طالعتنا أوساط الإعلام الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي في الأول من تشرين الأول/أكتوبر المنصرم بنبأ رحيل المغني والمؤلف والدبلوماسي الأرمني الأصل، الفرنسي المولد والنشأة، ذي صوت التينور الشجي، شارل أزنافور (1924-2018) عن عمر ينوف على أربعة وتسعين عاما. وقد يتساءل المرء عند غياب أحد المشاهير، أيا كان، في محاولة للابتعاد عن مؤشرات الشهرة المتذبذبة، لا بقصد الانتقاص من المرء بتاتا: ترى ماذا أنجز هذا الشخص على وجه الدقة فاكتسب كل تلك الشهرة العالمية؟ وهل كانت شهرته تضاهي إسهاماته، أم أنها طغت عليها وصار يتاجر بها بغية مضاعفتها وحسب؟
يعرف عن أزنافور أنه سجل أكثر من ألف ومئتي أغنية في تسع لغات وباع ثمانية عشر مليون تسجيلا في عقود نشاطه الفني السبعة. لكن كل تلك الأرقام قد تتلاشى حيال الثمنمئة أغنية التي كتب كلماتها وحده، أو بالاشتراك مع آخرين، إما كي ينفرد هو بغنائها، أو لأجل أن يغنيها واحد من أصدقائه المحترفين. وقد يكون السؤال الحاسم من الناحية الموسيقية حيال مغنينا الراحل: هل قدم أزنافور ما يخلد موسيقى موطن أجداده الغني بالموسيقى أصلا، العابق بأصداء غناء جوقات الكنائس المسبحة بمعجزات الخالق؟
أم أن كوميتاس (1869-1935) القس الأرمني والعالم الموسيقي الذي سهر على تجميع وتصنيف أكثر من ثلاثة آلاف من المخطوطات الموسيقية الأرمنية التي نشأت على مدى ثلاثين قرنا حتى عصره هو، أجدر بالتقدير والتكريم؟
يذكر أن كوميتاس كان قد أسس المعهد الموسيقي الوطني في 1923، الذي سمي باسمه لاحقا، في يرفان عاصمة أرمينيا الرابعة عشرة عبر التاريخ ابتداء من 832 ق.م وكان أن تم اعتمادها عاصمة من 1918-1920 في أعقاب انهيار حكم قياصرة سلالة رومانوف 1613-1917 غداة ثورة أكتوبر. ثم مرت سبعة عقود عجاف احتكر فيها الروس زمام الحياة الثقافية على امتداد الاتحاد السوفييتي، فسلطوا الأضواء على مدينتين لا ثالثة لهما: العاصمة الحديثة موسكو أولا، والعاصمة القديمة بطرسبورغ/لينينغراد ثانيا، فكان أن اضمحل الدور الثقافي لعواصم الجمهوريات الخمس عشرة الأخريات للغاية. ثم تم اعتماد يرفان عاصمة للمرة الثانية عند استقلال أرمينيا سنتين بعد سقوط جدار برلين في التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر 1989، أي في 1991، وتفكك الاتحاد السوفييتي، وما تزال هذه المدينة عاصمة أرمينيا حتى يومنا هذا.
أم أن المؤلف الفذ آرام خاجاتوريان (1903-1978) صاحب “رقصة السيوف” الشهيرة في باليه “غايانيه” الذي ولد في تبليسي، عاصمة جورجيا، بسبب عمل أبيه، رغم أن كل قطرة دم سرت في شرايينه كانت أرمنية صرف، مثلها مثل كل نوتة موسيقية خطها يراعه، سواء عندما كتب السمفونيات والكونجيرتوات والسوناتات، أو الأوبرات والباليهات والموسيقى المرافقة للمسرحيات والأفلام، ناهيك عن أنه كان أرمنيا أبا عن جد، هو الوحيد الذي يستحق لقب أيقونة أرمينيا الموسيقية دون أن يجرؤ أن ينازعه عليه أحد؟
لقد قال مؤلفنا تعقيبا على هذه النقطة: “مهما تنقلت في أعمالي عبر لغات شتى في التأليف الموسيقي فإنني أظل أرمنيا، ولكن أرمنيا أوروبيا، لا آسيويا. وسويا، بصحبة مؤلفين أرمن آخرين، سنجعل أوروبا والعالم بأسره ينصت إلى موسيقانا. وحين يصغي العالم، سيسأل حتما حدثونا عن ذلك الشعب، وأرونا البلد الذي أنتج هذا الفن”.
قد يعجب من يكتشف أن خاجاتوريان لم يحظ بدراسة الموسيقى حتى بلغ الثامنة عشرة من عمره في 1921 لانعدام الفرص في أوائل سني تكوين الاتحاد السوفييتي التي عصفت فيها الردات على ثورة أكتوبر 1917، وكان أن تفاقم بعضها على نحو أشد فأفضى إلى حروب أهلية مع جهات شتى. وكان مؤلفنا قد انتقل إلى موسكو في تلك السنة للدراسة في معهد غنيسن (تأسس في 1895لإعداد معلمي الموسيقى) أولا ثم في كونسيرفتوار تشايكوفسكي للأداء بعد أن رأى بأم عينه أن الأموال والموارد التقنية والبشرية ستتركز على موسكو بالدرجة الأولى. فتبحر في تعلم العزف على الجلو واجتهد في اللحاق بزملائه والتحصيل العلمي بمجمله، فبرزت موهبته الموسيقية نادرة المثال وقدرته الخارقة على استيعاب مواد الموسيقى وتحليل بنائها واكتناه أسرارها وكيفية الكتابة لكل آلة في الأوركسترا ولكل طبقة من الأصوات بسرعة فائقة علما بأن كل تلك المواد كانت على المستوى الجامعي التي لم يسبقها، في حالته الاستثنائية بكل معاني الكلمة، اثنتا عشرة سنة من إرساء القواعد النظرية الموسيقية والاستعداد والتمرس على آلة ما على مستوى المدرستين الابتدائية والثانوية. وللقارئ أن يتخيل مما تقدم عبقرية مؤلفنا.
أما بخصوص المغني وواضع كلمات الأغاني أزنافور، فمما لا شك فيه أنه كان فنانا شامخا في مصاف أيديت بياف (1915-1963) وإيف مونتان (1921-1991) وجاك برل (1929-1978) في مجال الأغنية، أو الشونسون، الفرنسية الجديدة، وابنا بارا لأرمينيا حينما بادر بتزعم حملة جمع التبرعات لصالح ضحايا الزلزال الذي ألم بموطن أسلافه في 1968 لكن مقارنته بخاجاتوريان وبكوميتاس تشبه مقارنة ثمرة الشجرة بساقها وبجذورها.
لقد كان خاجاتوريان أول من ألف السمفونيات والأوبرات والباليهات مستلهما ألحانا وإيقاعات أرمنية بحتة دون أن يقتطف بالضرورة تلك المواد حرفيا، فهو يوظفها لهدفه قريبا كان أم بعيدا عن ظروف وأبعاد المواد الأصلية. بيد أن مؤلفنا ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، إذ قام بتوزيع هذه المواد الموسيقية للأوركسترا على طراز متميز خاص به، يشكل ما يشبه النبرة الشخصية بالنسبة لشاعر أو روائي ما، إذ لا ينسب المستمع قطعة ما إلا إلى خاجاتوريان رغم أن تلك القطعة جديدة على مسمعه. وحين يسأله سائل، “ترى ما الذي يدفعك إلى هذا الاستنتاج؟” تجده يقول: “طريقة تناول الألحان والإيقاعات تدل على خاجاتوريان، لا محالة، فما كان المؤلفون الآخرون ليتناولوا لحنا كهذا إلا بابتذال سمج يدل عليهم!” لكن كل ذلك لم يأت جزافا، كما لم يتأت عن فراغ، بل عن معرفة حميمة في التراث الموسيقي الأرمني ورغبة متقدة في تقديمه في أزهى حلله للعالم برمته.
ولم يغب عن بال مؤلفنا أن يعرب عن امتنانه العميق لجهود كوميتاس الجبارة في توثيق آلاف الألحان الأرمنية الرائعة الإيقاع والنغم وكأنها معين لا ينضب يستلهم منه خاجاتوريان ما يناسب رسالته في كل قطعة من تأليفه مواد لحنية وإيقاعية فريدة من نوعها وفي الوقت ذاته تكاد تكون لا حصر لها، فهي مثل كلمة حتى، إذ مات كوميتاس وفي نفسه شيء من مئات الألحان والإيقاعات الأرمنية التي كان قد بذل الكثير في جمع مخطوطاتها ثم ضاع أكثر من نصفها ولم يتبق سوى حوالي ألف ومئتي مخطوطة! وكتب كوميتاس هذه هي التي مكنت خاجاتوريان من اكتشاف كنوز لم يتخيل لها يوما وجودا في أي أرشيف كان، لذا أنصف خاجاتوريان كوميتاس في مقالة في 1969 بعد مماته بزمن طويل قائلا: “لقد أرسى كوميتاس، دون معونة من أحد قواعد التراث الموسيقي الكلاسي في أرمينيا، وهو معلمي الأعظم”.
لقد كتب خاجاتوريان قطعا موسيقية ترافق عدة مسرحيات، منها “ماكبث” و”الملك لير” و”حفلة تنكرية” للكاتب الروسي ميخائيل ليرمونتوف (1814-1841)، كما ألف الموسيقى التصويرية لأكثر من خمسة وعشرين شريطا سينمائيا، منها “بيبو” (1935)، وهو أول فيلم ناطق بالأرمنية. كما ألف ثلاث سمفونيات، وكان من نصيب عازفي الآلات ثلاثة من الكونجيرتوات الرائعة: واحد للبيانو، وثانٍ للكمان، وثالث للجلو، إذ لم يكن مؤلفنا ممن يؤمنون بالإكثار من القطع دون هدف واضح ولمجرد ملء فراغ ما على رف إحدى مكتباته، بل كان يؤمن بقول كلمته الفصل في كل جنس من أجناس الموسيقى سواء كان معزوفا، أم مغنى، أم تصويريا، أم راقصا.
والجدير بالذكر في هذا السياق أن كونجيرتو الكمان لاقى استحسانا واسع النطاق، فما كان من عازف الفلوت الإيرلندي البارع، جيمز جولوي (من مواليد بلفاست في 1939) إلا أن حور بعض المقاطع هنا وهناك (تماما كمن يعيد تفصيل سروال كي يرتديه شخص آخر). وصار يعزفه هو على آلته الفلوت المطلية بالذهب (عوضا عن الكمان المنفرد) بمرافقة الأوركسترا في حفلات وجولات عالمية وتسجيلات هنا وهناك زادت من شهرة خاجاتوريان أضعافا. لكن أستاذ الفلوت في كلية ترينيتي (الثالوث) للموسيقى في لندن، وسام بستاني، الفنان اللبناني العريق، ذهب إلى أبعد من ذلك، فراح يعزف هذا الكونجيرتو على فلوت شرقي، فأبرز ألق الشرق الذي كان كامنا فيه، الأمر الذي لا يدركه أهل الغرب!
وحين تخرج خاجاتوريان من كونسيرفتوار موسكو في 1935، قدم مخطوطة سمفونيته الأولى بجذورها الأرمنية إلى عدة فرق سمفونية سوفييتية فجذبت انتباه أبرز قادة الأوركسترا السوفييت، ما جعلهم يدرجونها في برامجهم على الفور، مما مكن مؤلفنا من تسجيل فوز عظيم على مستوى الاتحاد السوفييتي ككل وهو ما يزال في مقتبل العمر. كما حازت باكورة سمفونياته هذه على إعجاب معاصره، دميتري شوستاكوفيج (1906-1975)، أحد أهم مؤلفي القرن العشرين في العالم قاطبة، لا داخل الاتحاد السوفييتي وحسب. وكان لهذا الإعجاب أبلغ الأثر في نفس خاجاتوريان الذي ظل يكن لشوستاكوفيج صداقة خالصة طوال حياته.
أما النمط التأليفي الذي ثبت نجم خاجاتوريان في سماء العظام وأعلاه إلى مصاف شوستاكوفيج نفسه وسرجي بروكوفيف (1891-1953) كذلك فهو الباليه. وثمة باليه “غايانيه” (1942) الذي يتضمن “رقصة السيوف” سالفة الذكر، وتبعه بعد سنين طويلة باليه “سبارتاكوس” (1954) الذي يتضمن قطعة تميل إلى البطء لكنها تفيض بالعواطف الجياشة، وعنوانها “أداجيو”، بكل بساطة، وهناك قائمة طويلة من الأفلام ومسلسلات الإذاعة والتلفزة التي تقتطف الرقصة الأولى أو الثانية أو حتى كليهما. وكان مؤلفنا قد أمضى ستة أشهر في موطن آبائه في عام 1939، تشبع فيه بالألحان والإيقاعات الأرمنية العذبة في الشوارع ومراسيم الزواج وغيره عن كثب، ثم عاد فاستمع إلى كل ذلك على نحو أعمق، فكان أن تشبع بكل تلك المواد، مما اختمر في مخيلته على صيغة باليهات وسمفونيات وكونجيرتوات تفيض جمالا وألوانا وظلالا ومعاني لها أول وليس لها آخر.
وأذكر حادثة في هذا السياق وكأنها حصلت بالأمس، في أيار/مايو 1981، قبل نهاية عامي الدراسي الأول بقليل في فينا بالنمسا، حيث جرت العادة منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها أن تقيم العاصمة مهرجانا موسيقيا تستضيف فيه فرقا موسيقية وغنائية وراقصة عالمية شتى، ولحسن الحظ كانت في مقدمتها في تلك السنة فرقة مسرح البولشوي في موسكو التي قدمت باليه “سبارتاكوس” كاملا وبمرافقة فرقة سمفونية ضخمة فاضت عن سرداب مسرح دار الأوبرا الحكومية، فجلس بعض العازفين في الممرات المؤدية إليه! وشاءت الصدف أن أكون قد حضرت عشية ذلك العرض أمسية باليه على المسرح ذاته من أداء الفرقة النمساوية المحلية التابعة لدار الأوبرا إياها، لكن العرض كان هزيلا للغاية، رقصا وعزفا، وبدا على العازفين بالذات مللهم جراء عزف ما يعدونه موسيقى من الدرجة الثانية، عشرة، كونها مخصصة للباليه! وقد كان يعرف عن أهل فينا، مؤدين ومستمعين، عدم اكتراثهم بالباليه، كي لا أقول ازدراؤهم له! جملة وتفصيلا. لكن، لو كان أحد أعضاء تلك الفرقة المحلية قد حضر عرض فرقة موسكو في الأمسية التالية، لرأى العجب العجاب، إذ أبلت الفرقة بجميع أعضائها، مصممين ومخرجين وعازفين وراقصين، بلاء حسنا للغاية، سحر الحضور فانتشى، وما تزال موسيقاه ترن في أذني حتى اليوم. فلم نملك، نحن الحضور، عند نهاية العرض إلا أن نقف جميعا إجلالا للمؤدين وللمؤلف الذي أبدع كل ذلك، وأن نصفق حتى باتت راحات أيادينا بنفسجية دون أدنى مبالغة! ولم أر لا قبل ذلك الأداء ولا بعده وعلى مر سنين من حضور أوبرات وباليهات في دار الأوبرا الفيناوي العريق ذاك، منظرا يشبهه ولو من بعيد، ناهيك عن “يضاهيه” ولا حتى حينما كان مغني التينور الإيطالي لوجيانو بافاروتي (1935-2007) على خشبة المسرح. إذ من المتوقع لدى الانتهاء من أداءٍ ما أن ينقسم الحضور إلى معجبين للغاية، فمعجبين إلى حد ما، إلى حياديين، إلى مزدرين، وهكذا، أما الإجماع الذي شهدته، فلم يتكرر في حضوري قط، إذ جمع خاجاتوريان المجد من أطرافه، ويبدو لي أنه فاق حتى نفسه فكرر المعجزة في مدن وبلدان عدة حتى بدت نبوءته بشأن إيصال صورة أرمينيا الموسيقية إلى العالم متواضعة نسبة إلى انتشارها وإعجاب الحضور بها، لا سيما إذا ما نظرنا إلى حضور مؤلفاته المتكرر في برامج فرق الأوركسترا والباليه العالمية وفي محال بيع التسجيلات.
وكانت ثمة نية لدى خاجاتوريان في خريف عمره أن يكتب أوبرا حول “أغيد” أي كارثة، أو “الجريمة الكبرى” 1894-1923 “وحول قدر الشعب الأرمني وتشتته المأساوي في شتى أنحاء المعمورة، ومعاناته ونضاله” كما كتب في حينها. لكن قدره الشخصي لم يمهله فتوفاه الأجل في الأول من أيار/مايو 1978 بعد مقارعة مرض عضال لسنين طويلة. وترك لنا موسيقاه التي ما انفكت تصدح بملء فيها، تخلب ألبابنا وترقصنا، ولا تتركنا إلا وقد أرتنا عظمة ذلك الشعب الذي أنجب هذا النابغة.