محاكمة القرن: لقد أضحكتني يا فتى!

معذورٌ من يشعر هذه الأيام بالسأم والإحباط، ومفهومٌ تماماً أن يرى الكثيرون الواقع مفعماً بالعبث واللاجدوى، فبين انقطاعات الكهرباء التي تصل إلى خمس مراتٍ يومياً، يشاهد الناس إعلاماً يتغنى بانتصاراتنا الساحقة على المؤامرة الأمريكية ـ الغربية – الصهيونية عبر ضربة، بل ضربات المعلم التى وجهها القائد الملهم الذي قادته المقادير والعناية الإلهية (لا الصدفة والمرتبة الوظيفية التي اختير لها بعناية من قبل نظام قامت عليه ثورة…)، ويحصي حصيلة قتلى اليوم من التكفيريين، بدون أن يخرج علينا أحد المسؤولين ليخبرنا بتعريفٍ لكلمة «تكفيري» ولا الآلية المتبعة في تبين من هو التكفيري.. هل يسألون الواحد منهم مثلاً: «هل أنت تكفيري»؟
لكن شيئاً لا يكسر ذلك الملل كالتسلية الحقيقية والعجب العجاب الذي توفره محاكمة الرئيس المخلوع مبارك ووزير داخليته وكبار مساعديه، فهذه تدور في الخلفية كموسيقى تصويرية رتيبة، تصدر عن مذياعٍ عتيق في فيلمٍ من أفلام عادل إمام في سبعينيات القرن الماضي، وما أن تغوص (إذا امتلكت الأعصاب والصبر) في تفاصيلها إلا ألفيتها تفتح لك باباً على مسرح اللامعقول. ففي حين حوكم الكثيرون من المشتغلين بالسياسة، مازالت القضايا تنظر أمام المحاكم العسكرية (هذا بالطبع إذا حالفهم الحظ وعرضوا على القضاء من الاساس) يعرض مبارك وصبيانه أمام محكمة ٍ عادية، وبتهمٍ لا تمت لجوهر القضايا التي اندلع بسببها الحراك الثوري: الفساد السياسي والاقتصادي وعنف أجهزة الأمن والقمع والتردي العام المحسوس في الأوضاع المعيشية للقطاعات الأوسع من الجمهور، وتراجع دور الدولة وتنصلها من مسؤولياتها تجاه المواطنين. الألطف من ذلك أن بعض العارفين بالقانون يشيرون إلى كون نصوص القانون لا تفي ولا تسعف في قضايا جسامٍ ومصيرية كتلك.. وفي الوقت الذي تهاجم فيه الثورة من أبواق الإعلام التابعة إما للدولة وإما لكبار رجال الأعمال من متربحي عصر مبارك، التي تخضع في إجمالها لتوجيهات الأمن والمخبرين، يخرج علينا محامي مبارك ناعتاً على الملأ ثورة 25 يناير بالمؤامرة، على الرغم من تكريس مرجعيتها بنص الدستور، ومن ثم نسمع شهادات مبارك والأربعين قاطع طريق يبرئون ساحتهم ويصدعون أدمغتنا ويرفعون ضغطنا بالسرد الكئيب لمنجزاتهم، فها هو مبارك يؤكد لنا أنه لم يطمح أبداً لمنصب! ثلاثون عاماً ولم يطمح لمنصب! والسؤال بطبيعة الحال هو: بعد كم من العقود كان يحق لنا أن نعتبرك طامحاً لمنصب؟! والحقيقة أن التراث الشعبي يسعفنا بالكلمة المأثورة :»قالوا للحرامي إحلف، فقال: جاء لك الفرج!».
ما يزيد على الثلاث سنوات لمحاسبة أشخاصٍ تربعوا على مواقع المسؤولية، فهم يتحملونها وارتكبوا من الجرائم وتسببوا في الانهيار بما يراه الكفيف، وقتل مئات المتظاهرين، ولا نصل لشيء. وما يزيد على الألف حكم عليهم بالإعدام في قضية قتل بضعة أشخاص في جلستين أو ثلاث جلسات لا تزيد مدتها على الساعتين مع الكرم.. كل الدم حرام. لكن ألا يحق لنا أن نسأل: هل هذه عدالة وهل هذا قضاء؟ يردون علينا بصفاقة في حال مبارك أن التحريات والتدقيق تحتاج للوقت: هل تسنى لهم من الوقت ما يكفي لجمع أدلة وقرائن على ما يزيد عن الألف شخص؟! استشهدت من قبل بمقولة سان جوست الشهيرة: «ان الذين يصنعون نصف ثورة يحفرون قبورهم بأيديهم»، لكن الرجل الفرنسي الساذج لم يتصور أن هنالك من يصنعون أقل من عشر ثورة وبالتالي يكتبون مهزلةً.. هذه ليست محاكمات وإنما مهازل.
للثورة منطقها، فهي بنت الواقع الاجتماعي- الاقتصادي بصراعاته، فإذا قامت لا تحتاج لإثبات حقها ولا لتقديم مبررات، ولا يجب أن تحتكم إلى قوانين عتيقة وبالية خطها النظام السابق، فهي مرجعية نفسها. إن ما نفعله الآن مع مبارك وخلفه يشبه عبداً تمرد على سيده ثم رجع إليه لكي يشير عليه فيخبره بما يفعل وأي طريقٍ يسلك في الحياة. اللافت بشدة أن ذلك يتم في الوقت نفسه الذي تم فيه الكشف عن التقرير الذي أعدته «هيومان رايتس ووتش» عما حدث في رابعة أثناء فض الاعتصام، فوصفته بالمجزرة التي فاقت في أعداد ضحاياها من سقطوا في ميدان السلام السماوي في بكين، فمنعتهم السلطات من دخول مصر.. وإن لي أن أطرح بعض الأسئلة في هذا السياق: ما الذي يخشاه هذا النظام من شخصين يحملان حزمةً من الورق تدينه بجريمة؟ هلى يتصور أنه تقرير من مصلحة ٍ حكومية يصور انعدام الكفاءة فيستطيع رئيس المصلحة المختص إبقاءه حبيس الأدراج العفنة؟ هل يتصور أن هذا المنع سيمنع التقرير من الذيوع في شتى وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي؟ أم أن المريب يكاد أن يقول خذوني وأن النظام لديه بارانويا ويخشى من مواجهة أصابع الاتهام؟ إن مجمل المؤشرات في الحقيقة تشير إلى أن النظام في محاولته لإعادة بناء نفسه ما زال مهزوزاً، يحاول ترميم هياكله الأمنية ليستعيد كلاهما (والأمن هنا هو قلب النظام وكنهه) ثقته بنفسه، ولعل ذلك يفسر ذلك العنف الذي يهدف من ورائه الى إثبات قدرته على الحركة والفعل والبطش، كما كان في السابق، لنفسه قبل الجمهور، وهو يغطي كل ذلك بمظلة من الوعود والمشروعات التي يصورها طموحة وتاريخية لكي يكتسب مشروعية ويرسخ أقدامه. نظامٌ آخر أكثر استقراراً وثقةً في نفسه كان سيسمح بدخول الناس ويفند تقريرهم… يعترض ويرد الإدانة، لكنه لن يتصرف بمراهقة وحماقة، ولن يطلق كلاب إعلامه الذين لا يسمعهم الآخر.
قد يفلح النظام الحالي في استعادة قدرٍ من الأمن وقد ينمو الاقتصاد وينجح في بعض مشروعاته، وقد لا ينجح.. الأكيد أن العنف والقمع وسيطرة منظومة الأمن والاستخبار سيكون سمة ً أساسية وقاسماً مشتركاً في مسيرته التي وحده الله يعلم كم ستطول.
في الوقت الحاضر يكفينا مراقبة محاكمات القرن، التي تنطق بقصور الثورة عن تحقيق أهدافها، والتحسر على الآمال الضائعة… ومن ثم محاولة الاستعداد للجولات المقبلة، فالملل لن يدوم طويلاً والدماء التي سالت ستفتح الطريق للمزيد من العنف.

٭ كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية