باريس-“القدس العربي”: بينما يعيشُ تنظيم “الدولة” في سوريا والعراق أيامه الأخيرة وفق التقارير الغربية؛ تتزايد الضغوط على الدول الأوروبية وعلى رأسها فرنسا، بخصوص مصير مقاتلي التنظيم الإرهابي الحاملين لجنسيات هذه الدول المحتجزين لدى الأكراد في الشمال السوري. وهي مسألة باتت اليوم أكثر من أي وقت مضى تشكل صداعاً كبيراً لكل من السلطات الكردية شبه المستقلة والتي تطالب بإعادة هؤلاء المقاتلين إلى أوطانهم، وأيضا للحكومات الغربية المترددة بشكل عام في إعادتهم، وخاصة الحكومة الفرنسية.
فمنذ وصول الرئيس الفرنسي الوسطي إيمانويل ماكرون إلى السلطة في أيار/مايو 2017، ظلت حكومته متمسكة برفضها التّام لاستعادة المقاتلين الفرنسيين في صفوف تنظيم “الدولة” وزوجاتهم، والذين وصفهم رئيس الدبلوماسية الفرنسية جان إيف لو دريان في وقت سابق بـ”أعداء الأمة” الذين يجب أن يمثلوا أمام العدالة سواء في سوريا أو العراق. وتبدو مسألة عودة أطفال الجهاديين أكثر تعقيداً في ظل اصطدامها بالقوانين الدولية لحماية الطفل التي وقعت عليها الدولة الفرنسية.
وقد فرض إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب قوات بلاده من سوريا معادلة جديدة أبقت للأكراد في شمال سوريا قضية الأسرى الدواعش المحتجزين لديهم كورقة وحيدة يناورن بها، وفق صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية. ويقول عبد الكريم عمر وهو أحد مسؤولي العلاقات الخارجية في اللجنة العليا الكردية إن من الواضح أن بلدان هؤلاء المقاتلين الأجانب في صفوف “داعش” لا تريد عودتهم إليها، محذراً من أن فرارهم خلال عملية عسكرية قد يتعرض لها الأكراد سيؤدي إلى تشتتهم وهو ما سيكون بمثابة قنبلة موقوتة. من جانبه، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأوروبيين بأن بلاده قد تضطر إلى إطلاق سراح مقاتلي “داعش” من الأوروبيين، في حالة لم تقم الدول الأوروبية باستعادة ومحاكمة نحو 800 من مواطنيها المنضمين إلى صفوف التنظيم والذين تم أسرهم في سوريا.
المحاكمات بالوكالة؟
طلبُ ترامب هذا؛ أثار تحفظات الأوروبيين الذين قابلوه بالرفض، وإن كانت مصادر فرنسية متطابقة قد أكدت قبل ذلك بنحو أسبوعين أن السلطات الفرنسية ستستقبل في الأسابيع المقبلة نحو 130 من الجهاديين الفرنسيين المحتجزين في معسكرات في الشمال السوري ستقوم باريس بترحيلهم تحت إشراف الأكراد، بينهم نحو 100 قاصر، وذلك خشية تشتت آلاف المقاتلين الذين يحتجزهم الأكراد في الشمال السوري ووصول بعضهم إلى أوروبا. ولتفادي هذا الأمر؛ أعربت وزير ة العدل الفرنسية نيكول بيلوبيه عن تفضيلها لترحيل هؤلاء الجهاديين إلى الأراضي الفرنسية ثم محاكمتهم ومتابعتهم عبر التعامل مع كل حالة بشكل منفرد، بمجرد وصولهم. وأيضا، أيد رئيس الوزراء إدوارد فيليب ترحيل الجهاديين الفرنسيين المرجح أن تطلق القوات الكردية في شمال سوريا سراحهم بعد الانسحاب الأمريكي، إلى فرنسا بدلاً من “تشتتهم وإعطائهم فرصة تكرار عملياتهم الإرهابية”. هذه التصريحات التي رأى فيها بعض المراقبين تحولاً في سياسة باريس بشأن المسألة، لاقت انتقادات لاذعة من قيادات أحزاب اليمين واليمين المتطرف، الذين يطالبون بتجريد هؤلاء المقاتلين الفرنسيين وعائلاتهم من جنسيتهم الفرنسية.
لكن، وعلى ما يبدو، فإن لقاء الرئيس العراقي برهم صالح مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يوم الإثنين الماضي بقصر الإليزيه، حمل معطى جديداً فيما يتعلق بمصير الجهاديين الفرنسيين، حيث أعلن الرئيس العراقي خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع نظيره الفرنسي أن بلاده ستُحاكم 13 مواطناً فرنسياً كانوا يقاتلون في صفوف تنظيم “الدولة” الإرهابي تسلمتهم من قوات سوريا الديمقراطية، موضحاً أنه سيتم الحُكم عليهم بموجب أحكام القانون العراقي. من جانبه؛ اعتبر إيمانويل ماكرون أن “الأمر عائد لسلطات الدول التي اعتقلت هؤلاء الجهاديين الفرنسيين لاتخاذ قرار سيادي بشأن محاكمتهم” وهو ما فهم منه مراقبون أن الجانبين العراقي والفرنسي توصلا إلى تفاهم حول طريقة معالجة معضلة الجهاديين الفرنسيين المعتقلين في سوريا والعراق والتي تؤرق الساسة في فرنسا، حيث تحدث الكاتب والمحلل السياسي في باريس مصطفى الطوسة عما وصفها بالمحاكمة بـ”الوكالة” لجهاديي فرنسا التي لطالما أصرت حكومته الحالية على ضرورة محاكمة مواطنيها محليًا بعد إلقاء القبض عليهم في سوريا أو العراق.
70 في المئة يرفضون عودة أطفال الجهاديين
ويقضي هذا التفاهم بمحاكمة هؤلاء الجهاديين، بمن فيهم أولئك الذين أسرتهم قوات سوريا الديمقراطية وتضغط لترحيلهم، في العراق بموجب الأحكام القانونية لهذا البلد. وهنا تكمن المعضلة بالنسبة للسلطات الفرنسية، حيث ترى العديد من المنظمات الحقوقية وقيادات في أحزاب اليسار أن موقف الدولة الفرنسية هذا من الجهاديين الفرنسيين وزوجاتهم والذي تؤيده أحزاب اليمين واليمين المتطرف؛ من شأنه ترك هؤلاء المواطنين الفرنسيين يواجهون عقوبة الإعدام المحظورة في فرنسا. علاوةً على ذلك؛ تواجه الحكومة الفرنسية معضلة مصير أطفال الجهاديين القاصرين العالقين في مخيمات سوريا والعراق والذين طالب أجدادهم مرارا وتكرارا من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التحلي بـ “الإنسانية” وإعادة أحفادهم إلى وطنهم بشكل عاجل.
فعقب النكسات الكبرى التي تعرض لها تنظيم “الدولة” في العراق وسوريا، تم أسر نحو 2500 طفل من 30 جنسية مع عائلاتهم ووضعهم في ثلاثة مخيمات في شمال شرق سوريا حسب منظمة إنقاذ الطفولة غير الحكومية. من بين هؤلاء الأطفال نحو 100 طفل فرنسي قاصر، شدد وزير الداخلية الفرنسي كريستوف كاستانير أنه لا يحق للحكومة قانونياً إعادتهم إلى الأراضي الفرنسية. وهو موقف قوبل بتقديم عائلات أطفال هؤلاء الجهاديين الفرنسيين شكوى جماعية ضد فرنسا هذا الخميس أمام لجنة حقوق الطفل التابعة لمنظمة الأمم المتحدة؛ متهمين إياها بـ”التقاعس”. ويأملون أن تدفع اللجنة الدولة الفرنسية إلى “تحمل المسؤولية وحماية هؤلاء الأطفال من خطر المجاعة والموت الوشيك الذي يواجهونه”. وفي هذا الإطار قالت المحامية ماري دوزي: “على الدولة الفرنسية أن تحترم التزاماتها الدولية. لقد صدمني إعطاء إيمانويل ماكرون الأولوية لتسليم ثلاثة عشر جهاديا للعدالة العراقية خلال لقائه مع الرئيس العراقي وتجاهله التام مصير الأطفال الذين يموتون من الجوع والعطش والأمراض. فهؤلاء الأطفال لم يختاروا بأنفسهم الذهاب إلى العراق وسوريا وبعضهم أصبح يتيماً”.
في غضون ذلك؛ أظهرت نتائج استطلاع للرأي أجراه معهد “أودوكسا” ونشرته صحيفة “لوفيغارو” وإذاعة “فرانس إنفو” يوم الجمعة؛ أظهرت أن 67 في المئة من الفرنسيين الذين استطلعت آراؤهم يفضلون بقاء أطفال الجهاديين الفرنسيين في العراق أو سوريا. فيما أعرب نحو 89 في المئة عن قلقهم الشديد من احتمال عودة الجهاديين الفرنسيين إلى البلاد. وأيد نحو 83 في المئة منهم قرار الرئيس إيمانويل ماكرون بترك العراقيين يحاكمون 13 مقاتلاً فرنسياً حسب القوانين العراقية.