بيروت ـ «القدس العربي»: في 20 تشرين الأول/اكتوبر 2016 افتتحت حنان الحاج علي عرضها المسرحي «جوكينغ» ومنذ ذاك التاريخ وهي تجول في لبنان والعالم وتشارك في مهرجانات. وصلت العروض بلداناً غير متوقعة كسنغافورة مؤخراً، والصين مطلع العام المقبل، وترجمت للغات عدّة.
«جوكينغ» نص، إخراج وتمثيل حنان الحاج علي منفردة، وفيها تسرد بعضاً من حياتها، أحلامها وطموحها في الحياة والمسرح. عرض يتماوج بين الواقع والفانتازيا. هي حنان المرأة والأم والممثلة التي استفزتها شخصية «ميدي» فكانتها. وهي «إيفون» الأم التي قررت إنهاء حياة بناتها الثلاث وحياتها بعدهن. عرض اشكالي نقدي بليغ. السؤال لماذا يستمر ويجد طلباً؟
معها هذا الحوار:
■ افتتحت «جوكينغ» عامها الثالث بعروض في سنغافورة. أليس البلد جديدا على المسرح اللبناني؟
■ دون شك، وهذا يندرج ضمن توجه جديد لديَ وبعض زملائي بحلول أوان التوجه نحو قارة وآفاق جديدة. فقد استهلكنا العلاقة مع أوروبا رغم كونها لم تنتظم جيداً حتى الآن. لفّت «جوكينغ» العديد من البلدان الأوروبية، لكن الاتجاه الغالب توجه أوروبا نحونا بعروضها. في العالم حضارات ومسرح مزدهر جداً في أمريكا اللاتينية، وفي بلدان آسيوية كما سنغافورة والصين. بلدان خام بالنسبة لنا ونجهلها كلياً، وعلينا اختبارها. كذلك هناك بعض الحركة نحو الهند. أما الصين فلا تزال الحركة نحوها نادرة جداً، وحده كريم دكروب عرض فيها. ومسرحي أول من قدّم عروضاً ضمن مهرجان مسرحي دولي في سنغافورة.
■ وكيف تمّ التواصل؟
■ فاجأني اتصال من المهرجان بطلب المشاركة عبر استمارات ومنافسة. في ظني أن أحدهم شاهد العرض في مهرجان أدنبرة، وكان التواصل والتشجيع لدخول المنافسة. منذ التواصل الأول وجدتهم يحققون ما يعتمل في ذهني بضرورة الذهاب نحو آفاق جديدة. دخلت المسابقة برضى، وبعد التصفية الأولى والثانية اتصلوا بي مهنئين بأني من ضمن العروض العشرة التي ستشارك في المهرجان. «جوكينع» كان العرض العربي الوحيد، وقالوا أنه يتوافق تماماً مع ثيمة المهرجان وهي «المياه الراكدة» ومن شأنها تحريكها.
■ وماذا عن الترجمة؟
■تُرجمت حتى الآن للإنكليزية، وللفرنسية، «فلامان» والألمانية، والاسبانية وقريباً للصينية. وفي بعض البلدان يترافق العرض مع ترجمة بلغتين.
■ ومؤخراً عدت من عرضين في كنيدي سنتر في واشنطن. لنمسك الخشب فماذا ينتظرك من عروض قريباً؟
■ سنكون في أيار/مايو في السويد. تليها زيارة كندا للتفاوض على عروض في أيلول/سبتمبر في مهرجاني تورنتو ومونتريال. ثم جولة في ألمانيا لمدة 20 يوماً في مدن ومسارح متعددة. يليها عرض في مارسيليا، وثلاثة عروض في مهرجان شبّاك في لندن. وعرض في جامعة أوكسفورد ضمن مؤتمر بعنوان «كيفية تناول المسرح الكلاسيكي بشكل معاصر».
■ هل فاجأت «جوكينغ» حنان الحاج علي؟
■ ولا تزال. حين تقدمت لمؤسسة «آفاق» بطلب للحصول على جزء من التمويل لبدء المشروع، كان سؤال عن الجمهور المستهدف. في الواقع تُعتبر العروض لشهر في بيروت، وجولة على مهرجانين أو ثلاثة جيدة. مع كل التوجس والخشية كتبت رداً على السؤال: شهر في بيروت، وربما بعض المهرجانات العربية. وكانت للمسرحية صيغتان إحداهما مصغّرة بهدف العروض في المناطق اللبنانية. ولم يكن الأمل بأكثر من 50 عرضاً. وفي الحقيقة أن العروض في لبنان فاقت الـ100 من حاصبيا إلى عكار، النبطية، صيدا، صور، طرابلس والمخيمات. وهذا ما اعتبره أهم من المهرجانات والعروض الخارجية. فالمحلي طال المدارس والجامعات. بحق لم تكن الإنطلاقة خارج لبنان في الحسبان.
■ هل استأثرت بك «جوكينغ» بعيداً عن أي عمل آخر؟
■ نعم. تمثلت الأزمة في الالتزام الجامعي الذي وجد حلاً بضغط الممكن خلال شهر ونصف. وأنا هنا لإنهاء التزامي مع الطلاب ومن ثمّ السفر من أيار/ مايو حتى أب/اغسطس. ومن العروض المؤكدة للعام 2020 مينوسوتا، إلى عشر عروض في الصين.
