حرب الإبادة على غزة ـ أربع ظواهر خطيرة تستحق الدراسة واستخلاص الدروس

ما زال غبار محرقة غزة لم يهدأ بعد، وأشلاء الضحايا ما زالت تنتشل من تحت الأنقاض ومئات آلاف المشردين ما زالوا يسكنون المدارس والمساجد والمستشفيات والخيم والعراء، وإمكانية العودة للميدان ما زالت قائمة، فالإصبع على الزناد وإذا ما انفضت جلسات القاهرة بدون اتفاق تعود الأمور إلى مربع المواجهة التي قد تطول أكثر هذه المرة، وتكون أكثر دموية وتدميرا وشمولية. ورغم هذا المشهد نود أن نستعرض مجموعة من الظواهر التي أفرزتها هذه المحرقة، لعل أحدا يتابع دراستها ويستخلص دروسها ويخطط على أساسها. هذه الملاحظات في معظمها ثقافة عامة لدى الفلسطينيين والعرب، وقد سمعت كثيرا منها أثناء وجودي في فلسطين المحتلة زائرا ومتنقلا في كافة مدنها وقراها من القدس وبيت لحم جنوبا وصولا إلى الناصرة ومنطقة الجليل شمالا. لقد شاركت مستمعا أو محاورا أو معلقا في العديد من الأنشطة المتعلقة بحرب الإبادة، وسرت في الجنازات ودخلت العديد من بيوت العزاء وقمت بزيارة الجرحى والتقيت بالعديد من المسؤولين والناشطين والكتاب والإعلاميين والطلاب والناس البسطاء، في المقاهي والمساجد والمضافات والنوادي. وسأسجل حصيلة هذه الملاحظات في ظواهر أربع بلورتها الحرب على المستويات الأساسية الثلاثة الإسرائيلية والفلسطينية والعربية.

1. التطرف في المجتمع
الإسرائيلي أصبح شاملا

عكس الحروب السابقة تكاد القوى المعارضة للحرب في إسرائيل تنتهي، حيث اصطف أكثر من 90٪ من الإسرائيليين اليهود خلف الحرب، مبررين ومؤيدين ومغمضين عيونهم عما يرتكبه الجيش من مجازر، واعترض نحو 4٪ فقط على الاستخدام المفرط للقوة، حسب استطلاع للرأي أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية يوم 29 تموز/يوليو الماضي. وقد كان التأييد للحرب يوم 14 يوليو ويومي 16 و17 أقرب إلى الإجماع. وقال نحو 50٪ من الذي شملهم الاستطلاع، إن القوة المستخدمة من جيش الدفاع مناسبة للأهداف، بينما اعتبر 33٪ أن القوة المستخدمة غير كافية. واعترض 80٪ على وقف أحادي الجانب لإطلاق النار، بينما وافق نحو 60٪ على وقف إطلاق النار بشرط التوصل إلى اتفاقية تضمن الهدوء في البلدات المجاورة لغزة.
حتى المظاهرات الصغيرة التي قام بها أنصار السلام من العرب واليهود، خاصة مظاهرة تل أبيب يوم 12 يوليو ومظاهرة حيفا يوم 21 يوليو، تعرضت للعنف من قبل أنصار الحرب، لدرجة أن نائب بلدية حيفا سهيل أسد وابنه تعرضا للضرب، ثم هاجم المتطرفون المظاهرة وجرحوا نحو 30 شخصا، من بينهم امرأتان أدخلتا المستشفى، كما هاجم المتطرفون مظاهرة تل أبيب بعد أن انسحبت الشرطة بحجة إطلاق صفارة الإنذار وأشبعوا المتظاهرين ضربا، نقل بعضهم إلى المستشفى. كان المتطرفون يحملون يافطات كتب عليها «الموت للعرب» ويتهمون المتظاهرين بالخيانة، وكتب مغرد يميني على الفيسبوك «إبعثوا بالمصوتين في الانتخابات من اليساريين إلى غرف الغاز ونظفوا هذا البلد منهم». هذه حقيقة المجتمع الإسرائيلي الآن. أنصار السلام في إسرائيل ذابوا ولم يبق منهم إلا أفراد وجماعات يسارية صغيرة لا وزن لها، حتى حركة ميرتس اصطفت خلف هذه الحرب، وعلى الفلسطينيين والعرب المعنيين أن يأخذوا هذه الظاهرة في الحسبان.

2. الإيغال في استهداف الأطفال
والنساء والمسنين عن عمد وسبق إصرار

عضو الكنيست الإسرائيلي عن حزب البيت اليهودي، أياليت شاكيد، قالت لا بد من قتل جميع الأمهات الفلسطينيات «لأنهن يلدن الثعابين»، وقالت إن النساء الفلسطينيات «يجب أن يمتن وتهدم منازلهن حتى لا يتمكـنّ من إنجاب المزيد من الإرهابيين». هذا نموذج عن ولع المجتمع الإسرائيلي بقتل الفلسطينيين الذين هم في نظرهم مجموعة من الإرهابيين فقط ولا يستثنى من ذلك أحد. فكل من تابع حرب الإبادة على غزة تعجب من كمية الحقد والرغبة العالية للتدمير وقتل المدنيين بدون أدنى تردد أو إظهار أي نوع من الشعور الإنساني نحو الضحايا، بل الاحتفال بالقتل والمطالبة بالمزيد. فكم من صهيوني تمنى على وسائل التواصل الاجتماعي لو كان الصبية الأربعة الذين أعدموا على الشاطئ بقذائف موجهة كانوا أربعين وآخر تمنى لو كانوا 400 طفل، ويبدو أن أمنية الأخير تحققت، حيث بلغ عدد ضحايا محرقة غزة من الأطفال 429. لقد بدت همجية الكيان في أبشع صورها، ولكنها في أصدق مظاهرها أيضا، فالكيان الصهيوني منذ أُنشئ إلى هذه اللحظة استخدم المذابح سلاحا حادا في تنفيذ مخططاته، وهو لا يتورع ولا يتردد في قتل العجزة والمسنين وبقر بطون النساء وتهشيم رؤوس الأطفال. هذه الحرب عادت لتؤكد هذه السمة الأساسية والعضوية والجينية التي يتشربها أبناء ذاك الكيان عن آبائهم وأجدادهم فيتغذون على المذابح ويتلذذون بقتل الأغيار من العرب عامة والفلسطينيين خاصة. هذه الظاهرة بدت للعيان بشكل مهول لم تظهر بمثله في السابق حتى في مذابح بشعة مثل دير ياسين أو الطنطورة أو قبية أو الدوايمة أو كفر قاسم أو صبرا وشاتيلا أو مخيم جنين أو حي الزيتون أو قانا الأولى أو قانا الثانية أو بحر البقر.
لقد كانت عملية خطف الصغير محمد أبو خضير يوم 2 يوليو من شعفاط وحرقه من قبل المستوطنين وبالطريقة الهمجية التي أحرق بها، دليلا على الحل الذي تتمناه وتحاول تنفيذه القوى الحاكمة في إسرائيل، التي أنشأت ورعت وغذت وسمنت حركة الاستيطان داخل قرى ومدن وأراضي القدس والضفة الغربية كآلة ضرب وحشية متقدمة لتمنع وإلى الأبد قيام دولة فلسطينية.
مقابل هذه الصورة تصرفت حركات المقاومة بشكل حضاري نادر الرقي، عندما استهدفت العسكريين فقط، وكانت كل صواريخها الموجهة للمدن والمراكز السكنية تهدف إلى تسجيل نقاط سياسية وأمنية وتوجيه ضربة لمعنويات المجتمع الإسرائيلي واقتصاده وسياحته، لكنها بالكاد قتلت أحدا وما قيل عن مقتل إسرائيليين اثنين وعامل أجنبي إنما كان ذلك ناتجا عن صدمة خوف أو انهيار عصب أو توقف قلب من شدة الرعب.

3. عبثية المفاوضات أم عبثية الصواريخ؟

لم أسمع كلمة إطراء واحدة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة، خلال الأسابيع الأولى للعدوان. الجميع كان يشعر بحالة من الانتشاء والفخر وهو يرون المجتمع الإسرائيلي يتذوق شيئا من خوف وهلع ويهرعون إلى الملاجئ عندما تدوي صفارة الإنذار المرعبة، بينما كان الفلسطينيون يعتلون ظهور البنايات العالية ويصفقون ويكبرون عندما يُسمع صوت الانفجار، مع علمهم بأنه لم يقتل أحدا. لقد طفق كل من تحدثت معه يقارن بين مسار المقاومة الذي ركع إسرائيل على قدميها وزرع الرعب في قلوب مستوطنيها، وبين المفاوضات التي أدت إلى ضياع الأرض واستفحال ظاهرة الاستيطان وتهويد القدس وهدم البيوت وتشريد سكانها واقتلاع الشجر و»كنتنة» الضفة الغربية خلف جدار عنصري تم تشييده لابتلاع مزيد من الأرض واحتضان الكتل الاستيطانية، وليس كما يدعون لمنع العمليات الانتحارية.
لقد أثبتت هذه الحرب أن إسرائيل تريد أن تنهي الوجود الفلسطيني الرافض للاستسلام، وأن الفلسطيني المسموح له أن يعيش داخل المعازل هو الذي لا يتمرد على شروط قتله، فإن تمرد فهو إرهابي ملعون وإبادته تصبح واجبا شرعيا. لقد أساء تباكي القيادة على خطف المستوطنين الثلاثة بشكل غير مسبوق كثيرا، فحاولت رموز السلطة بعد احتدام المذبحة، وابتداء من يوم 21 يوليو أن تركب موجة المواجهة وتتبنى تقريبا بالكامل مطالب المقاومة لتثبت لنفسها قبل غيرها أن المفاوضات هي العبثية وليست المقاومة، والجهة التي أوصلت الشعب الفلسطيني حافة الهاوية هي قيادة أوسلو وما نتج عنها من خراب من الصعب تصحيحه إلا بالمقاومة الشاملة والمتواصلة. المقاومة هي التي ستصحح مسيرة المفاوضات إن وقعت، أما المفاوضات العبثية فهي التي ستبعثر النتائج التي حصدتها مقذوفات المقاومة. إن ظاهرة وحدة الموقف الفلسطيني ميدانيا ومن خلال الوفد المشترك لمفاوضات التهدئة أمر في غاية الأهمية ويجب الحفاظ على هذه الوحدة إستراتيجيا وليس تكتيكيا، وعلى أرضية مقاومة المشروع الصهيوني بكافة الوسائل لا التكيف معه ومع شروطه.

