القصة القصيرة حين تكون هلوسة سردية

ليس يسيرا تحديد طبيعة الفاعلية الإبداعية التي بموجبها يتم إنتاج مادة سردية، إذ قد تكون هذه الفاعلية مبنية على أسس ثقافية أو اجتماعية أو تاريخية ليتم صهرها بوعي كتابي في بوتقة قصصية، وربما يتوقف تحقق هذه الفاعلية على توفر جينوم سايكولوجي لا واع، يجعل انعكاسات التشظي والتوحد الداخلية متصرمة خارجيا، وبما يكفل لعملية الإنتاج الكتابي أن تكون سردية.

وإذا سلمنا بالاحتمال الثاني وتأكدنا أن الفاعلية الكتابية هي فاعلية نفسية، فعندها سيغدو العمل الفني تعبيرا يقولبه الكاتب في صيغة تسمح بتحويل الحياة الذهنية إلى أقاويل وامثولات هي في حقيقتها ترويحات عن نفس لا يفارقها القلق والكآبة ولا يعتريها إلا التشكي والتأفف والتأسي، أو هي تنفيسات لا واعية ورغبات مكبوتة وتخيلات موهومة تجعل الحياة الذهنية معكوسة في الحياة الواقعية حتى إذا كانت تلك الحياة مضطربة اضطربت معها الكتابة الإبداعية، على وفق نظرية الانعكاس اللوكاشية.

وعلى الرغم من معقولية هذا الاحتمال، فإن ذلك ليس عاما فقد تكون الحياة مضطربة لكن اضطرابها لا ينعكس في الكتابة إلا اعتيادا ومألوفية، وقد تكون الحياة مستقيمة روتينية لكن الكتابة القصصية عنها تغدو مشتتة وفوضوية. وهذا التجلي الأخير هو ما نشهده في قصص فاروق اوهان القصيرة. وفيها تتخذ فوضوية الكتابة القصصية سمة الانفلات على الصعيدين: الموضوعي المتحقق على صعيد الأفكار والرؤى، والشكلي المتمثل في طبيعة التنسيق الطباعي للحروف وعلامات الترقيم والوصل والقطع وغيرها.

إن الفوضوية لوحدها يمكن أن تكون إبداعا إذا أحسن القاص اللعب عليها كتابيا، وجعل من ترابطها انقطاعا ومن انقطاعها ترابطا، وهذا مقترن بهاجس سريالي يتغلغل في الذات فيحيلها ذوات شتى تتصادم وتتقاطع وتتضاد. والفنتازيا واحدة من التجليات التي يتركها هذا الهاجس السريالي على الكتابة السردية، وكأنها الأداة السحرية التي بها تعلن الذات عن عواطفها في تشتتها واضطرام أوراها وقلق التعبير عنها، ناهيك عن تجليات أخرى منها الغرابة التي تتجسد في اللامعنى ومنها الفوضى التي تسببها لا عقلانية تصارع المتضادات وتنازعها الموهوم مع اللاشيء في اللامكان.

وإذا كانت التفاهة في الحياة واضحة، فاللاحدث هو سمة الهلوسة السردية التي تجعل المكان هو المترشح ليحل محل الزمان والمنطق، وهو ما عملته جماليات الحركة التصويرية في رواية التداعي “يوليسس” التي حوت صورا جامدة تقع خارج الزمن وتقطع التعاقب وتشتت التراتب.

ونعني بالهلوسة السردية كل شعور نرجسي يفضي إلى مسالك الانفلات والتهرب والانشطار والانفراط في الزمان والمكان. ليغدو الانقطاع سمة الكتابة وتكون السريالية هي الطريق الذي به يوجه الكاتب انتباهه إلى دواخل ذاته فلا يجد غير حبسة لا تظهرها إلا الكتابة.

وكان فرويد قد فسّر القلق واللامعنى في نظريته عن الأحلام بأنه تحقق مهلوس مدفوع بالرغبة للاستمرار في النوم. والذي يضمن للكاتب تحقق رغبته في الاستمرار في التداعي اللاواعي هو الهلوسة التي يجتمع فيها القصيد بالقص ويهيمن فيها الانقطاع على الحكي فتتحول السببية إلى اللاسببية، ويتفكك الترابط في الحدث باللاحدث ويتهرأ المعنى باللامعنى كرغبة متدارية تريد استبدال ما هو مرتب ومنطقي بما هو مشتت وفوضوي.

ومن ذلك القصة القصيرة “شخص في المقعد الأخير” المنشورة العام 1966 التي هي أشبه بقصيدة سريالية ليس فيها سوى أصوات ونغمات وأجراس ورنات وذبذبات مع بروز واضح لعلامات الحذف وتكرار حروف بعض الكلمات، مع تراكم صور التصادي والاصطدام والارتطام والاحتكاك.

وفي خضم هذا الاحتشاد الصوتي يأتي مشهد مستطرد عرضي لا علاقة له بما تقدم فيه شاب وشابة يتبادلان نظرات بحوارت قصيرة ويقطع المشهد تصوير سردي فيه يظهر وجه يتلصص على جوق يرتل أدعية كنسية يتكرر فيها صوت الاستنجاد والاستغاثة بتضرع وخشية (ارحمنا يا رب وارحمينا أيتها الحنونة).

وإذا بحثنا عن مبرر لحشر المشهد والتصوير لم نجد سوى الرغبة في التشتت استلحاقا بالتداعي اللاوعي في الأحاسيس المضطرمة باللوعة. ولا تمنع هذه الأجواء الروحية المشبعة بالتضرع من أن يكون المكان منفرا وطاردا. وتتكرر التساؤلات بلا إجابات “ماذا تفيد المعلومات لمن حقيبة العلم والمعرفة؟ أنا هو أنا دوما أتخبط في التساؤل والشك؟”.

وما ضياع الذات إلا بسبب عدم ألفتها مع المكان ورغبتها في الهرب عنه بعيدا، عاكسة شعورا بالتخبط والشك والتلاشي والانهزام والندم الذي يتزامن مع الأنات الخفيفة والرنات المتقطعة حتى يتلاشى تدريجيا صوت “ارحمنا”

وبسبب ما تقدم تغدو القصة القصيرة عبارة عن هلوسة سردية علائمها الفوضى والفنتازيا واللامعقول ووظيفتها جعل العمل الابداعي بكل ما فيه من المشاعر القلقة والأحاسيس المنفلتة والكئيبة مغطى برمزية شفيفة وربما غائرة.

ولا يهم الكاتب السريالي أن يكون التحبيك متوائما أو غير متوائم بقدر اهتمامه بأن تكون الكتابة غصة هي أشبه باللاحبكة عبر جرعات من التداعي الحر اللاواعي الذي به تبتعد الذات إلى أقصى حدود التغريب فلا تتعايش إلا مع التهويم.

وقد يبدو الترابط المنطقي في القصة الموصوفة بأنها هلوسة سردية متحققا مع أن الأفعال لا تتابع فيها، والجمل لا يسند بعضها بعضا، لكن المفارقة أنك تجد المعنى واقعيا أكثر من واقعية قصة محبوكة النسج أوصافا وأفعالا عن شريحة حياتية فيها الشخصية تضحك وتقهقه وتحزن وتدمع.

وكان شوبنهاور قد عدَّ الموسيقى وحدها هي القادرة على تحقيق أو امتلاك الترابط المنطقي الهادف في الحياة الواعية الطموحة، وما عدا الموسيقى هو اللاشيء واللامعنى. وهذا ما يجعل هلوسة القصة القصيرة بمثابة تعويض سيكولوجي يخفي به المرء عجزا معينا عن طريق التفوق في حقل معين. وليس في انسياح الإبداع فنتازيا أية مرضية، بل هي مفارقة المرض الذي به يصير المكتوب إبداعا. كما أن الافتتان بالمرض النفسي وتحويله إلى إبداع هو محصلة معاداة واقعية لحياة معيشة منحطة وعدمية.

لكن ما الذي يشعر القاص أن المعنى لديه متفلت ومن الذي يعلمه أن ما يكتبه عديم الدلالة ضائع المعنى؟

إن أنانية الكتابة هي وحدها القادرة على تعريف صاحبها بأن الشك في المعنى هو الذي يحقق المعنى. وللحلم القدرة على جعل رؤية الذات لنفسها ممكنة لكنها متحيرة باتجاهات شتى يتشابه فيها ما هو أليف بما هو غريب ويكون مفترق الطريق هو اللاطريق داخل عالم من التجريد والمجاز والجموح والافراط، وعندها ستغدو الصحوة هي الغفوة واليقظة هي النوم والوعي هو اللاوعي وبهذا تتحول الكلمات إلى اشارات ومدلولاتها بلا روابط. والمحصلة مزيد من هلوسة اللاوعي والاحتدام الذاتي.

هذا ما نجده واضحا في قصة “زوج الأرملة وحصان القائد” وقد نشرها فاروق اوهان أول مرة في جريدة “النصر” العراقية عام 1967، وفيها ينساح تيار الوعي جاعلا الشخصية التي اسمها حسان تتأزم لا داخليا بل خارجيا أيضا في صورتين متضادتين لمرأتين احداهما عجوز تريد أن تظهر بمظهر الشابة والأخرى أرملة مات زوجها تحت حوافر حصان القائد لكنها تذهب عصر كل يوم لترى بطن الحصان الذي صار تمثالا في إحدى الساحات، والغريب أن المرأتين لا تتحسران على شيء وقد بدت الحياة بالنسبة لهما طبيعية؛ وإنما يتحسر حسان على حياتهما وتتداعى أحاسيسه شعورا ملتاعا في عالم مفكك ومشتت لا يستطيع فهمه، فيفكر بالهرب منه والترحال بعيدا عنه.

ولعل هذه اللاحميمية مع المكان هي التي تجعل موضوعة الهرب مهيمنة على قصص اوهان وتصبح مشاعر العجز والاستسلام والانتماء تتواتر في عموم قصصه متلبسة بالخيبة والتيهان والصمت والنفور وترافق ذلك كله ذاكرة مصابة بالشرخ تتداعى بلا ضابط وتتبعثر متضادة، لا بسبب النسيان أو الخرف أو الغيبوبة وإنما هو التقاطع النفسي بين الزمان والمكان والذات والوطن حتى لا مرونة في الإحساس الذاتي ولا استفراد في الوعي الجمعي. وبسبب ذلك كله يصبح ما وراء هذه الفوضوية واللامسؤولية صنعة جمالية أساسها التداعي في الشعور والانفلات في الزمان والمكان كانعكاس حتمي لمكان لم تعد العودة إليه عقلانية لكن الهرب منه حتمي ومنطقي، كتعبير عن شعور سريالي متدار وحبيس.

كاتبة عراقية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية