ما هي الحكايات المحظورة في منجم الأسئلة؟ تلك التي لا تصلح للكتابة الأدبية مطلقا. وإذا ما كُتبت فإنها تكون من الحكايات المحرمة أو العصية أو المحظورة، تلك هي الحكايات التي لم تكتب بعد في روايتنا العراقية المقيدة بسلاسل شرطي الرقابة، أو ضمير المهادن، لذلك هي فاسدة تماما، بمعنى آخر هي منتهية الصلاحية، أما السؤال غير البريء فهو: هل يستطيع الكاتبُ أن يدوّن كل الحكايات التي يختزنها في منجم ذاكرته؟
الجواب يأتي بالنفي المطلق، ليس كل الحكايات قابلة للكتابة الأدبية، على الرغم من دراميتها العالية. ثمة حكايات عصية على التدوين فهي كأرانب برية لا تمسك باليد. أرانب نشيطة تلك هي الحكايات المختمرة في مختبر الكاتب من زمن بعيد جدا. وبعضها حكايات لا تطاوع المخيلة الأدبية، ولا تنتظم في مسبحة الأفكار وخرزها، ولا تنفرط من عناقيد شجرة الحكايات المتمردة على التدوين السردي. تتمرد على صنعة الكاتب المحترف، إذا ما آمنّا بالصناعة المركبة للعمل الروائي. حكاية درامية بثيمة مشتركة مع القارئ، ولغة مهادنة تناسب نظام الحكي بمكان وزمن كفضاء سردي للجميع.
حكايات الأرانب المتمردة هي حكايات موجودة فعليا في منجم الكاتب، لكنها مخصصة للحكي الشفاهي فقط، يصلح سردها لرواد المقهى، أو على ركاب الكوستر، أو في وقت «التعلولة المسائية»، بالمقابل فهناك حكايات أخرى مخصصة للتدوين الأدبي في خريطة الأدب الروائي، كيف؟
الحكاية حكايتان، الأدبية منها في الصنف الذي يندرج في مسبحة السرد، وحكاية أخرى هي (حكاية لا أدبية) تلك التي تصلح للسماع، فهي حكاية شفاهة ناجحة تكون فيها قوة الصوت والتلوينات الإلقائية واللفظ بنطق اللغة الفاعلة محض أداة تعبير هائلة، ممولة لعنصر التشويق. هنا تنطلق «حاسةُ السرد» لفحص علب الحكايات في هذا المنجم الضخم. حاسةُ السرد هي بارومتر لالتقاط حكايات الأرصفة و«حدوتات تخوت المقهى»، سيتم إدراجها وتصنيفها بين الذي يحكى وتفريقها عن الذي يكتب. حكّاء وكاتب وأنا بينهما، تلك هي العلة يا نفسي كما يقول شكسبير على لسان هاملت. ونحن بصدد رصدها الآن.
سأروي الحكاية من منجم ذاكرتي، لحكايات لم تكتب مطلقا، فهي عصية على التدوين، كانت مخصصةً للشفاهة ومخزونة بشكل جيد في براد الذاكرة، من النوع الذي لا يُكتب مطلقا.
القضية ليست سهلة، بل تحتاج إلى ما يسمى بتفعيل «حاسة السرد». نحتاج إلى سونار فحص الحكايات الصالحة، أو تلك منتهية الصلاحية، أو ما يسمى بـ«خدّج الحكايات القسرية». نحن ندخل الحكايات قسريا في غرفة تجميد بشعبة مبردة في دهاليز الذاكرة لنحتفظ بها إلى حين الاختمار، لكننا نجدها للأسف منتهية الصلاحية بعد مرور زمن من وجه التاريخ. كمهنة الأسطة الفاكهاني الذي يفرز الفاكهة الفاسدة من الصالحة للأكل والالتهام، أو مثل ناظم المسابح الخبير بعمله، في فحص خرز المسابح من السندلوس أو الكهرب والزائف منهما. في الأدب تدعى عملية الفرز الميكانيكي بين ما يكتب أو يحكى شفاها من الحكايات بالحاسة الفنية للسرد الناجح. الحساسية الروائية هي الشرط الأساس في سونار الفحص. يتسلّح الكاتب في فحصها بالاسترخاء التام بعملية تحتاج المهارة والمكر معا. تلك هي حاسة السرد الخاصة، ومغادرة منطقة الانفعال قبل الوصول إلى خط الشروع في لحظة الكتابة هي مفتاح للكتابة الناجحة.
الانفعال أثناء الكتابة لا يصلح في أغلب الأحيان بحجة الصدق الفني، وهذا الأخير محض وهمٍ ليس إلا، بل الأهم هنا هو عنصر الخبرة في إدارة مكر الحكاية. فالحداثة الروائية غادرت منطقة الصدق الفني وتركتها للشعر أو السيير واليوميات كما هي الاعترافات. الرواية هي إدارة خالصة لفن المكر وتطويع المعرفة الإنسانية. أما طريقة الروي بشغف عال، كدهشة الطفل أثناء الاستماع إلى دولاب القص فهي الطريقة الأمثل لخلق عنصر الإمتاع. بينما الانفعال يقترن حتما بنظام الحكاية الشفاهية. يقول المثل الشعبي «بليّ الحلوق تضيع الحقوق» ذلك يعني من يتكلم هو المنتصر بمنطق الشفاهة، ومن يكتب فهو المخذول بمنطق حكي العامة، والإبداع في السرد هو محاولة لقلب المعادلة هذه. كيف؟
سأروي الحكاية من منجم ذاكرتي، لحكايات لم تكتب مطلقا، فهي عصية على التدوين، كانت مخصصةً للشفاهة ومخزونة بشكل جيد في براد الذاكرة، من النوع الذي لا يُكتب مطلقا. والأسباب كما أوردتها مسبقا. هذه الحكايات بأعمار مختلفة سأرويها بانفعالاتها الفطرية وفق خطاب الشفاهة، إنها تصلح لنظام الحكي كـ(سالوفة) ولا تكتب بشكل مثير أو مدهش. سأحاول كتابتها ضمن ورشة تجريبية افتراضية لتطويع فولاذ الحكايات الشفاهية ليس إلا.
٭ كاتب وروائي عراقي