“تكنوقراطية” أم “فصائلية”: حدود معجزات اشتية

حجم الخط
4

يستذكر المعلقون الإسرائيليون، أكثر من الفلسطينيين أو العرب في الواقع، أنّ محمد اشتية استقال من وفد المفاوضات الفلسطينية ــ الإسرائيلية التي جرت في العاصمة الأردنية عمّان، في شباط (فبراير) 2012. تصريحاته، التي غطّت أسباب استقالته، كانت قاسية أوّلاً ضدّ الوفد الإسرائيلي، إذْ اعتبر أنّ لائحة الـ21 مطلباً التي اقترح بنيامين نتنياهو مناقشتها “تبدو في الواقع أقرب إلى خطة لتوطيد واقع البانتوستان الراهن أكثر مما تدور حول إنهاء الاحتلال الإسرائيلي”؛ حسب النصّ الإنكليزي لتصريحه ذاك. لكنها، ثانياً، كانت قاسية ضدّ مقاربة وزير الخارجية الأمريكي يومذاك، جون كيري، إذْ ذهب اشتية إلى درجة الحديث عن سَوْق الفلسطينيين كما تُساق الأبقار إلى المسلخ على الطريقة الأمريكية!

هذه واحدة من المناسبات السلوكية التي أكسبت اشتية صفة “الصقر” ضمن الفريق الاستشاري المحيط بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، ثمّ على نطاق أوسع يخصّ مشاركته في وفود التفاوض الفلسطينية ــ الإسرائيلية منذ مدريد 1991؛ وصولاً، بالتالي، إلى مواقفه ضمن المجلس المركزي، واللجنة المركزية لحركة “فتح”. إنه، اليوم، مكلّف بتشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة، التي أرادت “فتح”، أو بالأحرى اشترطت، أن تكون “فصائلية”؛ أي، إذا شاء المرء اعتماد قراءة الخلفية الظاهرة: نقيض حكومة “التكنوقراط” التي شكلها رامي الحمد الله في حزيران (يونيو) 2014؛ وكذلك، في الخلفية الخافية، نقيض “حكومة الوفاق الوطني” مع حركة “حماس”.

هذه، في كلّ حال، هي الحكومة الفلسطينية الثامنة عشرة منذ حكومة 1994 الأولى التي ترأسها ياسر عرفات، وكان فيها وزيراً للداخلية؛ مروراً بالحكومة السادسة، 2003، التي سيدخلها محمود عباس للمرة الأولى، رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية؛ وليس انتهاءً بالحكومة الحادية عشرة، 2007، التي ترأسها إسماعيل هنية أثر نتائج الانتخابات التشريعية وفوز “حماس” بالأغلبية في المجلس التشريعي. وإذا جاز الحديث عن غياب المعجزات، أو البركات الشخصية و”كاريزما” الفرد، عن غالبية رؤساء الحكومات الفلسطينية، باستثناء عرفات ربما؛ فإنّ صفة المفاوض “الصقر” لدى اشتية قد لا تجرّ معها صفة “حلاّل المشاكل”، وهي كثيرة ومتنوعة ومتشابكة، على صعيد الاحتلال مثل السلطة الوطنية، وفي الضفة الغربية مثل قطاع غزّة.

على العكس، في واقع الأمر، إذْ قد تنسحب الصفة الصقرية على موقف اشتية من “حماس”، إنْ لم يكن بسبب تشدده الشخصي المعروف تجاه الحركة؛ فعلى الأقلّ لأنه مكلّف من منظمته الأمّ، “فتح”، بتشديد الخناق على الحكومة الحمساوية الموازية في القطاع. وفي اشتغالات هاتين المقاربتين، وبمعزل عن المشكلات المعتادة المرتبطة بالفساد والبطالة وتقليص المساعدات واقتطاعات الاحتلال من الضرائب وعطالة القوانين التي تنظم حياة المواطن الفلسطيني اليومية (حيث المعجزات نادرة والبركات حسيرة)؛ ثمة ذلك الفراغ الدستوري الهائل فاغر الشدقين: غياب السلطة التشريعية، وانشطار السلطة التنفيذية.

جدير بالتذكير، مجدداً، أنه إذا كانت حكومة إسماعيل هنية في غزّة قد انقلبت إلى محض استطالة بيروقراطية للجهاز الأمني ـ العسكري الحمساوي، الذي بلغ ذروة قصوى دموية في إبطال القرار الشعبي الفلسطيني الذي جاء بـ”حماس” إلى الحكومة؛ فإنّ حكومات رام الله المتعاقبة ظلت محكومة بالانقلاب إلى محض استطالة بيروقراطية للجهاز الرئاسي الذي سكت تماماً، لكي لا نقول إنه شجّع، انقلاب محمد دحلان في غزّة، أواسط حزيران (يونيو) 2007.

ثمّ إذا صحّ أنّ “حماس” نفّذت بدورها انقلاباً على الشرعية، فكيف نسمّي لجوء عباس إلى تلك البدعة الجديدة التي أسماها حكومة طوارئ، تسرح وتمرح في شرعية ذاتية التوليد، كان تتويجها الأحدث عهداً هو دقّ المسمار الأخير في نعش المجلس التشريعي؟ وسواء ولدت حكومة اشتية “فصائلية”، وليس “تكنوقراطية”، وانسحبت صقورية الرجل على سائر غزّة والضفة معاً؛ فأيّ معجزات سوف تميّزه عن الحمد الله أو أحمد قريع أو سلام فياض؟ وأيّ بركات؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية