رام الله-“القدس العربي”: تعيش الأراضي الفلسطينية حالة من القلق جراء احتدام أزمة اقتطاع إسرائيل جزءا من أموال المقاصة ورفض السلطة الفلسطينية استلامها منقوصة.
هذه الخطوة تهدد قدرة السلطة على الاستمرار وتؤشر على سخونة المرحلة المقبلة مع اقتراب طرح صفقة القرن من بوابة الابتزاز المالي والسياسي للفلسطينيين عقب الانتخابات الإسرائيلية في 9 نيسان/ابريل المقبل.
وقررت إسرائيل اقتطاع نحو 139 مليون دولار من أموال الضرائب الفلسطينية التي تجيها بموجب اتفاق باريس الاقتصادي سنويا، بدعوى رفض السلطة قطع المخصصات المالية التي تقدمها لعائلات الشهداء والأسرى، بينما رفضت السلطة تسلم الأموال المنقوصة واعادتها بعد خصم 41 مليون شيقل من مستحقات شهر شباط/فبراير الماضي.
وتقول السلطة الفلسطينية انها ستقوم بالرد على الخطوة الإسرائيلية بتفعيل قرارات المجلس المركزي الفلسطيني والتحلل من الاتفاقيات التي لا تلتزم بها إسرائيل، ومن بينها اتفاق باريس الاقتصادي. حيث عقد الرئيس عباس سلسة اجتماعات مع أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح، وأعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، واللجنة المنبثقة عن المجلس المركزي لبحث خطوات الرد على القرصنة الإسرائيلية منتصف الشهر الماضي.
ويرى خبراء في السياسة والاقتصاد أن الخطوة الإسرائيلية باقتطاع جزء من أموال المقاصة تندرج ضمن خطوات منسقة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي بدأت في توسعة حصارها على السلطة الفلسطينية عقب قطعها كامل المساعدات المالية وبتحذير مؤسسات مالية كبرى بعدم التعامل معها، وهي خطوات تتم في إطار زيادة الضغوط على القيادة الفلسطينية للتماشي مع “صفقة القرن”.
وتسود الأراضي الفلسطينية حالة من الترقب في ظل توقعات اشتداد الحصار المالي على السلطة الفلسطينية مع اقتراب موعد طرح صفقة القرن عقب الانتخابات الإسرائيلية في نيسان/ابريل المقبل.
موظفو السلطة لم يتسلموا بعد رواتبهم
وما زال موظفو السلطة الفلسطينية لم يتسلموا رواتبهم التي ستصرف منقوصة كما أعلنت الحكومة الفلسطينية في ظل عجزها عن تغطية فاتورة الرواتب عقب عدم تسلم أموال الضرائب، ولم تحدد موعد صرفها. حيث تشكل أموال الضرائب “المقاصة” التي تجبيها إسرائيل بالنيابة عن الفلسطينيين 70 في المئة من ايرادات السلطة الفلسطينية.
وتعيش الأراضي الفلسطينية التي يعتمد سكانها بشكل أساسي على الوظائف التي توفرها السلطة الفلسطينية ظروفا اقتصادية صعبة في ظل تراجع الدخل، والغلاء المعيشي غير المسبوق، وتفشي البطالة.
وقال مسؤول الشؤون المدنية في السلطة الفلسطينية وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، حسين الشيخ في تصريحات إعلامية: إن من شأن هذه الخطوة ان تؤثر على قدرة عمل السلطة وعلى قدرة أجهزتها الأمنية على العمل، وقد تتسبب في موجة من الاحتجاجات والغضب.
وفي ظل التصعيد المرتقب لم يستبعد المراقبون أن تشهد مفارق التماس مع الاحتلال مواجهات عنيفة في إطار مواجهة السلطة للتحركات الأمريكية والإسرائيلية التي قد تطول شكل وتركيبة السلطة الحالية خلال الأشهر المقبل.
تفعيل قرارات المجلس المركزي
واجتمع الرئيس محمود عباس الشهر الماضي باللجنة المنبثقة عن المجلس المركزي المعنية بمتابعة تطبيق قرارات المجلس، وأعلن عزم السلطة التحلل من اتفاق باريس الاقتصادي ردا على اقتطاع أموال المقاصة.
وقال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، الدكتور واصل ابو يوسف، لـ “القدس العربي” إن القيادة الفلسطينية تعمل على تفعيل قرارات المجلس المركزي فيما يتعلق بالتخلص من الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل ردا على اقتطاع الأخيرة أموال المقاصة، وعدم التزامها بالاتفاقيات.
وأوضح أن ما جرى هو سرقة وقرصنة للأموال الفلسطينية، لكنها ستفشل في تحقيق أهدافها في كسر الإرادة الفلسطينية ومواقفها.
وقال إنه لن تفلح هذه الضغوط بوقف دعم أسر أهالي الأسرى والشهداء وحتى لو اقتطعت كل أموال الشعب الفلسطيني، حيث هناك موقف فلسطيني ثابت ومعلن.
وأوضح ان إسرائيل تحاول الاستفادة من الموقف الأمريكي المتماهي مع الاحتلال سواء من خلال ما تحاول الولايات المتحدة الأمريكية فرضه في صفقة القرن والضغط على الفلسطينيين لقبول هذا المشروع غير مستجيب للحقوق الفلسطينية، ومحاولتها حرف الأنظار عن القضية باختلاق أعداء وهميين في المنطقة من خلال مؤتمر وارسو، ومحاولة جر العرب نحو التطبيع المجاني والمرفوض.
وبين أننا سنكون أمام رد فوري على القرار الإسرائيلي والتوجهات الأمريكية، بتنفيذ قرارات المجلس الوطني بما فيها التخلص من كل الاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال التي لا يلتزم بها، والعمل الجدي نحو تحقيق المصالحة الوطنية وتعزيز منظمة التحرير كممثل وحيد للشعب الفلسطيني، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، وعلى ضوء ذلك اجتمعت اللجنة المركزية لحركة فتح، واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، واجتمع الرئيس مع اللجنة المنبثقة عن المجلس المركزي، في إطار بحث الرد على الخطوات الإسرائيلية ومواجهة التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية.
السلطة ستعجز
وقال الخبير في الاقتصاد السياسي، الدكتور نصر عبد الكريم، لـ “القدس العربي”: إذا ما اصرت السلطة على عدم استلام أموال الضرائب ولم ينجح الاتحاد الأوروبي في الضغط على إسرائيل للرجوع عن قرارها ستكون السلطة أمام أزمة كبيرة باعتبار ان أموال الضرائب التي تجبيها إسرائيل تشكل 70 في المئة من الإيرادات الكلية، لذلك لن تكون قادرة خلال الشهرين المقبلين على دفع رواتب موظفيها، وهو ما سيضعف قدرة مواطنيها على الصمود الاقتصادي.
لكن عبد الكريم، يرى أنها فرصة للسلطة الفلسطينية لإعادة صياغة علاقتها مع إسرائيل بالرغم أنها مؤذية، لكن يجب ان تكون استراتيجية شاملة للدفع نحو إعادة ترتيب العلاقة مع إسرائيل لتحقيق نتائج إيجابية.
ويقول إن عملية الاقتطاع الإسرائيلية لأموال السلطة لا تتم بمعزل عن الخطوات الأمريكية لتهيئة الظروف والشروط الملائمة لإعلان وتنفيذ صفقة القرن من بوابة الابتزاز الاقتصادي.
وأشار إلى أن الأمور قد تتدحرج نحو خنق الفلسطينيين بشكل أوسع لإعادة تركيب السلطة بصيغة جديدة، لكن ذلك سيكون مرتبطا بعاملين أساسيين: أولا: ماذا ستفضي عنه نتائج الانتخابات الإسرائيلية؟ وهل ستعيد إنجاب حكومة متطرفة أو أقل تطرفا؟ وثانيا: كيف ستتطور مراحل تنفيذ صفقة القرن؟ هل مؤتمر “وارسو” أفضى إلى اصطفاف عربي لتنفيذ الصفقة أم ما زال رافضا؟ “في حال وجود تقبل عربي وإقليمي للصفقة ستعمل الولايات المتحدة بكل ثقلها على فرضها بغض النظر عن الموقف الفلسطيني، وهنا قد نكون أمام مرحلة خلق البدائل للسلطة الفلسطينية في حال استمرت القيادة على موقفها الرافض، وسنكون أمام كيان سياسي جديد مختلف عن السلطة المعهودة. وتابع، لكن في حال وجود ممانعة فلسطينية وعربية وإقليمية ستفشل هذه الترتيبات.
تفكيك السلطة
وقال مدير المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية “مسارات” هاني المصري، لـ “القدس العربي”: “إن المنطقة دخلت في مرحلة جديدة عقب وصول ترامب إلى البيت الأبيض ونقله السفارة، والآن هذه المرحلة تتعمق بفرض إجراءات أشد على السلطة الفلسطينية بغية ترويضها” مضيفا “نحن الآن في مرحلة الترويض للسلطة الفلسطينية الرافضة لصفقة القرن عبر مجموعة من الضغوط، وإذا ما استمر الرفض الفلسطيني قد نكون أمام مرحلة مقبلة تقوم على تفكيك السلطة وإعادة تركيبها”. وأوضح “يجري الآن تجاوز السلطة في كثير من القضايا من خلال زيادة دور الإدارة المدنية وتفعيل دور العشائر، إضافة إلى استباحة رام الله كما جرى نهاية العام، كخطوة للتهيئة للمرحلة المقبلة”.
واشار إلى أن السلطة قادرة على التحلل من الاتفاقيات مع إسرائيل إذا امتلكت الإرادة، لكن ما يجري الآن هو مجرد حديث غير مقرون بخطوات عملية لإيجاد البديل.
إسرائيل وأمريكا تنسقان
ويقول المحلل السياسي، الدكتور غسان الخطيب، لـ “القدس العربي” إن “ما جرى هو خطوة مؤذية ومتماشية مع الدور الأمريكي في إطار ابتزاز السلطة سياسيا” مضيفا أن استمرار هذه الضغوط قد تؤدي إلى انهيار السلطة، حيث تواجه معركة حقيقية ومحتدمة وهو ما يتطلب من الجانب الفلسطيني التعامل معها بجدية أكثر بالتركيز على البناء الداخلي بتحقيق الوحدة الوطنية وتعزيز اللحمة مع الجمهور الذي سيدفع ثمن ذلك بتعزيز احتمالية صموده.
وبين أن التحلل من الاتفاقيات مع إسرائيل غير وارد، خاصة أننا نتحدث عن طرفين مستفيدين من هذه الاتفاقيات وبالتالي لن تقدم السلطة على خطوة فيها إيذاء لنفسها، مشيرا إلى أن السلطة لا تملك القدرة على رد الضربة لكن في إمكانها تعزيز قدرتها على احتمال الضغوط بالبحث عن مصادر تمويل خارجية وفتح قنوات ضاغطة على إسرائيل.
السلطة والقدرة على الانفكاك
وفي السياق، قال الخبير الاقتصادي، الدكتور نائل موسى، لـ “القدس العربي”: “إن ما جرى هو عملية ابتزاز خارج الإطار الاقتصادي والأخلاق الاقتصادية القانونية الدولية، حيث استخدم هذا الأسلوب في وقت سابق عقب الانتفاضة الثانية” وأضاف “هذه الخطوة من شأنها أن تزيد أعباء السلطة المالية التي تعاني من إنفاق مرتفع وعجز في الموازنة بالرغم من حالة التقشف التي تتبعها الحكومة”.
وأوضح أن الحديث عن التحلل الاقتصادي عن إسرائيل والتنصل من اتفاق باريس الاقتصادي غير ممكنة لأسباب سياسية باعتبارها جزءا من اتفاق سياسي وبالتالي تعديله يتطلب تعديل الاتفاق الأساسي، لكن قد تنجح السلطة في تغيير بعض البنود، حيث هناك مطالب وجهت لإسرائيل بالفعل. وتابع، من الناحية العملية لا تملك السلطة القدرة على الانسلاخ الاقتصادي في ظل عدم سيطرتها على المعابر وعدم وجود موارد، وبالتالي يندرج الحديث عن ذلك في إطار الدعاية أمام الرأي العام المحلي والدولي بأن هناك ردة فعل فلسطينية على خطوة اقتطاع أموال الضرائب.
السلطة ملزمة بالرد
ويرى المحلل السياسي، عمر الغول، أن “الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بدأتا في خطواتهما للضغط على السلطة الفلسطينية منذ نقل السفارة إلى القدس وإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن ووقف المساعدات، ثم جاء اقتطاع أموال المقاصة لاستكمال جهودهما في تقويض السلطة ودفعها للاستجابة للمشروع الأمريكي المسمى بصفقة القرن”. وأضاف: “السلطة ملزمة بالرد، لذلك قد تتحرك في اتجاه إعادة النظر في اتفاق باريس الاقتصادي، والاتجاه نحو المنظمات الدولية، وإلى التصعيد الميداني، لذلك سنكون أمام مرحلة تحتمل كل سيناريوهات التصعيد”.
بيد أن المحلل السياسي، الدكتور رائد نعيرات، قال لـ”القدس العربي” أنه لا يعتقد أن الأزمة المالية ستطول في ظل احتمالية تدخل المجتمع الدولي لوقف القرار الإسرائيلي، لكن في حال لم تفلح الجهود سنكون أمام مرحلة من التصعيد لرسم سياسة السلطة الفلسطينية المقبلة.