بغداد – «القدس العربي» – من صفاء ذياب: فتح العدد الجديد من مجلة (قضايا إسلامية معاصرة) محوراً مهماً من محاور مناقشة النص الديني، في سبيل إعادة قراءته وفهم تأويله ودلالاته المتعددة. وكان العدد المزدوج (57- 58) الذي جاء تحت عنوان «الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص الدينية» ضمَّ عدداً من الدراسات التي اهتمت بهذا الموضوع، فضلاً عن حوار موسع مع الدكتور فتحي المسكيني؛ حاوره مدير تحرير المجلة محمد حسين الرفاعي، بيَّن فيه أنه إذا وضعنا في الاعتبار أّننا أمة «لغة، وثقافة قول، وحضارة كتاب»، فإّنه لا يمكن أن يوجد شعب أحوج مّنا إلى خدمات الهرمنيوطيقا، وهي خدمات منهجية ونظرية جمة.
مضيفاً: لقد تبين اليوم أن الغرب قد تميز عن باقي الإنسانية بطريقته في قراءة تاريخه الروحي، وفي إعادة تأويل ذاته العميقة؛ على نحو مكّنه من اختراع أشكال جديدة من «التذوت» الرائع. واشار المسكيني في الحوار إلى أن فكرة «الأمة» نفسها هي فكرة تأويلية، نعني طريقة معينة في رسم خارطة لغوية وروحية، من خلالها يستطيع شعب ما أن يعي ذاته، وبالتالي أن ينتمي إلى ما يعتبره مصادر ذاته. والهرمنيوطيقا هي اليوم في أفق العرب والمسلمين الحاليين بمثابة فرصة تاريخية وإمكانية ميتافيزيقية فائقة؛ لإعادة ترتيب علاقتنا بذاتنا العميقة، ولرسم خارطة فهم مناسبة لأنفسنا الجديدة.
وبخصوص تأويل النصوص بعامة، والدينية خاصة، أفاد المسكيني أنها مَهمَّة خطرة جداً، ولا ينبغي أن يتصدى لها إلاّ فيلسوف أو مفكر حر. وما وقع إلى حد الآن هو في الغالب حراسة منهجية أو عقدية للنصوص من طرف «أهلها»، ضد اعتداءات نقدية حديثة أو استطيقية عليها، من طرف مناوئين لها. مؤكداً أن علينا أن نفرق بين المؤول بالمعنى الفلسفي، وبين عالم الشرعيات المفسر للنص الديني، وما قام به الجابري الأخير مثلا من تفسير للقرآن هو قراءة تراثية، وليس هرمنيوطيقا. والسؤال هو: هل يستطيع المفسر الشرعي للنص المقدس أن يضيف شيئا جذريا لما قام به أسلافنا؟ ثم: ماذا تكسب ثقافتنا العميقة من تجديد القراءات النقدية للنص الديني (كما فعل أركون)، وكأّنه مجموعة من «الأساطير» أو «الميثات» التي ينبغ ي أن نخضعها للنظرة «التاريخية» أو «المنهجية» الحديثة للعلوم الإنسانية الأوروبية، من قبيل: اللسانيات أو تاريخ الأديان أو الأنثروبولوجيا؟ وحتى لو حررنا أنفسنا من هيمنة النص القرآني مثلا، كما دعا إلى ذلك نصر حامد أبو زيد، فإن المهمة الأساسية للهرمنيوطيقا تبقى قائمة: كيف يمكننا اليوم أن نعيد تأويل النصوص الدينية بشكل كّلي؟ نعني كجزء من تجارب المعنى الكونية للإنسانية، وليس كقضية نقدية أو تحررية لجيل عاجز أصلا عن التفكير الفلسفي الكوني.