بين سندان الضغوط الخارجية ومطرقة الأزمات الداخلية يقبع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، هذه الأيام. قضية مقتل الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، وتداعياتها المتواصلة، بالإضافة إلى التأثيرات السلبية المتفاقمة لحرب اليمن، والأزمة الخليجية المستمرة، ودور الرياض في “صفقة القرن”، وما يصاحب هذا كله من تغير في السياسات الأوروبية والأمريكية تجاه المملكة، من جهة التسليح والدعمين السياسي والعسكري، جميعها عوامل متزامنة، وضعت بن سلمان بشكل خاص، والمملكة بشكل عام أمام أزمة حكم، طالت مصدر القرار في النظام السعودي، والعائلة الحاكمة ككل. فالإخفاقات المتتالية التي نتجت عن قرارات ولي العهد، في مفاصل حيوية عديدة، سياسية وأمنية وعسكرية، داخل البلاد وخارجها، أفضَت إلى مسار مختلف خلال الآونة الأخيرة، أريد من خلاله اظهار الملك سلمان بن عبد العزيز، في واجهة دائرة القرار، وابعاد ولي العهد عنها، ولو صوريا، لما سببته توجهاته، من خطر داهم على هيكلية النظام وبنيته، من جهة، وعلى مستقبله في الحكم من جهة أخرى.
غيابات ملحوظة
آخر خبر تحدث عن نشاطات بن سلمان قبل ظهوره الثلاثاء الماضي، في جلسة مجلس الوزراء، كان بتاريخ 22 شباط/فبراير، عند استقباله من قبل الرئيس الصيني شي جين بينغ، ضمن جولته الآسيوية. ما بين التاريخين، غاب ولي العهد عن المشهد كليا في مناسبات يتعيّن وجوده فيها، استنادا إلى منصبه وحضوره الطاغي سابقا، حيث ظهر والده وحيدا خلال استقبالات رسمية لشخصيات سياسية عربية ودولية، بالإضافة إلى جلسات مجلس الوزراء، وفي مناسبات خاصة داخل المملكة، كان بن سلمان يواظب على حضورها. لكن اللافت، غياب ولي العهد غير المعهود، عن استقبال والده عند عودته من مصر، عقب حضوره القمة العربية-الأوروبية، أواخر الشهر الماضي. وأثيرت تساؤلات عديدة حول عدم تمثيل ولي العهد للمملكة في تلك القمة، كما جرت العادة في هكذا مناسبات خارجية، وسط معلومات تشير إلى ضغوط أوروبية مورست على القاهرة والرياض، إذ هددت بعض الدول الأوروبية، مصر، بتخفيض مستوى تمثيلها في القمة، حال تواجد بن سلمان.
وفتح غياب بن سلمان المجال أمام العديد من التكهنات، تصبّ جميعها في مأزق كبير يعاني منه ولي العهد. وذكرت صحيفة “الغارديان” البريطانية منذ أيام عن وجود خلاف بين ولي العهد ووالده، أرغم الأخير على تقليص صلاحيات نجله بعد عودته من مصر، على خلفية قرارات اتخذها بن سلمان خلال غياب الملك، بتعيينه أول سفيرة سعودية هي الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان في واشنطن، وترقية شقيقه الأمير خالد بن سلمان، إلى منصبه نائب وزير الدفاع. وذهبت الصحيفة أبعد من ذلك، بإشارتها إلى وجود مساع لدى بن سلمان للتحرك ضد سلطة والده، الأمر الذي جعل الملك يقيّد تحركات ولي العهد، كرد فعل. في المقابل، تبرز معطيات أخرى، تشي أن غياب بن سلمان وظهور الملك وحيدا في المناسبات الأخيرة، متفق عليه داخل دوائر الحكم السعودي، على ضوء الضغوطات الخارجية المتصاعدة، لا سيما وأنّ غيابات سابقة ومشابهة كان قد دخل فيها بن سلمان، وعاد بعدها إلى ممارسة عمله بشكل علني، بعد أن يضع والده في الواجهة ليتحمّل وزرَ قراراته المتهورة، ويحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه. لذا، لا يمكن الجزم أن غياب بن سلمان الأخير، ناتج عن خلاف مع والده، بما أن فكرة معاقبة الملك لولي عهده غير منطقية في المملكة، لعدم قدرة الملك على ذلك بعد أربع سنوات من تغلغل نجله في الحكم، وسيطرته المطلقة على المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية. فالابن المتعطش للسلطة، بات خارج قدرة الملك على ترويضه، بغض النظر عن كونه يريد ذلك أم لا. وبمعنى آخر، فإن الملك سلمان هو الطرف الأضعف، في حال قرر ولي العهد التحرك للاستيلاء على العرش. فالمانع من حدوث ذلك، ليس قدرة الملك على إيقاف نجله، أو العلاقة الفطرية بين الأب وابنه، أو المؤسساتية بين الملك وولي العهد. ببساطة، ما يمنع بن سلمان من عزل والده تحت أي ذريعة، هي مصالحه الخاصة، واستمرار حاجته إلى بقاء والده، كملك في الظروف الحالية، ليضعه في الواجهة عند الضرورة، ويبقى هو الحاكم الفعلي وصاحب القرار، خلف الكواليس، بغية اظهار أن الملك هو من يمسك بزمام المبادرة والقرار والسيطرة، في لحظات مطلوب منه أن يُظهَر ذلك.
الانسحاب لمواجهة التداعيات
تكررت المعلومات التي تتحدث عن خلاف بين الملك سلمان وولي العهد، وتقييد صلاحياته، في أكثر من مناسبة غاب فيها بن سلمان عن المشهد. لكن عودته إلى ممارسة سطوته المطلقة على مفاصل الحكم بعد كل غياب، لا تتطابق مع تلك المعلومات التي يروَّج لها خلال غيابه، إذ توضح سيناريوهات الغياب والعودة، أن بن سلمان هو من يسيطر على والده لا العكس، ويجيّر مكانته وموقعه كملك في خدمة ظروفه، ووفق الضرورات التي تحكم مسار وصوله الآمن إلى العرش، فيبعده عن المشهد السياسي داخل المملكة متى تسمح الظروف السياسية بذلك، ويعيده متى يشعر بحاجة إلى رمزية والده كملك، في المقدمة. أو أقله يمكن الحديث، عن وجود انسجام تام وتوزيع أدوار بين الملك وولي العهد.
اتبع بن سلمان تلك السياسة منذ استلامه ولاية العهد، وتقوم على الغياب والتلطي خلف الملك الذي يظهر في ظروف معينة، كمعالج لتبعات قرارات نجله، كلما شعر الأخير بمأزق، سبّبه أسلوبه المتهور في الحكم. وحصل ذلك في مواضع عدة غاب فيها بن سلمان عن المشهد، من بينها فترة ما بعد حادثة اعتقال الأمراء في فندق “ريتز كارلتون” وما بعد إطلاق النار بـ “قصر الخزامى” في الرياض، وما بعد حادثة مقتل الصحافي جمال خاشقجي. وغاب في تلك الفترات، لمدة لا تقل عن غيابه الأخير، كان يسرّب فيها كل مرّة معلومات تزعم، أن الملك سلمان غير راض عن أفعال ابنه، وأنه قيّد صلاحياته.
وتأتي تصرفات بن سلمان تلك، ضمن حلقة من سلسلة شبيهة في المضمون، ظهرت معالمها أيضا في ثنائية القرارات والتصريحات المتضاربة، بينه وبين العاهل السعودي، إذ يعمد بن سلمان إلى التراجع عن تصريح أو قرار بعد تبيان ارتداداته السلبية، عبر دفع والده إلى اتخاذ قرارات معكوسة لمعالجة التداعيات، مع بقائه في الخفاء، والعودة لاحقا كأن شيئا لم يكن. ويذكر في هذا المضمار، مسارعة الملك سلمان في نيسان/أبريل الماضي لإعادة الموقف التقليدي للمملكة حول القضية الفلسطينية إلى التداول الإعلامي والسياسي، بتأكيده على “مواقف المملكة الثابتة تجاه القضية الفلسطينية” خلال اتصال هاتفي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد يوم من نشر تصريح لبن سلمان أثار جدلا واسعا وانتقادات ضد الرياض، أكد فيه ولي العهد على “حق الإسرائيليين في العيش بسلام وإقامة دولتهم على الأراضي الفلسطينية”، وتبع ذلك بأيام قيام الملك سلمان بتسمية القمة العربية الـ 29 التي عقدت في المملكة بـ “قمة القدس”. وفي ظلّ التعثر الذي شهدته “رؤية 2030” أصدر الملك سلمان قرارا مفاجئا بوقف إجراءات عملية بيع أسهم شركة “أرامكو”، وسحبت الأخبار حول هذه العملية من التداول في وقت لاحق، من دون أي تعليق لبن سلمان، الذي تيقّن من أن طرح أسهم الشركة العملاقة سيزيد الوضع سوءا ولن يأتي بالنتيجة المأمولة، فاستعان بوالده لإعلان ايقاف إجراءات عملية البيع والتي كان حريصا على متابعتها، والترويج لها في مرحلة سابقة على أنها حاصلة لا محالة، ومن الطبيعي أن يكون القرار محصورا في ولي العهد، صاحب “الرؤية” ومطلقها والمهيمن على برنامجها.
ولي العهد عاجز
بالعودة إلى فترة الغياب الأخيرة، فإنه على إثر فشله في مواجهة الضغوطات الخارجية، والتي وصلت خلال الأشهر الماضية إلى مستوى غير مسبوق، بفعل الأزمات المتراكمة، أعاد بن سلمان العمل بالخطة المتبعة. فتصدُّر الملك المشهد، بهدف إبعاد ولي العهد عن الواجهة، ولو مرحليا، والايحاء أن العاهل السعودي يستلم زمام القرار والمبادرة في المملكة، لتخفيف الضغوط وتبديد المخاوف الخارجية من ممارسات ولي العهد، وصلاحياته غير المضبوطة. وصاحب ذلك، ترويج كثيف في بعض الصحف الغربية المؤثرة، لمعلومات مفادها أن “محمد بن سلمان بات يسير وفق رغبات والده مقيّدا الصلاحيات”.
وبغض النظر عن صحة هذه المعلومات، من عدمها، فإن مصير بن سلمان في الحكم، أصبح مرتبطا بالقدرة على معالجة آثار قراراته المتهورة على كافة الصعد، وقدرته على الخروج من المأزق الحالي، الذي يختلف من حيث التداعيات والتأثيرات، بما أنه يحمل في طياته مجموع المآزق السابقة، بدءا من حرب اليمن، وتداعيات خطته الاقتصادية، وصولا إلى الأزمة الخليجية و”صفقة القرن”، وليس انتهاء بقضية خاشقجي. تلك الأزمات لا يزال بن سلمان عاجزا عن تفكيكها وحلّها، والخروج منها بأقل الخسائر. وفي حال استمرار عجزه، أو رحيل “منقذه”، الملك سلمان، قبل ذلك، فإن حكم بن سلمان للمملكة، والذي “لن يمنعه عنه إلا الموت” كما صرّح سابقا، سيصطدم بعراقيل عديدة. أبرزها، صراعه الخفي والمستمر من جهة، مع أجنحة العائلة المالكة الأخرى، المترقبة والمنتظرة بدورها للحظة مناسبة، محليا ودوليا، للانتقام من ولي العهد، بعد مؤشرات تشير إلى تضعضع “الجناح السلماني”، والتي حاول بن سلمان مواجهتها سريعا، بتعين شقيقه خالد، المعزول من منصب سفير للمملكة في واشنطن، نائبا له في وزارة الدفاع، تمهيدا لتسليمه الوزارة، وولاية العهد، في المرحلة التي يعتلي فيها العرش. ومن جهة أخرى، يبرز النفور الدولي من سياسات بن سلمان، لا سيما الأوروبي، كأحد أكثر العراقيل تأثيرا، وما يوازيه من خلافات أمريكية-أمريكية حادة ومتصاعدة، في ظلّ شبه اجماع داخل الكونغرس والمخابرات المركزية، على الضرر الذي سيصيب واشنطن، استراتيجيا، جرّاء استمرار دعم ترامب لتلك السياسات.
على هذا النحو، تبقى التطورات مفتوحة لمزيد من الاحتمالات، التي لا تصب بمعظمها في صالح بن سلمان، والذي ما انفكّ يعالج أزمة، بخلق أزمات جديدة أكثر تعقيدا، بما أنه ومنذ بداية صعوده السريع إلى الحكم، يدور في حلقة مفرغة، من القرارات الطائشة وغير المحسوبة، تضعه دائما أمام مأزق، يحاول الخروج منه.