الناصرة- “القدس العربي”:
كشف تقرير صحافي بأن السنة المنصرمة 2018 شهدت ارتفاعاً حاداً في عدد الأخبار الصحافية التي قررت الرقابة العسكرية الإسرائيلية شطبها كلياً وحظر نشرها.
وسجل عدد هذه الأخبار الصحافية المحظورة رقماً هو الأعلى خلال السنوات الأخيرة، باستثناء سنة 2014 التي شن خلالها الجيش الإسرائيلي عدوان “الجرف الصامد” على قطاع غزة (بين 8 تموز و26 آب من تلك السنة) كما سُجل، في العام المنصرم أيضاً، ارتفاع حاد في عدد الأخبار الصحافية التي تدخلت الرقابة العسكرية فيها، سواء بالشطب الجزئي أو بإدخال تعديلات.
وكانت نسبة الشطب والتعديل في الأخبار التي قُدمت إلى الرقابة العسكرية خلال عام 2018 الأعلى منذ بدء رصد هذه المعطيات في 2011. هذا ما يؤكده المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) استنادا إلى معطيات موقع إعلامي إسرائيلي يدعى “محادثة محلية” الذي نشر تقريراً مع “الحركة لحرية المعلومات”.
وحسب معطياته فإن الرقابة العسكرية تدخلت، خلال عام 2018، في 2712 خبراً صحافياً بصورة جزئية، بينما شطبت 363 خبراً آخر بصورة كلية ومنعت نشرها تماماً، أي بمعدل خبر واحد في اليوم. منذ بدء رصد المعطيات حول تدخل الرقابة العسكرية في الأخبار الصحافية المقدمة إليها، في عام 2011، لم يُسجل هذا العدد من الأخبار التي استخدمت فيها الرقابة مقصّها، جزئياً (بالشطب الجزئي والتعديل) أو بالشطب الكلي سوى في عام 2014، إبان عدوان “الجرف الصامد” على قطاع غزة، إذ تدخلت الرقابة العسكرية حينها في 3122 خبراً بالشطب الجزئي والتعديل ومنعت نشر 597 خبراً، منعاً تاماً.
بالمقارنة مع السنة السابقة، 2017، يتبين أن عدد الأخبار الصحافية التي تدخلت فيها الرقابة العسكرية جزئياً في 2018 كان أعلى مما في العام 2017 بـ625 خبراً، بينما شطبت كلياً في 2018 عدداً من الأخبار يزيد بـ92 عمّا شطبته كلياً في 2017.
وحسب التقرير فإنه في المجموع، حظرت الرقابة العسكرية خلال السنوات الثماني الماضية نشر 2661 خبراً، بصورة كلية.
في المقابل، سجل عدد الأخبار الصحافية التي قدمتها وسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة إلى الرقابة العسكرية، مسبقاً قبل النشر، انخفاضاً حاداً ووصل إلى الرقم الأدنى خلال السنوات الثماني الماضية. ونوه ” مدار” أن أنظمة الطوارئ الانتدابية المتوارثة في الدولة اليهودية تُلزم أية وسيلة إعلامية بتقديم أية مادة صحافية تتعلق بما يسمى “الأمن القومي” إلى الرقابة العسكرية قبل نشرها، علماً بأن مفهوم “الأمن القومي” هذا يشمل مجالات عديدة جداً، بما فيها العلاقات الخارجية، تجارة السلاح، الاعتقالات الإدارية، أنشطة الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية المختلفة، إضافة إلى كل ما يتعلق بمنظومة “الحكم العسكري” في المناطق الفلسطينية وغيرها الكثير.
ويشير إلى أنه في مثل هذه الحالات، تستطيع الرقابة العسكرية إدخال تعديلات أو تغييرات في نص المادة الصحافية ومعلوماتها، وشطب أجزاء منها أو شطبها كلياً ومنع نشرها.
كما تقضي قوانين الرقابة العسكرية بمنع وسيلة الإعلام من الإشارة أو التلميح إلى تدخل الرقابة العسكرية في المادة الصحافية.
ورغم ذلك، تعمد وسائل إعلامية مختلفة، خلال السنوات الأخيرة خصوصاً، إلى الإشارة إلى تدخل الرقابة العسكرية، من خلال استخدامها عبارات مثل “سُمح بالنشر” أو “سمحت الرقابة العسكرية بالنشر”.
وينبه إلى أنه رغم ما تفرضه مقتضيات الأحكام القانونية الخاصة بالرقابة العسكرية من صرامة وتشديد، إلا أن القرار بشأن أي مواد صحافية يتم تقديمها لمعاينة الرقيب العسكرية يبقى بين يديّ المحررين في وسيلة الإعلام ووفقاً لاعتباراتهم.
ووفقا لهذا التقرير، فإنه خلال العام الماضي، قدمت وسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة إلى الرقابة العسكرية 10938 مادة صحافية، بينما في 2017، تم تقديم 11035 مادة صحافية. ويرى أن هذا الانخفاض التدريجي المستمر في عدد المواد الصحافية المقدمة إلى الرقابة العسكرية، إلى جانب الارتفاع المستمر في عدد المواد الصحافية التي قررت الرقابة العسكرية شطبها تماماً وحظر نشرها كلياً، يشكلان دليلاً على أن وسائل الإعلام المختلفة تطور، ذاتياً، مهارات لافتة في عملية تحديد المواضيع التي يمكن أن تثير حساسية الرقابة العسكرية واهتمامها، مقابل المواضيع التي يمكن أن تتغاضى (الرقابة) عن نشرها، رغم واجب تقديمها إليها مسبقاً، بمقتضى النص القانوني.
وبرأي مركز “مدار” قد يشكل العاملان السابقان، أيضاً، دليلاً على تراجع حاد في مدى اهتمام وسائل الإعلام الإسرائيلية بالقضايا التي تندرج في إطار مفهوم “الأمن القومي” الواسع، مقارنة بالقضايا الأخرى”.
وأفادت المعطيات التي قدمتها الرقابة العسكرية، كما وردت في التقرير الصحافي، بأن نسبة المواد الصحافية التي شطبتها الرقابة العسكرية بالكامل، بالمقارنة مع نسبة المواد التي أجرت فيها تعديلات فقط، قد سجلت خلال العام المنصرم ارتفاعاً ملحوظاً، فبلغت 3،3%، مقابل 4،2% بالمتوسط خلال السنوات السبع السابقة منذ بدء رصد المعطيات.
يشار هنا إلى أن الرقابة العسكرية لا تقدم أية معلومات بشأن المواضيع التي “تدخلت” فيها، سواء بصورة جزئية أو كاملة، لكن التقرير الإعلامي هذا يرجح أن الارتفاع الجدي في عام 2018 ناجم عن النشاط العسكري والاستخباراتي الإسرائيلي المكثف ضد أهداف إيرانية في سوريا ولبنان، وربما أيضاً عن نشاط الوحدة العسكرية السرية التي عملت في قطاع غزة لفترة طويلة قبل أن يكتشفها رجال المقاومة هناك في اكتوبر/تشرين الثاني 2018، وهو ما أدى إلى تصعيد عسكري آنذاك.
رقابة عسكرية على الكتب وأرشيف الدولة
ويلفت “مدار” أنه إلى جانب عملها في مجال مراقبة المواد الصحافية والإعلامية ذات العلاقة بـ”الأمن القومي” في وسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة، تخوّل “أنظمة الطوارئ الانتدابية” مؤسسة الرقابة العسكرية، أيضاً، صلاحية مراقبة الكتب الصادرة في إسرائيل والمصادقة عليها.
وفي هذا المجال، أفادت المعطيات بأنه من بين 83 كتاباً قُدمت إلى الرقابة العسكرية خلال عام 2018، قبل نشرها، تدخلت الرقابة في الجزء الأكبر منها (49 كتاباً) ولم تسمح سوى بنشر 39 كتاباً دون أي تدخل من طرفها (شطب أو تعديل).
أما في2017، فقد تدخلت الرقابة في 53 كتاباً من بين 84 قُدمت إليها قبل النشر وسمحت بنشر 31 كتاباً دون أي تدخل. ومنذ بداية عام 2016، بدأت الرقابة العسكرية تتدخل، أيضاً، في قرارات مؤسسة “أرشيف الدولة” في إسرائيل، كجزء من عملية فتح أبواب الأرشيف ومواده أمام الجمهور الواسع.
قبل ذلك، كان مسؤولو “أرشيف الدولة” وحدهم أصحاب الرأي والقرار في أي المواد من الأرشيف يمكن إتاحتها لمعاينة الجمهور وأيها ينبغي إبقاؤها طي السرية لما تتضمنه من معلومات “قد تشكل خطراً على أمن الدولة وعلاقاتها الخارجية”.
وفي المعطيات، سُجل انخفاض ملحوظ في عدد الملفات التي جرى تحويلها من أرشيف الدولة لمعاينة الرقابة العسكرية خلال عام 2018 مقارنة بالسنتين اللتين سبقتاها (2908 ملفات في 2018، مقابل 5213 في 2017، و7770 ملفاً في 2016).
كما في السنوات الماضية، رفضت الرقابة العسكرية هذه السنة أيضاً الكشف عن عدد الملفات الأرشيفية التي تدخلت فيها، ناهيك عن مواضيعها بالطبع.
وينبه “مدار” أن تقرير موقع “محادثة محلية” يذكر أن الحصول على معطيات من الرقابة العسكرية حول عملها وحجم تدخلها في المواد الإعلامية المختلفة المنشورة في إسرائيل “يشكل تحدياً”، وخصوصا في ضوء تأكيد الرقابة العسكرية، كل سنة من جديد، على حقيقة أن أحكام “قانون حرية المعلومات” لا تسري عليها وأنها معفية، بالتالي، من واجب تنفيذ تعليماته ومن تزويد أية جهة كانت بأية معلومات تخص عملها.
وطالبت مديرة “الحركة لحرية المعلومات”، راحيل إدري، بإلزام موظفي “وحدة الرقيب العسكري” (التابعة لقسم “الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي”) بالعودة إلى تسجيل ورصد التوجهات والطلبات المختلفة المتعلقة بأرشيف الدولة “من أجل ضمان وصول المعلومات إلى الجمهور”.
غير أن وحدة الرقيب العسكري لم تكلف نفسها حتى عناء الرد على طلب مديرة هذه الحركة (التي تشكل ذراعاً رسمية أقيمت وتعمل بموجب “قانون حرية المعلومات”). وعقبت إدري على ذلك بالقول إنه “من الواضح للجميع أن مؤسسة الرقابة العسكرية في الجيش الإسرائيلي ملزمة بالانتقال إلى طريقة تفكير متجددة وخارج الصندوق، وخاصة في عصر المعلوماتية الحالي”.
وأضافت: “إنها رقابة مضاعفة بمعنى ما ـ في المرة الأولى يراقبون ويمنعون النشر، وفي المرة الثانية يحجبون المعلومات عن حجم الرقابة ومجالاتها”.