4. الاصطفاف العلني
لبعض الأنظمة العربية مع إسرائيل

هذه الحرب أفرزت المواقف في الساحة العربية، ولم يعد في مقدور أي نظام لعب دور المتضامن مع الشعب الفلسطيني علنا بينما يقيم علاقات مع إسرائيل في الخفاء. هذه المرة ولأول مرة تصطف أنظمة عربية معروفة تماما مع العدو الإسرائيلي «عينك عينك» وبكل وقاحة، مغلبة تناقضها المزعوم مع حركة حماس على تناقضها الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني، العدو التاريخي لهذه الأمة ماضيا وحاضرا ومستقبلا. لقد تعرت تلك الأنظمة ولم تملك الجرأة التي تملكها الأرجنتين أو بوليفيا أو الإكوادور أو فنزويلا أو غواتيمالا باستدعاء سفير إسرائيل للاحتجاج أو السماح بمظاهرة شعبية للتضامن مع ضحايا العدوان، بل ذهب بعض الأنظمة في غيه بعيدا بحيث يمنع حتى مرور المساعدات الإنسانية إلى غزة ويعيد الأطباء والمتطوعين من المعبر الوحيد، ثم يسمح لوسائل الإعلام أن توغل في اصطفافها مع إسرائيل ضد كل الشعب الفلسطيني، بل وتطلق تمنياتها لجيش الدفاع الإسرائيلي بالانتصار، مطالبة الجنود الإسرائيليين بمزيد من الضرب على رؤوس الفلسطينيين. المذيعة التي شتمت المغرب قدمت الاعتذار فورا ثم اعتذرت القناة واعتذر وزير الخارجية لنظيره المغربي وللشعب المغربي عامة، وأصدرت السفارة المصرية في الرباط بيانا يؤكد على «اتخاذ اجراءات كي لا تتكرر مثل هذه السقطات مستقبلا». أما من يشتم الفلسطينيين ويصطف علنا وبوقاحة لا مثيل لها مع الجيش الإسرائيلي فيتم تلميعه ويلتف من حوله المريدون ويتم التعامل معه كأنه ثروة وطنية. أهذا إعلام أم سياسة مقصودة ومدروسة؟
إن حرب الإبادة هذه تستحق الدراسة المستفيضة واستخلاص الدروس والعبر ورسم استراتيجية جديدة على ضوء تلك النتائج من قبل الشعب الفلسطيني وقواه الحية، الرافضة للاستسلام والخنوع والمدعومة من الطلائع الشريفة في الشعب العربي، التي تعتبر نفسها جزءا من هذه المعركة. هذه القوى ترى أن هذا الصراع صراع وجود لا صراع حدود، ليس صراعا بين حماس وإسرائيل ولا بين الفلسطينيين وإسرائيل، بل بين الأمة العربية قاطبة وأعدائها الثلاثة الذين ما فتئ الزعيم الراحل جمال عبد الناصر يحذر منهم في كل خطاباته، حيث كان يذكـّر دائما بمؤامرات «الصهيونية العالمية وقاعدتها إسرائيل وقوى الاستعمار والإمبريالية والرجعية العربية». وهل من شك في أن مثلث الشر هذا دخل معركة غزة متشـــابك الأيدي بهدف القضاء على آخر ثغرة من ثغور المقاومة كي لا يبقى من يشير بإصبع الرفض والاتهام والتخوين لأنظمة الفساد والتخلف، وليتم تسليم مفتاح المنطقة لإسرائيل لتصبح عضوا في الجامعة العربية وربما رئيسة لمؤتمر القمة العربية القادم؟

٭ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

د. عبد الحميد صيام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية