الوهم والمستحيل في رواية «قلب الإسباني» للجزائرية جميلة طلباوي

تنحو الكتابة الروائية أحيانا مسارا نحو التاريخ بلغة أشبه بالإنسان، حيث الفرح يرتبط بلحظة متوجة في الزمن كشرط للاستعادات المستحيلة، فيمتلئ الوجدان بكاء جماليا عميقا في الفرح، لكن بوجه مأساوي، يستعيد التاريخ من غرفة إنعاش بعيدة لعله يرمم فراغات الراهن التي تواجه مصائر شبيهة بتلك التي امتلك فيها الوعي التاريخي العربي زمام مبادرة ممكنة، لكن عبثه بأحجار رقعة الشطرنج الوجودية رجّ استقرارات الممكن، ومنح اللاممكن المستحيل فرصة استعادة أنفاسه الجغرافية والثقافية، مكرسا وجوده فعليا في الواقع والتاريخ.

الندم التاريخي/ فواصل العبث:

يذكرنا رولان بارث بأن «إعادة القراءة ليست استهلاكا، إنها لعب»، لأن هدفنا من ذلك هو «النص الجمع»، أي نص جديد إضافة إلى النص نفسه، ورواية «قلب الإسباني» كحكاية تمثل النص الأول لكنها ترتبط في نصها الجمع بالذاكرة، التي تتفجر من بؤرة العنوان، مسار الحدث والتناص الشفيف مع سرد القرآن القصصي في خلاف ابني آدم.
تنطلق الرواية من ذلك الندم الذي يعتصر «أيوب» وهو يرى أخاه «عبد النور» العائد من إسبانيا ينفلت من بين يديه، متساقطا على طاولة زجاجية، فيتهشم رأسه لافظا أنفاسه الأخيرة، أو هكذا تراءى لأيوب، تلك هي لحظة التهشيم السردي الذي يتوزع مسارات الذات، وهي تلتقط أنفاس تاريخها المعلق على جغرافية بعيدة، يفصلها بحر الاستعادات المستحيلة، هل يمكن أن نسترجع الأندلس؟ ذلك سؤال الذات، كلما رنّ جرس لأندلس في حكاية أو سطر شعري أو ملحمة يرددها حكواتي. تأتي كل هذه النصوص من أجل أن تكرس جماليا تلك الحقبة في الوعي، كاستمرار سردي يزرع في الذاكرة ذلك الندم التاريخي، والفواصل المنتجة للحياة في تدفقها التواصلي مع الاختلاف. إن ندم «أيوب» يمثل اللحظة المأساوية في افتراق المسارات، وانبثاق الفقد كشبح مهول يهدد الهوية الوجودية برمتها، هوية تلاشت مع الكثير من التفريط في مكتسبات حضارية، أنجزتها اللحظة المنتصرة في الوعي، والقابلة لميكانيزم الاختلاف والوعي الناهض في الكينونة.

افتراق المسارات/ حراك الوعي:

يهاجر «عبد النور» الصيدلي إلى إسبانيا، يلتقي صوفيا الطبيبة، يصاب بأزمة قلبية ذات يوم فتسعفه بعملية نقل قلب إسباني إلى جسمه العربي، فتعود الأندلس من حيث لا يدري ولا يطمح أصلا في عودتها إلى ربوع وجدانه، «قلب إسباني هو بقايا أندلس كانت تسكن ذاكرته»، يتحابان ويتزوجان وينجبان «رشيد».
«كان يراقص فيها أندلس مفقودة»، حضور «صوفيا» لا يمنع الذاكرة من أن تؤكد غياب اللحظة الحقيقة لمعانقة الأندلس، وكأن الوعي العربي يشتاق ذلك الراهن الزمني في التاريخ المستحيل استرجاعه، لكنه قد يمشي في أطلاله ووجوديته المضمرة في الوعي، والمنبثقة على الأرض، مصاحَبا بغصة الفقد، عند هذا المنعرج المأساوي والملهاوي تنبثق السردية لتكرس الوعي بالجمال «وكانت تراقص فيه فارسا لم يكتب عنه سرفانتس». سرفانتس، بداهة السرد حين ترسم الصدف معاني النص بعيدا عن صرامة التخطيط، سرفانتس، جسر السردية حين تفترق مسارات الوعي، وتتداخل جداول التاريخ، هل كتب سرفانتس نص العودة الجمالية للوعي العربي نحو ضفاف الأندلس عبر المشترك التاريخي؟

تستعير الروائية شكل الصراع في بنية الدلالات المضمرة للمعنى القار في «السْبَلْيوني» ـ (الإسباني) باللهجة المغاربية – لتفتح أقواس التشظي في المفهوم في مجال الوعي الشعبي.

تفترق صوفيا عن عبد النور، «زوجته الملاك التي أنقذت حياته.. هي نفسها من بلغت عنه الشرطة بعد أن شكت في انتمائه لجماعة إرهابية»، افتراق المسارات لا يكشف سوى عن سردية مؤلمة تقض مضجع الهوية السليبة، فالتجوال في أروقة الفضاءات الأندلسية لا يعني بالضرورة امتلاكها التاريخي، إنها تمثل راهن الشرخ العميق في الهوية الحاضرة، ذلك هو الألم التاريخي المستمر، منذ بكاء أبي عبد الله الصغير على مشارف غرناطة، والتحول في الهوية المؤسس في سياقات أنطولوجية ترتسم في المدى الإسمي للأشياء والتحول الجوهري في المعنى، «ابنهما الذي أراد له عبد النور رشيد اسما، لكنها أصرت على تسميته رونالدو»، وابن أخيه «مهدي» على اسم جده، فهنا «مهدي» هو فلسفة الانتظار التي أنهكت الوعي العربي وأحالته إلى الدعة والقناعة الزائفة بالواقع؟

العنونة والتشفير الدلالي:

تستعير الروائية شكل الصراع في بنية الدلالات المضمرة للمعنى القار في «السْبَلْيوني» ـ (الإسباني) باللهجة المغاربية – لتفتح أقواس التشظي في المفهوم في مجال الوعي الشعبي، لذلك تنطلق الرواية من المكان الصحراوي، من مدينة «بشار» جنوب الجزائر، وهي مكان ميلاد الروائية ذاتها، ولعل العنوان كان يكون أكثر دلالة لو أتى بصيغة اللفظ المتعارف عليه شعبويا، أي «السبليوني»، والذي تتعدد الدلالات فيه لتسقط على كل من له سلوك فوضوي غير منضبط، أيضا «السبليوني» هو ذو العينين الخضراوين، وهو أيضا المحتل لـ»وهران»، المدينة الواقعة غرب الجزائر، لمدة قرنين من الزمان، و»السبليوني» هو المستقر في الوعي الثقافي والتاريخي، كإحالة إلى الأندلس الحاضرة في غياب استحالة استرجاعها.
الانطلاق من الصحراء، هو العودة المجبرة على تنظيف الهوية والاعتراف بالفضاء الذي انطلقت منه هوية الانفتاح على العالم، الصحراء هي المدخل إلى الوعي بالأندلس، ولا تستثار الهوية في العودة المظفرة لرحيق التاريخ صوب المكان، سوى في تجسير العلاقات، وتمثيلها في مستويات معرفية جمالية لا تتحقق إلا بسردية حكائية، تلعب وفق صيرورات الخيال التي تتمعلم في المكان والهوية والتاريخ والفضاء الشعبوي المنتج للحكاية، وفق توهج الوجدان ورشاقة الكلام.

سردية الوهم أو المستحيل الممكن:

تنغلق الرواية على هامش حكاية تنتهي بمفاجأة عدم موت عبد النور، الذي أعلنه السرد ابتداء على يد أخيه أيوب، «لم يكن ليصدق وهو ينظر إلى وجه أخيه وقد أصبح واضحا تحت أشعة الشمس يحاول التقاط الهواء ليسعف رئتيه»، وبعد افتراق مسارات اللقاء بين صوفيا وعبد النور، يرن في اللحظة ذاتها هاتف هذا الأخير معلنا في شاشته اسم صوفيا، هل عدم موت عبد النور وعودة التواصل بينه وبين صوفيا يعني بالضرورة الأمل في عودة الأندلس، أم يعني بالضرورة تحرير السرديات المعلنة، في دوائر الوعي الحضاري بإمكانيات اللقاء والتجاور الحضاري المستعاد في نطاق «القلب» الإنساني؟
جملة النهاية في الرواية هي: «هذا كل ما استطعت أن استحضره من قصة عبد النور السبليوني صديقي القارئ». يعترف السارد ضمنيا بأن هناك ما لا يعلمه من قصة عبد النور السبليوني، أي مستوى الحكاية غير المكتمل يحيل إلى استمرارية في الخطاب على مستوى الوعي، ومن ثمة يمكن للقارئ أن يستأنف الحكاية بتواشجات معرفية تنسج الجسور الجمالية مع التاريخ في تألقه التراثي وحضوره الكوني انطلاقا من ذات تبحث عن هويتها المفتوحة على الآخر في مجالات تعريفه الممكنة والمتوافقة مع الاستعادات المخيالية/ السردية اللامتناهية للوعي السليب.

٭ كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية