الجزائر-“القدس العربي”: تعيش الجزائر هذه الأيام مرحلة فارقة في تاريخها بصرف النظر عن مآلاتها وخلفياتها وأسبابها ودوافعها، الشعب الجزائري انتفض برمته ليقول لا لولاية خامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ولنظامه الذي سلط على رقاب الجزائريين لأكثر من عشرين سنة. بوتفليقة الذي كان يقول إنه هو الجزائر، والذي كان أنصاره يشبهونه بالرسول محمد، انتهى به الأمر منبوذا مرفوضا وصوره تقطع في الشوارع والساحات، ولعل السؤال الذي يطرحه الكثيرون هو كيف وصل ووصلت الجزائر إلى هذه النقطة من اللاعودة؟
ولد بوتفليقة سنة 1937 في مدينة وجدة المغربية، والغريب هو أن موقع رئاسة الجمهورية وكل المواقع الرسمية لا تذكر مكان ولادة الرئيس الجزائري، مع أن هذا الأمر كان مذكورا من قبل لكنه حذف سريعا من المواقع والبيانات الرسمية، ويقال أيضا إنه التحق بالعمل المسلح مبكرا، والمعروف عن بوتفليقة أنه كان مع جيش الحدود، وبالتحديد مع الرئيس الراحل هواري بومدين الذي يعتبر “ولي نعمته” الأول والأخير، فعندما كانت حرب التحرير تضع أوزارها اندلعت حرب السلطة في الكواليس، وكان بومدين قد أوفد بوتفليقة إلى فرنسا من أجل مقابلة القادة التاريخيين الخمس الذين كانوا في السجن، للتفاوض معهم، وكان مكلفا بعرض السلطة على محمد بوضياف، لكن “سي الطيب الوطني” ( كما كان يلقب) رفض العرض وأسمع بوتفليقة كلاما قاسيا، فما كان من الأخير إلا الاستدارة إلى أحمد بن بلة، الذي قبل العرض، ووافق أن يكون واجهة لحكم بومدين، الذي فرض بالقوة، بعد معركة داخلية سالت فيها دماء جزائريين بأيدي جزائريين، قبل أن يحسم جيش الحدود أو قيادة الأركان الموقف بالقوة، ويجد بوتفليقة نفسه وزيرا في أول حكومة جزائرية بعد الاستقلال، وما هي إلا أشهر قليلة حتى أصبح وزيرا للخارجية وهو لم يتجاوز 25 من العمر، في وقت كانت فيه الجزائر المستقلة مكة للثوار، وقبلة لحركات التحرر من الاستعمار، وكان بوتفليقة في عز شبابه وعنفوانه كتلك الجزائر التي حلم بها الثوار والشهداء، قبل أن تتعكر الأجواء الصافية بين الكولونيل (العقيد) بومدين الذي كان وزيرا للدفاع ورئيسه بن بلة، والسبب هو أن الأخير كان يريد التخلص من رجال بومدين، وشرع فعلا في ذلك، ولما وصل إلى بوتفليقة الذي أراد إقالته من وزارة الخارجية، هرع الأخير إلى بومدين وأقنعه أن الدور سيأتي عليه قريبا، اجتمع سي محمد بوخروبة (بومدين) برجاله، وقرروا أن بن بلة انحرف عن المسار المحدد له، وأنه يريد الانفراد بالسلطة، وأن يكون الزعيم الأوحد، واتفقوا على الخلاص منه بانقلاب عسكري، وهو ما تم ليلة 19 حزيران/يونيو 1965. وأخذ بن بلة الذي كان يقول لمن جاء يحذره إن بومدين في جيبه وأنه سيضعه قريبا في مكان يعرفه جيدا، أخذ بملابس النوم منتصف الليل إلى إقامة جبرية، وتغيرت السلطة وتولى بومدين مقاليدها، وبقي بوتفليقة في مكانه حتى وفاة بومدين نهاية 1978.
الخليفة الحالم
لما توفي بومدين دخلت الجزائر في حزن عميق وفي صدمة غير متوقعة، فالرجل رغم ما كان يقال عنه وما نسب إليه وما فعله كان وما زال محبوبا، خاصة وأنه كان يتمتع بتلك الهالة التي تحبها الكثير من الشعوب، والتي أراد بوتفليقة دائما الحصول عليها والظهور بها منذ توليه الرئاسة بعد ذلك بعقود، ومع إعلان وفاة بومدين اندلعت حرب خلافة جديدة، بوتفليقة يرى أنه هو الخليفة الطبيعي، لأنه كان الأقرب إلى بومدين، بل إنه كان وما زال مقتنعا أن بوخروبة ترك وصية بشأن توليه الرئاسة، ومحمد الصالح يحياوي المسؤول الأول عن الحزب الواحد (جبهة التحرير الوطني) كان يعتقد كذلك أنه الأولى بالرئاسة، لكن الصراع حسمه العسكر، وبالأخص من طرف رجل واحد، وهو قاصدي مرباح قائد جهاز الاستخبارات العسكرية، الذي اختار أن يتولى السلطة عسكري هو الأكبر سنا في أعلى رتبة، ووقع الاختيار على الشاذلي بن جديد، والذي أبعد بوتفليقة عن الخارجية واكتفى به مستشارا، لكنه لم يبق في المنصب إلا حوالي سنة وبضعة أشهر، وغادر تطارده فضيحة فساد، نشرت تفاصيلها في جريدة “المجاهد” الحكومية.
غاب بوتفليقة عن المشهد وبقي في منفاه الاختياري يتنقل بين سويسرا والإمارات التي اشتغل فيها كمستشار للشيخ زايد، ولم يظهر إلا سنة 1988 عندما اندلعت انتفاضة الخامس من تشرين الأول/اكتوبر 1988 حيث وقع إلى جانب شخصيات وطنية وسياسية عريضة تندد بالقمع والتعذيب وتدعو النظام إلى الانفتاح، ودخلت بعدها الجزائر في تجربة التعددية السياسية التي انتهت بفوضى عارمة وبعشرية حمراء بلون الدم الذي سال خلال سنوات الإرهاب، وظهر اسم بوتفليقة مجددا سنة 1994عندما كانت الجزائر على شفا الانهيار، وفكر فيه صناع القرار كرئيس دولة يعيد البلاد إلى السكة، لكنه بعد أن وافق عاد وتراجع، لأن أصحاب القرار أبلغوه أنه يجب أن يأخذ “التأشيرة” لدخول القصر الجمهوري من ندوة الوفاق الوطني التي تم عقدها وشاركت فيها أحزاب ومنظمات وجمعيات، لكن بوتفليقة رفض واشترط أن يعينه الجيش، وعندما لم يقع اتفاق اعتذر في آخر لحظة وترك قيادة الجيش في ورطة، فاضطرت للالتفات نحو وزير الدفاع الجنرال اليامين زروال لتولي الرئاسة، وقبل الرجل مكرها، وأصبح رئيسا للدولة، ثم نظمت انتخابات ترشح إليها وحصل على الشرعية الشعبية، وسارت الأمور على طريق إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإن كان قد تم في ظروف غير طبيعية، بالنظر إلى الإرهاب الذي كان يدك أسس الدولة ويقتل الشعب، والأزمة الاقتصادية التي كانت تخنق البلد، ولكن سرعان ما اصطدم زروال بمن أتوا به، وبدل الرضوخ لهم فضل الاستقالة، والعودة إلى بيته، مثلما فعلها لما كان جنرالا في الجيش، ومثما فعل لما كان سفيرا للجزائر في رومانيا، احتارت قيادة الجيش، وجاء من يخبرها أن ساعة بوتفليقة قد حانت، وقد لعب اللواء (الراحل) العربي بلخير دورا بارزا في قدوم بوتفليقة، ووجد القبول لدى الجنرالات النافذين الآخرين، مثل الفريق محمد مدين المعروف باسم الجنرال توفيق قائد جهاز الاستخبارات السابق، والفريق (الراحل) محمد العماري قائد أركان الجيش السابق، وتحقق حلم بوتفليقة أخيرا وأصبح رئيسا للجمهورية.
من ثلاثة أرباع إلى سنة
تروي فتيحة بوضياف عقيلة الرئيس المغتال محمد بوضياف أن بوتفليقة جاء إلى بيتها غاضبا يوم الاقتراع، لأنه علم أن أصحاب القرار كانوا قد اتفقوا على أن يمنحوه نسبة نجاح معقولة لا تتجاوز الستين في المئة، فأقسم أن ينسحب وأن يتركهم في ورطة، فهرع اللواء مدين إلى منزل السيدة بوضياف بأعالي العاصمة، واجتمع ببوتفليقة وبعد أخذ ورد رضخ الجنرالات إلى الرئيس المقبل وأعطوه نسبة تتجاوز الثمانين في المئة، وفي واحد من أولى تصريحاته قال إنه لن يكون ثلاثة أرباع رئيس، ومن البداية دخل في صراع مع من أتوا به، والذين سرعان ما اكتشفوا أنهم ارتكبوا خطأ جسيما (على الأقل من وجهة نظرهم) إلى درجة أن أحدهم صرح لإحدى الصحف قائلا إن بوتفليقة كان الأقل سوءا وليس الأفضل سنة 1999!
لما جاءت الانتخابات الرئاسية عام 2004 اختلف أصحاب القرار، بين من رأى أن بوتفليقة يجب أن يرحل، ومن اعتقد أنه يجب أن يبقى، وقرر فريق من الجنرالات دعم علي بن فليس رئيس الحكومة الأسبق والذي كان الذراع الأيمن للرئيس بوتفليقة، ولعب الفريق مدين دورا حاسما في تغليب كفة الرئيس بوتفليقة، وعلى إثر انتهاء تلك الانتخابات التي شهدت فوز بوتفليقة بولاية ثانية غادرت الكثير من الوجوه الساحة السياسية، وفي مقدمة هؤلاء الفريق محمد العماري قائد أركان الجيش السابق، واللواء فضيل شريف قائد الناحية العسكرية السابق وآخرون.
عندما شارفت الولاية الثانية لبوتفليقة على الانتهاء، اعتقد الكثير، حالمين، أن بوتفليقة سيسلم السلطة، وسيحرص على مبدأ التداول الذي كرسه العسكري زروال في دستور 1996 لكن بوتفليقة ارتكب أكبر خطأ في حياته السياسية، وأعاد الجزائر إلى حظيرة دول الرئاسة مدى الحياة، وعدل الدستور ليكون على مقاسه، وترشح لولاية ثالثة، بعد أن ألغى المادة التي تحدد عدد الولايات الرئاسية باثنتين.
وبصرف النظر عما شهدته ولايات بوتفليقة من فساد، ومن تبذير وإنفاق دون حسيب أو رقيب، وإن كانت هناك بعض الإنجازات، فإن الرئيس أصيب سنة 2013 بجلطة دماغية، والبلد كان على بعد سنة من الانتخابات الرئاسية، وأخبار فضائح الفساد التي تورط فيها رجاله كانت تملأ صفحات الجرائد، واعتقد الكثيرون أن الرئيس لن يترشح لولاية رابعة، بالنظر إلى حصيلة حكمه، وإلى وضعه الصحي، فالرجل لم يكلم شعبه منذ 2012، لكن المفاجأة كانت أنه ترشح، وظهر يوم الانتخابات على كرسي متحرك، وفاز بولاية رابعة، ودخلت البلاد في مرحلة أخرى، يصفها المعارضون بأنها تسيير بالوكالة، ودخلت أسماء كثيرة على الخط، يقول كثيرون إنها كانت وما تزال تحكم باسمه ومن خلفه، وفي مقدمتهم شقيقه وشلة رجال الأعمال المتحلقين حوله، والذين لم يعودوا يجدون حرجا في الظهور على أنهم أصدقاء الشقيق، وفي مقدمتهم علي حداد.
وبعيدا عما شهدته البلاد من ركود خلال الولاية الرابعة، بسبب اختفاء الرئيس وتراجع نشاطه إلى الحد الأدنى، والأزمة الاقتصادية التي خنقت الجزائريين، وعدم تجسيد وعود الولاية الرابعة، اعتقد الكثير من الحالمين كذلك، أن بوتفليقة لن يترشح، لكنه والجماعة التي معه قرروا غير ذلك، واختاروا السير عكس حركة التاريخ، ونسوا أنه في بوركينا فاسو لما قرر الرئيس الترشح لولاية جديدة قالوا له “نحن لسنا الشعب الجزائري” واعتقدوا كذلك أن حكاية التخويف بالإرهاب ستظل تفعل فعلتها، وظنوا (والكثير من الظن إثم) أن الجزائريين اختاروا الخضوع أبديا، لكن الذي حدث هو أن الشعب استفاق مرة واحدة وفي كل مدن ومناطق البلاد، كل شرائح المجتمع من كل الأعمار اختارت أن تقول لا للولاية الخامسة، وللجماعة التي تروج لها، وانطلقت المظاهرات مبكرا في عدة مدن، وهي مظاهرات تم التعتيم عليها، قبل أن تشهد العاصمة أول مظاهرة يوم 22 شباط/فبراير الماضي التي وقعت شهادة ميلاد حراك شعبي سيتحول إلى مضرب للمثل، بفضل طريقة التنظيم والسلمية التي ميزتها، وكذا عدم وجود أي لون سياسي أو توجه إيديولوجي وراء هذه المظاهرات، التي رفعت شعار “لا للولاية الخامسة” وأخرى مثل “الجزائر ليست ملكية” والتي أظهرت كذلك وعيا سياسيا كبيرا لدى الجزائريين الذين أثبتوا أنهم يعرفون ما يجري في كواليس السلطة، وحتى محاولات النيل من المظاهرات من خلال التشكيك فيها، ومن خلال توظيف المساجد والسلفيين بإسطوانة “عدم جواز الخروج على الحاكم” لم تجد نفعا أمام الجزائريين الذين أظهروا وعيا وقدرة على إدراك ما يجري حولهم.
بوتفليقة ومن معه شعروا أن البحر من ورائهم والشعب من أمامهم، واختاروا المرور بالقوة، وتمرير الولاية الخامسة مهما كلفهم ذلك من ثمن، ولو كان بـ”نحر” بعض الوجوه والاستعانة بأخرى، وتسليم ملف ترشيح بوتفليقة أثناء غيابه وفي الوقت الذي كانت فيه وسائل إعلام سويسرية تقول إن وضعه الصحي سيئ، وحاولوا تقديم نوع من التنازلات (النظرية) بالقول إنه سيترشح (ويفوز) وينظم بنفسه عملية الخلافة، لكن الشارع لم يقبل هذا الكلام، ولم يصدق وعودا كالتي سمعها في الماضي، وأثناء كتابة هذه السطور نزلت الجزائريات والجزائريين مرة أخرى إلى الشارع ليقولوا لا للولاية الخامسة وليطالبوا بالتغيير وبجزائر جديدة.
الأكيد في الأمر أن بوتفليقة لم يختر موعد مغادرته للسلطة، وكما قال الكاتب والصحافي المصري الراحل محمد حسنين هيكل إن قرار مغادرة الخشبة هو أذكى وأشجع قرار يمكن لأي سياسي أن يتخذه، وأنه إذا لم يفعل فإنه يغامر بمشهد درامي يصعد فيه الجمهور إلى الخشبة ويمسك به من يديه وقدميه ويلقي به خارجا!