تغريبة فلسطينية تروي النكبة والنزوح والشعر والعشق

حجم الخط
0

الناصرة -«القدس العربي»: «طه» مسرحية جديدة لمسرح الميدان الفلسطيني في حيفا تروي سيرة حياة الشاعر الراحل طه محمد علي، المهجر من صفورية قضاء الناصرة، وهي قصة شاعر لم يتوقّف عن العشق.
من تأليف وتمثيل الفنان عامر حليحل وإخراج الفنان يوسف أبو وردة، تستعيد سيرة شاعر فلسطيني عرفه العالم قبل رحيله في 2011، بقوة شعره ببساطته وبإنسانيته وخلوه من الكراهية رغم جرائم الصهيونية بحقه وحق شعبه ووطنه.
وتمتلئ قصة حياة طه محمد علي بالمصاعب الكثيرة، وقدرته الخارقة على إعالة عائلته وهو صبيّ غضّ، وامتهانه للشعر في سن متقدمة جدًا، بعد محاولات كتابة متردّدة في الشعر والقصة القصيرة.
تبدأ المسرحية باعتلاء طه المنصة، شيخ في السبعين يقف وسط بقعة ضوء يرتدي بدلة بنية، نظارته السميكة تحجب عينيه، لحيته نابتة لكنها مرتبة، شعره أبيض ينظر إلى أعلى قبل أن يستسلم للكلام. في أول كلمة ينطق بها يوحي بقسوة حياته بقوله بصوت أجش :»أنا أجيت عالدنيا غصبن عنها.. مش بخاطرها.. ما كانت بدها اياني..أبوي في جيل وحده وعشرين، تجوز بنت الجيران فاطمة، بنت الخمست عشر سنة «. ويكمل طه باللغة العامية فصول ولادته بروح نكتة سوداء بعدما رزق والده بثلاثة أبناء سماهم طه وماتوا صغارا حتى غيروا اسم فاطمة لنجمة وغيروا اسم المولود الجديد لـ «ميلاد» لكنه مات فقرر أبو طه تغيير الدار.
وتنطلق المسرحية المكونة من 15 مشهدا لمدة ساعة وفي المشهد الأول يروي فرحته في طفولته يوم قرر والده أن يقتني له بسطارا (حذاء) ليذهب للمدرسة فيرتاح من الإصابات الناجمة من المشي حافيا. ورغم الفقر يظفر بالبسطار بفضل والدته المدبرة التي انتظرت بياع «الكنادر» المغربي بعشرين قرشا بدلا من اقتنائه بليرة من الدكان. تألق طه في المدرسة منذ بلغها :»أبوي كان حاطط أمله فيّ من يوم ما وداني على الكتّاب ولمّا رحت عالمدرسة، في امتحان التصنيف رفعّوني دوس دوغري على الصف الثاني. رفعت راس أبوي من أول غزواتي». ووقع طه بغرام اللغة العربية منذ طفولته وخطواته الأولى كانت مع كتاب «البستان» لإسعاف النشاشيبي وكان يحتوي على دروس في بحور وأصول الشعر العربي. ويكشف طه لحظة الحب مع القصيدة رغم أن الأستاذ استهل تلاوة الشعر على مسامعه ببيت شعر لابن رشيق :
الشعر شيء حسن … ليس به من حرج
فعلموا أولادكم……عقار طب المهج
وفتحت المدرسة الباب له على عوالم جحا، وكليلة ودمنة، ويوليوس قيصر شكسبير، حتى عنترة. ويوضح طه أن والده كان يحب عنترة لأنه كان بطلا مغوارا وكريم النفس أما هو فأحبه لأنه كان شاعرا.
في المسرحية المستندة لسيرة حياة وأعمال الراحل، الذي أبدى شغفا نادرا بالمطالعة منذ صغره، تمتزج مسيرته الشخصية بالرواية الفلسطينية التاريخية برشاقة ولباقة لافتتين. في سيرة التعليم والمطالعة على سبيل المثال يستذكر طه أن كتب المدرسة لم تكفه فصار من رواد مكتبة جاره الحاج طاهر الذي كان يعير الكتب لأهالي صفورية في إطار مشروعه لتثقيف أهالي بلده. وينتقل بسلاسة من قصة الكتب إلى لنكبة الفلسطينية بقوله الساخر: «بده الناس تقرا عشان توعا وتستوعب انه في مخططات لسرقة البلاد كلها.. بس الحج كان ينفخ في قربة مخزوقة.. أنا كنت اسمعهن بمضافة أبوي يقولوا إنه بدهن يسرقولنا البلاد.. وأضحك بيني وبين حالي.. كيف يعني بدهن يسرقوها.. بدهن ييجوا بالليل يسحبوها من تحتنا واحنا نايمين ونصحا الصبح ونلاقي حالنا نايمين على ولا اشي؟».
ويبلغ طه العاشرة ويدرك أن البيت بحاجة لمعيل قبل أن يضطر والده المقعد لمد يده طالبا الطعام لأبنائه وصار طه يسترزق بالعمل معهما ويغتنم الفرصة لوصف عروس الكرمل ومقاربتها مع الناصرة في فترة الانتداب: «كنت صرت زاير الناصرة كم مرة، كانت أكبر من صفورية بشوية بس فيها حركة أكبر: اسبطارات، كــهــربا، مــصـــانع دخان، بيوت زهرية بشبابيك قزاز وسطوح قرميد أحمر، سوق بنات بتنانير ودار سينما».
ويتابع بصوت يشي بالاندهاش من زيارة طفل ريفي لمدينة عصرية وهنا أيضا الكلمات معطرة بالفكاهة : «بس حيفا، حيفا مدهشة، مدينة مدينة، مدينة عالأصول، سيارات، شوارع مضوية بلامبات، دكاكين فاخرة ومصانع وناس شكال ألوان ببدلات وغرفتات.. والبحر.. بحيفا كنت أول مرّة بشوف عرب ويهود بحكوا مع بعض عادي، أنا أول مرة شفت اليهود كانوا جايبين مجموعة استكشاف للمنطقة من الكيبوتس، حاملين خوارط ومطرات مي، شلّة شباب وصبايا مع بعض والصبايا لابسات شورطات. كانت أول مرّة عيني بتشوف صابونة ركبة بنت في حياتي. في حيفا شفت زلام ونسوان ماشيين في الشارع ماسكين ايدين بعض، ومنهم قاعدين في القهوة بتخرفوا أو بقروا جرايد وبشربوا قهوة…أكلت حمّص بلحمة وشربت لموناضة، شميت ريحة المشاوي اغزوزطات السيارات ودهان الكنادر وريحة البحر…روحت مسحور من حيفا بس الأهم نظرة أبوي لمّن فتت عالدار وبإيدي 5 جنيهات بالتمام والكمال… عينين ابوي كان فيهم فوق ما فيهم، نظرة راحة. شفّ شفة من فنجانه وقال لأمي: يا فاطمة حطّي لطه لقمة يوكلها.»
في مشهد تالي يهز فيه المشاهدين تارة بالضحك حتى تمتلئ القاعة بالقهقهات وتارة باستدراره دموعهم لشدة وقع السرد التراجيدي فيروي بداية تحول الحاجة لمتعة بعدما جمع بعض النقود، وبدأ يحترف التجارة قبل أن يرافق والده لزيارة عمه ليباركوا له بميلاد بنت سموها أميرة. «رحنا، فتنا عالدار، إمي زغردت وأبوي كبّر وهلّل وعبط عمي وقريوا الفاتحة وأبوي قلّي: أمسيرة الك يا طه». ويكبر طه وأميرة حتى صارت تبرق حبا كلما التقيا لكن النكبة الفلسطينية تحرمه من أميرة وحبها. بعدما يستعيد الصبي طه حالة الرعب الذي دبّ فيه وفي أهالي بلدته خلال احتلالها وإلقاء القنابل عليها من طائرة كانت تحوم كالبوم ومكشرة(عابسة). ويروي الرحيل للبنان ومأساة اللجوء المرّ طيلة عام من البرد والجوع والغربة وموت غزالة شقيقته الفتاة الجميلة المدللة بعد مرضها. اضطرت العائلة لدفن «غزالة» في مقبرة باب عتبة بيت مستأجر فلم تجف دمعة والدتها كيف لا وهي «غزالة» اسم على مسمى وعمود الدار «لا تعرف تشتغل في الدار ولا تعرف توكل ولا تحكي». حالة العذاب هذه دفعت أبو طه لاتخاذ قرار حاسم بالعودة لفلسطين بأي ثمن قبل أن تموت فاطمة حزنا على غزالة. أم طه تقبل على مضض ولا تغادر لبنان قبل أن تدق باب أم محمد صاحبة البيت المستأجر وتوصيها :»ديري بالك على غزالة». وما يلبث الممثل يمنح المشاهدين فرصة جديدة لتذوق حلاوة قصيدة طه بتلاوة بعض أشعاره المتعلقة بأحداث المسرحية كما يقول هنا قبيل العودة من لبنان بعدما فقد «غزالة» وبقيت «أميرة» مع أسرتها هناك ودون أن تتاح فرصة وداعها «فأنا مودعتش أميرة، أنا ودعتها.. بس ودعتها مع الكل: «نحن لم نبك/ ساعة الوداع!/ فلدينا/ لم يكن وقت/ ولا دمع/ ولم يكن وداع!/ نحن لم ندرك/ لحظة الوداع/ أنه الوداع/ فأنّى لنا البكاء؟/ ونحن لم نسهر ولم نغف/ ليلة الرحيل/ ليلتها/ لم يكن عندنا ليل/ ولا نار/ ولم يطلع القمر!».
وترتقي المسرحية ذروة جديدة برسائلها الوجدانية المشحونة بتوقفه عند عوتهم للبلاد وقد اكتشفوا أنها تغيرت وانقلبت رأسا على عقب: «وصلنا، البلد صار شكلها شكلها غير، حتى الهوا صارت ريحته غير وقالولنا إنه رجعة على صفورية ما في وإنه البلاد بطّل اسمها فلسطين صارت إسرائيل»، منوها بدرب الآلام الذي سارت فيه العائلة حتى حازت على بطاقات هوية زرقاء.
ويعبّر طه عن قسوة مشاعر العائدين الذين تحولوا بيوم وليلة من لاجئين في لبنان إلى مهجّرين في وطنهم، بقصيدة عتاب إنسانية غاضبة يلقيها عامر حليحل بنبرة متجانسة مع روحها :»الأرض خائنة/ الأرض لا تحفظ الوّد/ والأرض لا تؤتمن/ الأرض مومس/ تدير مرقصا/ على رصيف ميناء/ تضحك بكل اللغات/ وتلقم خصرها لكل وافد/ الأرض تتنكر لنا/ تخوننا وتخدعنا/ والثرى يضيق بنا/ يتذمّر منّا ويكرهنا/ والوافدون/ بحارة ومغتصبون/ يزيلون الحواكير/ ويدفنون الأشجار/ يمنعوننا من إدامة النظر/ إلى زهور البرقوق وعصا الراعي/ ويحرمون علينا لمس البقول/ والعلت والعكوب/ جديلتك/ هي السبب الوحيد/ الذي يشنقني إلى هذه العاهرة».
في مشهد جديد يعلو فيه المنسوب الدرامي تنتقل من الرينة العائلة للناصرة بحثا عن الرزق ويبدأ طه في انتظار «أميرة» رغم ضــغوط الأم بـــأن يتزوج من غيرها » فالبنات كثار» حتى بلغــت رسالة من عمه في لبنان بواسطة حاج عائد من السعــودية قطعت أحلامه :»الجميع بخير والعيلة اجتمعت كلها في عين الحلوة ومشتاقين وبدعولنا ليل نهار..آه وإنه «أميرة» تجوزت..
ويترجم طه انفعالاته بعد الخبر غير السار بقصيدة يسردها الممثل على الخشبة بقلب مكسور: «آن أخيرا لهذا القلب أن يقفز/ آن أن تفارقه الأزهار/ أن تهجره المنى والأعاصير/ وأن تتخلى عنه الأجنحة !/ آن له أن ييبس/ كما تيبس الصدفة!/ وأن يفرّغ من هواجسه/ وأشباح غيلانه».
وتمضي الأيام ويبقى طه في حي الصفافرة في الناصرة وقلبه في عين الحلوة حتى يفجع بقراءة ما كتبته الجروزليم بوست عام 1982 عن بلوغ قوات أرئيل شارون عتبة بيروت وعن تحول مخيم عين الحلوة لركام فيتحرك شريط الذاكرة بقوة: عين الحلوة.. أميرة.. عين الحلوة.. أميرة أميرة عين الحلوة..أميرة
ويلوذ طه من مأساته بالشعر فيكتب قصيدة بعنوان «أميرة» يقول في مطلعها : «قصيدة فارقة/ عندما يرحل أحباؤنا/ كما رحلت/ تبدأ في داخلنا هجرة لا تنتهي/ ويحيا معنا يقين/ أن كل ما هو جميل/ فينا ومن حولنا/ ما عدا الحزن/ يرحل يغادر، ولا يعود…».
ويعترف طه أن هذه القصيدة محطة فارقة في مسيرته الأدبية وكأنه «بعد ما كتبتها فهمت مين أنا.. تصالحت مع نفسي، مع أميرة، مع أبوي مع الدنيا كلها». ويبوح بأن هذه القصيدة منحته الثقة وأن الشعر فرض نفسه عليه مسلما بفكرة أنه شاعر …صدق أبوي بأن حلمي أكبر من أي وصية كان ممكن يوصيني إياها وأنا من هذا اليوم وعدت قلمي إنه ما ينشف..
وصارت المجلات تنشر والصحف والكتب والدارسون المهتمون يزورون الشاعر طه محمد علي في دكانه لمقابلته وهو شاعر بنفسه شاعرا. وتختتم المسرحية بفصل أخير تتابع روايتها التوثيقية لسيرة طه الذي يرافق سميح القاسم إلى لندن للقاء الشعراء العرب في احتفال كبير. وقتها اهتزت مشاعره وانفعل إزاء اللقاء الحاسم مع كبار الشعراء في «مربط خيلنا» وكاد انفعاله أن ينسيه أين وضع الأوراق داخل حقيبته التي حملت قصيدة استعد لإلقائها في المحفل الشعري كما كاد أن يسقط متعثرا في الطريق للمنصة بعدما علق «بزيم» صندله بالشنطة فضحك وضحك الشعراء. لكنه ما لبث أن استعاد ثقته وتلا قصيدة «عبد الهادي يصارع دولة عظمى» وهذه المرة صفقت القاعة وما ضحكت إنما «وقفت على إجريها وزقفت» ويتابع باللغة المحكية رابطا هذه المرحلة من نهائيات حياته بالبدايات يوم جاء للحياة عنوة : «أنا هيك، في حياتي ما أجاني إشي لعندي بسهولة، أنا أصلا أجيت عالدنيا غصب عنها، مش بخاطرها، ما كان بدها إياني».

وديع عواودة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية