لا تمثل مجزرة الشجاعية وغيرها من المجازر التي اقترفها الكيان الصهيوني في عدوانه الحالي على غزة خطأ عسكريا أو حالة عرضية، في إطار صراع مسلح بين قوتين منظمتين، وإنما هو استمرار طبيعي لخيار إيديولوجي وسياسي قام عليه الكيان الصهيوني منذ النشأة، ووضع له محددات عقدية وفكرية تبرره وتجعل له قبولا في ذهن المستوطنين.. فما الذي يفسر هذا السلوك الإرهابي الاستئصالي الصهيوني، وكيف يمكن فهم الطبيعة الدينية العنصرية للدولة الصهيونية، ولماذا يتواطأ البعض مع كيان ديني رجعي ويصر على وصفه بالدولة الديمقراطية الوحيدة بالشرق الأوسط، على الرغم من التناقض الواضح بين قيم هذا الكيان السياسية وقيم الحداثة والعقلانية والعلمانية التي يعلنها البعض ويتبناها؟
لا يتعلق الأمر برؤية جديدة للكيان الصهيوني، وإنما ينبغي أن ندرك أن الفكرة الصهيونية، ومنذ ظهورها قامت على خلط الديني بالعرقي في تصورها لبناء كيان قومي لليهود، حيث تقدم الصهيونية تعريفا غامضا للهوية اليهودية يجمع بين المعنيين الديني والعرقي في الوقت ذاته، بحيث تصبح اليهودية (الدين) ذات دلالة اثنية تخص شعبا محدد الملامح والعرق ويتعامل مع الآخر (غير اليهودي) بنظرة دونية. غير أن ما تقوله الصهيونية عن هذه الهوية المفترضة لا يتفق بالضرورة مع ما هو قائم على ارض الواقع، من حيث التعدد العرقي الكائن في دولة الصهاينة، الذي افرز تمييزا ما بين العناصر التي تشكل هذا الشعب المفترض ذاته..
وتعود هذه النزعة إلى التأصيل العرقي الكامنة في الخطاب الصهيوني إلى ظروف نشأتها في الإطار الأوروبي الاستعماري في القرن 19، الذي استند إلى إيديولوجيا التمييز العنصري والتفوق العرقي والرسالة التنويرية المزعومة في غزوه للشعوب الأخرى، وبمنطق مماثل كان لابد للصهيونية ـ لتبرير استعماريتها وعنصريتها ـ أن تستند إلى ميراث أسطوري يجد جذوره في الكتابات الدينية المقدسة، التي تتحدث عن العبرانيين أو شعب إسرائيل (الأسلاف المفترضين لهم) الذي خاض حروبا ضد الكنعانيين والاموريين وشعوب المنطقة، وقام بطردهم أو إبادتهم. وبعد قيام دولة الكيان الصهيوني استمر المبرر الإيديولوجي ذاته للحفاظ على الـــدور الوظيفي الذي تقوم به في خدمة الامبريالية ولمنع الأغلبية السكانية القائمة أصلا في فلسطين من تهديد وجود هذا الكيان.
ومن هنا اتخذ الصهاينة جملة من الخطوات المتتالية للاستيلاء على الأرض واقتلاع سكانها من جذورهم، وهو الأمر الذي تطلب التوصل إلى رؤية للذات الغازية (الصهيونية) ورؤية تكميلية تهجينية للآخر موضوع الغزو (الفلسطينيين وكامل المحيط العربي). فالصهيونية كانت ترى نفسها جزءا من الحضارة الغربية ومن الحملة التنويرية التي يخوضها الغرب لإدخال الحضارة إلى الشرق العربي المتخلف، فإذا أضفنا إلى هذا إنكار هوية الآخر وإلغاء وجوده بوصفه ذاتا ثقافية لها خصوصيتها وهويتها الحضارية المنغرسة في الجغرافيا والممتدة في التاريخ، رفع شعار «ارض بلا شعب لشعب بلا ارض»، فكان أن افرز هذا المزيج الفكري بين العنصرية والاستعمار الإحلالي سياسة تقوم على التطهير العرقي، من خلال المجازر المتتالية والترانسفير الجماعي للسكان الأصليين لفلسطين، وهو ما يمكن تأكيده من خلال متابعة سلسلة الجرائم الصهيونية، بداية من دير ياسين وكفر قاسم ومرورا بقتل الجنود الأسرى المصريين، ومجزرة صبرا وشاتيلا ومذبحة قانا، وليس انتهاء بمجزرة الشجاعية، وهذا على سبيل الذكر لا الحصر.
لقد حاولت الصهيونية تغييب وجود الشعب الفلسطيني وإنكار حقوقه التاريخية تماما، وصولا الى حد التصفية الجسدية لأبناء هذا الشعب، وفي المقابل تم منح شرعية مفترضة للمجموعات اليهودية الوافدة، من خلال ما سُمي بقانون العودة الصادر في يوليو/تموز 1950، الذي يجعل من الهجرة إلى فلسطين واستيطانها حقا مكتسبا لكل يهود العالم. ويوضح بن غوريون هذا الطابع الفريد للدولة الصهيونية من حيث هي تجمع بين خصوصيتين لا توجد في غيرها من دول العالم فهي من ناحية تحصر شأن إدارتها سياسيا في المقيمين فيها، ومن ناحية أخرى هي دولة الشعب اليهودي بأسره، أي حتى أولئك الذين هم في الشتات ويحملون جنسيات أخرى.
إن هذا التصور المضطرب لمعنى الدولة لا يمكن تفسيره إلا من خلال استناده إلى مرجعية فكرية تتأسس على التمييز العنصري والصفاء العرقي، فالكيان الصهيوني ليس دولة ديمقراطية بالمعنى الليبرالي للكلمة، وإنما هي تقوم على نمط من التعايش بين عناصرها العرقية المختلفة، مع الاحتفاظ وبشكل صارم بنوع من الفصل العنصري مع أهل الأرض الحقيقيين، بصورة يمكن معها توصيف هذا الكيان على النحو التالي:
ـ يقوم الكيان الصهيوني على أكثر حالات التمييز العنصري والديني والطائفي والعرقي صراحة في مجال الحقوق بين اليهودي وغير اليهودي (الأغيار).
ـ يسعى إلى بناء دولة يهودية خالصة تجسد الرؤى التوراتية، وبإمكان اليهودي أن يحقق فيها ذاته وهويته المفترضة على أشلاء الآخر المختلف.
ـ يؤمن قادة هذا الكيان أن أمن دولتهم لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التخلص من الشعب الفلسطيني وإقصائه من أرضه وهذا أمر تتفق فيه الأحزاب الصهيونية جميعا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
ـ يرفض القادة الصهاينة تفكيك المستوطنات، لأنه فعل يضرب في الصميم الايديولوجيا الصهيونية القائمة على مبدأ استيطاني إحلالي (إحلال مجموعة سكانية محل شعب أصلي).
إن كل هذه العوامل تساعد على فهم الإصرار الذي يبديه الكيان الصهيوني على تصفية كل قوى المقاومة، واستخدامه المفرط لكل أشكال القوة من اجل إجبار الشعب الفلسطيني على الخضوع والقبول بالاحتلال واقعا، وعلى ضرورة الاعتراف بيهودية الدولة، وهو أمر إن تحقق سيفتح الباب أمام تصفية وجود أكثر من مليون ونصف المليون من الشعب الفلسطيني الصامد في أراضي 48، ومن هنا تأتي خطورة المفاوضات العبثية التي يصر عليها أركان سلطة رام الله، بالإضافة الى تواطؤ بعض الأنظمة العربية، على نحو ما يفعل النظام الانقلابي في مصر، حيث أنها تفتح الباب أمام تحقق الحلم الصهيوني في إنشاء دولة مستقرة، تضمن لذاتها الاستمرار وهي التي عجزت طوال عقود مستمرة عن فرض إرادتها على الشعب الفلسطيني، على الرغم من المحاولات المتوالية لفرض الأمر الواقع، من خلال سياسة التهجير والاستيطان والاستيلاء على الأرض والمياه.
بقي أن نقول إن هذا المنطق العنصري الذي قام عليه الكيان الصهيوني هو ذاته الذي يحمل بذور فنائه، لان التجارب التاريخية جميعا بينت أن كل الكيانات العنصرية في العالم، ورغم كل تشريعاتها وسياساتها واعتمادها العنف لم تحفظها من الزوال وهذا هو مصير الكيان الصهيوني ولا ريب..
٭باحث في الفكر السياسي ـ تونس
سمير حمدي