضافي على عاتق جهاز الأمن الداخلي “حماية الدستور”.
رأي آخر يحول الأنظار إلى أفق بعيد عن ألمانيا، حيث يقول وزير الداخلية في ولاية بادن ـ فورتمبيرغ جنوب غرب البلاد توماس شتروبل، وهو من المحافظين في حزب المستشارة ميركل: إذا كان العائد من معتقلي سوريا يحمل جنسية أخرى إلى جانب الجنسية الألمانية، فيجب سحب الجنسية الألمانية منه وترحيله إلى موطن جنسيته الأصلية أو الأولى”. ويبرر شتروبل مقترحه بالقول: “إن من يخدم في جيش غريب عن بلاده، يفقد الجنسية التي يحملها، وهذا يجب أن ينطبق بشكل أساسي على من يخدم في قوة عسكرية إرهابية، كما هو الحال في القتال في صفوف “داعش” حسب تصريحات الوزير لصحيفة “بيلد”.
في هذا السياق ذهب أيضا وزير داخلية ولاية شمال الراين ويتسفاليا هربرت رويل الذي أوضح في كلمته أمام مؤتمر الشرطة الأوروبية المنعقد في برلين قائلا إن مشكلة عودة الأطفال واليافعين من هذه الشريحة تشكل تحديا كبيرا في ظل عدم وجود حلول صحيحة للمشكلة، حسب تعبيره.
كما طالب الوزير الاشتراكي بإقامة حوار مستديم مع جماعات وصفهم “بالإسلاميين في الإطار القانوني”. أما وزير الداخلية في ولاية ساكسونيا السفلى، بوريس بوستوريوس، فقال في تصريح له في هذا السياق إن مراقبة العائدين من مقاتلي “داعش” أمر مزعج للغاية ومجهد ويكلف الكثير من الأموال، لكنه شر لا بد منه لعدم وجود بديل لذلك.
في المقابل طالبت الخبيرة الألمانية في مكافحة التطرف كلاوديا دانتشكي في حوار مع شبكة “دويتشلاند” الألمانية الإعلامية الجهاديين الأوروبيين من سوريا “من الأفضل إيداع مقاتلي الدولة الإسلامية السابقين السجن هنا في ألمانيا على أن يبقوا طلقاء في سوريا وتركيا أو أن يكونوا هدايا بيد الأسد”. وبررت الخبيرة، التي ترأس مركز مكافحة التطرف “حياة” في برلين بأن ذلك يوفر “فرصة لإعادة إدماجهم في المجتمع”.
واعترفت الخبيرة أن عملية إعادة الإدماج قد لا تنجح في كل الحالات، إلا أنها استدركت أن الخطر سيقل بتلك العملية. ومضت كلاوديا دانتشكي قائلة “وحتى محاولات إعادة تأهيل المجرمين والمحكومين بجرائم جنسية لا تنجح دائماً ويبقى خطر عودتهم لممارسة الجرائم أمر وارد” مشددة على أنها لا ترى أي حل آخر.
كما حذرت الخبيرة من أي “أحكام مسبقة” بحق أطفال “داعش” العائدين من العراق وسوريا “الأطفال هم أول الضحايا ويجب علينا العمل على ألا يتحولوا إلى إرهابيين”. ودعت إلى إنشاء شبكة بين مكتب شؤون الشباب والمدارس ورياض الأطفال ومكتب العمل، ذاهبة إلى أن إرهابيي “داعش” الألمان اتجهوا إلى التطرف في ألمانيا ومن واجب المجتمع الألماني القضاء على خطر التطرف.
يذكر أن محكمة مدينة دوسلدورف عاصمة ولاية شمال الراين وستفاليا قد قضت مؤخرا بسجن ألماني من أصول مغربية عائد من سوريا، بخمسة أعوام وثلاثة أشهر بتهمة الانتماء لتنظيم “داعش” كما حكمت المحكمة على أخيه الأكبر سنا (36 عاما) بالسجن ثلاثة أعوام ونصف، بتهمة الإعداد لأعمال عنف جسيمة تهدد كيان الدولة الألمانية.
وكان الاخوان شاركا في القتال ضمن صفوف ميليشيا “جبهة النصرة” سابقا، “هيئة تحرير الشام” حاليا، وهي فرع تنظيم “القاعدة” في سوريا. كما شاركا في القتال إلى جانب تنظيم “داعش” بالأراضي السورية وعادا إلى ألمانيا عام 2016. وكان الادعاء العام طالب بتطبيق عقوبة السجن لمدة سبعة أعوام على أحدهما وأربعة على الآخر.