القاهرة ـ «القدس العربي»: وكأنها الخطأ الذي يجب التعامل معه على علّته، هي التي تغوي وتُفسِد، عورة يستوجب حجبها، وبالتالي صياغتها وفق هوى منظومة الذكورة الكاملة، فكانت الموصوفة بأنها ناقصة العقل والدين. ومن منطلق كونها كائنا أو مخلوقا من الدرجة الثانية ــ لا يقتصر الأمر على الإسلام بل نظرة الأديان الإبراهيمية عموماً ــ كان لا بد من وضع استراتيجيات دفاعية لمواجهة هذا الكائن، المرجو والملعون في اللحظة نفسها. ورغم توهم تمثلات الحداثة، إلا أن النظرة الأصولية للمرأة لم تزل هي المسيطرة والمُتحكمة، في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية، وسلطة قمعية تتوسل الخطاب الأصولي لإحكام السيطرة. وما دعوة الحرية والمساواة إلا محاولة منقوصة بدورها، ما يجعلها للمساومة أقرب، لأنها في كل خطاباتها تبتعد تماماً عن فكرة المواطنة وحقوق الإنسان. وتأتي أدبيات المرأة وتحررها، مناقشة أوضاعها وسُبل القضاء على التفرقة وعدم المساواة، في زمن ليس ببعيد، خاصة المرأة في الشرق والعالم الذي تحكمه وتتحكم به منظومة التأسلم، والسلطة السياسية التي ترعاها وتحافظ عليها. ورغم تفاوت المؤلفات التي تتناول هذا الموضوع، الذي لم يزل شائكاً ويدخل في باب المحرّمات، نجد بعض المؤلفات الجادة التي تحاول مناقشة هذه التابوهات، وتشريح أصولها ومظاهرها، ومنها كتاب «نساء في عرين الأصولية الإسلامية» للكاتبة رباب كمال، التي حاولت تفنيد الأزمة، أو تعريتها بمعنى أدق أملاً في خطوة لتجاوزها. صدر الكتاب في 350 صفحة عن دار ابن رشد، وجاء في مقدمة وسبعة فصول، هي.. «في رحاب الأخوات، روح الله في مواجهة نساء الفرس، رمال الوهابية المتحركة، نساء في عرين الأزهر، نساء في ظل حكومة الله، نساء في سطوة الموروث، ثورة الجسد في وجه الأصولية».
التكريم والترهيب
بداية بمقولة إن «الإسلام قد كرّم المرأة» نكون قد وضعنا نهاية للقضية، فهل يمكن إضافة شيء بعد إن ألحقنا العبارة بالإسلام؟ من هنا تبدأ الكاتبة مناقشة هذه الأفكار، هذا التكريم الذي يُحاط في كل جوانبه بعوالم الإرهاب، فيكون التعذيب هو مصير كل مَن لم تلتزم بالزي الشرعي المزعوم (الحجاب). هذا الزي الذي يتخذ شكلاً اجتماعياً من التحريض والاستعداء على المرأة المُنفلتة والخارجه عنه، حتى جاءت الفتاوى لتتواتر وتنتقل إلى نظرة اجتماعية لم تكن موجودة من قبل، وهي أن الرجل الذي يترك نساء بيته بلا حجاب يوصف بالديّوث.
ومن ارتباط الأصوليات بالسلطة الحاكمة، يأتي دور (الأزهر)، وكيف يتمثل خطاباً قد يبدو مختلفاً، وهو المُعبّر عن (الدين الوَسَطي الجميل)، فلا تصورات وفتاوى متشددة، ولا وجوه متجهمة، دين ناعم لطيف، يتم تفصيله على هوى السلطة السياسية.
السعودية وإيران
«للمرّة الأولى في البيئة الإسلامية نجد كلاماً عن الوطن والوطنية وحب الوطن بالمعنى المادي الوثني الذي شاع في الفكر الأوروبي الحديث، الذي يقوم على التعصب لمساحة محدودة من الأرض، فالوطنية مزقت وحدة البلاد الإسلامية». (من كتاب «الأخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية»). تبدو رؤية جماعة الإخوان المسلمين هكذا لمفهوم الوطن، فالانتماء الوثني هذا قضى على الأمة الإسلامية وما عليها، وبالتالي لا توجد أي حقوق متساوية للأقليات في هذه البلاد، ففكرة المواطنة التي تؤسس بداية للمساواة لن تسمع لها رِكزا. فلا عجب ولا غرابة في احتفاء الأخوات المسلمات في مصر بالثورة الإيرانية، بل الترويج لها من خلال الدروس الدينية التي كن يحرصن على إقامتها. فرغم الاختلاف المذهبي، إلا أن الثورة الإيرانية كانت نموذجاً حياً لإقامة الدولة الإسلامية في نظر جماعة الإخوان، وكانت أيضاً انقلاباً على المدنية، والتحديث الذي تخشاه الجماعة. هذا الاختلاف المذهبي أيضاً لم يمــــنع تحالف وجهة النظر للمرأة في كل من الفكر السني والشيعي، وقد أصبحت العربية السعودية، وبفضل أموال النفط مُصدّرة الفكر الوهابي خارج حدودها، بل وفرضه بالضرورة، خشية أي تغيّرات قد تطولها، وتهدد نظامها الحاكم.
الدين الوَسَطي الجميل
ومن ارتباط الأصوليات بالسلطة الحاكمة، يأتي دور (الأزهر)، وكيف يتمثل خطاباً قد يبدو مختلفاً، وهو المُعبّر عن (الدين الوَسَطي الجميل)، فلا تصورات وفتاوى متشددة، ولا وجوه متجهمة، دين ناعم لطيف، يتم تفصيله على هوى السلطة السياسية، إلا أن هذه المؤسسة الدينية الرسمية، ليست سوى وجه آخر للأصولية، أضف إلى ذلك المساندة المباشرة لها من قبل النظام الحاكم، فـ(الأزهر) ليس جماعات وتكوينات تستعملها الدولة وفق حاجتها من بعيد كالسلفيين، أو تعاديها كعدو وحيد، لتبرر شرعية وجودها كجماعة الإخوان المسلمين، بل هو أحد أهم أجهزتها، خاصة أنه يتماس مباشرة وحياة الناس، بل يرسم هذه الحياة ويُشكّلها حسب سياسات النظام الحاكم، كقوانين وفتاوى الأسرة ووضعية المرأة في المجتمع، والأخطر صياغة النظرة الاجتماعية العامة للمرأة.
يا نسويات العالم
قد يبدو الخلاف الحاد ما بين دعاة النسوية المدنية والنسوية الإسلامية، إلا أن كلا الطرفين لا يعبّران عن حقوق المرأة من وجهة نظر إنسانية.
فإن كانت النسوية المدنية تقصي جانباً من الرجال المدافعين عن حقوق المرأة، هذه الحقوق التي يتم اختصارها أحيان كثيرة في معـــاداة الرجـل، فإن النسوية الإسلامية تُقصي جانباً مهماً من الحقوق بالقول إنه لا حقوق خارج إطار الشريعة الإسلامية.
وما بــــين فكـــرة الإقصاء والاختصار هذه تبدو الأصولـــية غير مقتصرة على فكر المتأسلمين فقط، بل تمــــتد إلى فكر دعاة الدولة المدنية أيضاً، فهــــم ليسوا أكثر حداثة من المتأسلمين، فقــــط أقل تزمتاً.