■ هذا النجاح يُشجع «آفاق» لدعمك في فيلم روائي؟
■ أتمنى لو كنت أعرف الإخراج السينمائي. طموحي مع «آفاق» وغيرها من المؤسسات المانحة المحترمة، التأسيس لكيانات تساعد الشباب الصاعد في المسرح والثقافة وعلى المدى الطويل. أي إيجاد استراتيجية للمدى البعيد، بحيث يصبح هناك كيان يساعد هؤلاء الشباب في حال توقف الدعم من «آفاق». في لبنان الكثير من العروض تستحق أن تُقدم في الخارج، المنافذ مقفلة في ظل عدم وجود مبرمجين. على المسرحي في بلدنا القيام بكافة المهام بدءاً من ولادة الفكرة.
■ هل تسافرين منفردة إلى العروض خارج لبنان؟
■ غير ممكن. أسافر برفقة أحد أعضاء الفريق. لكن راحة الممثل تكمن في مرافقة أكبر من فريق العمل المساعد. هي الضرورات المادية، فالمهرجانات الدولية اعتادت على عصر النفقات. على سبيل المثال يؤمنون السفر للمدير التقني ويتولون تأمين مساعد له في بلد العرض. في كنيدي سنتر كانت هناك مجموعة من المساعدين.
■ ماذا يفرض عليك كمخرجة وممثلة العرض خارج لبنان؟
■ شخصياً أجد ضرورة لمعرفة بعض خصوصيات المكان، والجمهور الذي سيحضر. مهرجان ساندانس هو من اقترحني على إدارة مسرح كنيدي سنتر، وعندما صار العرض مبرمجاً تواصلت مع أصدقاء في واشنطن لمعرفة نسبة الأمريكيين، واللبنانيين والعرب، كما قابلت بعض الجمهور قبل العروض. بعض الجمهور رغب في تزويده بالنص المترجم ليكون في جهوزية أكبر خلال العرض. وأحاول تقديم المشهد الأول من «جوكينغ» باسم شخصية مكروهة في كل بلد أعرض فيه، فيكون هو من أمضيت الليل معه. وهذا يزيل سريعاً أي مسافة فاصلة مع الجمهور، ويزداد الترابط بين الخشبة والصالة. في كل عرض خارج لبنان على الممثل واجب فني وأخلاقي لا يمكن اهماله.
■ ما هو انطباعك عن لعب «جوكينغ» في النبطية حيث مسقط رأسك؟
■ «جوكينغ» مسرحية اشكالية بالنسبة للنبطية والجنوب. اللعب في أي مكان ينطلق من الإهتمام الجدي بالناس مهما كان قربهم أو بعدهم عن أفكاري. مع العلم أن الكثير من أهل النبطية قريبون فكرياً مني. وجود التنوع الفكري مهم جدا. عندما نلت جائزة مهرجان أدنبرة دُعيت للتكريم من قبل جمعية تقدم المرأة وكامل جابر. رحبت بالفكرة وتمنيت حضوراً منوعاً ثقافياً وسياسياً يشبه النبطية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. وهذا ما كان. قلت خلال التكريم بأني أقدم عملاً اشكالياً سينتقده كثيرون ويرحب به كثيرون، والأهم أن يبقى في النبطية الفكر النقدي الذي اشتهرت به. وهكذا كان حيث حرّكت المسرحية بعض المياه الراكدة، وهزّت بعض الأغصان الثابتة منذ زمن. سررت جداً برؤية رف من الصبايا الجميلات المحجبات يتقاطرن نحو «اللوج» للتهنئة. منهن من طلبت رقم هاتفي، ومنهن كتبن على فيسبوك. كذلك كانت عروض صور والمخيمات غير سهلة مطلقاً. فأول نصف ساعة قرأت الصدمة على وجوه الجمهور. ومن ثم بدأ التعاطف والتجاوب. كتبت مؤخراً «في قفار أوطاننا المسرح شجرة تطرح ثمار الأسئلة، وكلما نزداد منها ازدادت طاقتنا على تحمل المشقة والمسير».
■ هل ترين «جوكينغ» فرصتك الذهبية؟
■ دون شك هي تتويج لمسار. كل ما اختزنته، تعلمته وجربته حتى في الكتابة المسرحية الفردية التي بدأتها ليس من زمن بعيد، أتت «جوكينغ» تتويجاً لها. ويأتي في قمة ما نهلت منه ذاك الذي أخذته من معلمي روجيه عساف، ومن تجربة فرقة الحكواتي، وأضفت إليها ما اختزنته من مخرجين آخرين. فقد تعاونت مؤخراً مع مخرجين شباب من تونس والمغرب، وهذا ما جدد جلدي المسرحي وتوج مرحلة من حياتي.
■ وضعت نهايات ثلاث للعرض تختارين أحدها حسب الجمهور. بفعل الإنتشار الكثيف خارج لبنان هل صارت النهايات ثلاثين؟
■ لم تبلغ هذا الرقم. أحياناً هناك مفاجآت. في مهرجان أدنبرة أكثر من نصف المسرحيين العرب المدعوين للمشاركة لم يحلصوا على تأشيرات، حتى منظمي المنصة العربية التي كنت من ضمنها. وهذا اضطرني لتبديل المقدمة والخاتمة لمسرحية جوكينغ كي أقدم للجمهور هذه المشكلة مما ترك أثراً بالغاً. جاءت الممثلة البريطانية إيمّا تومسون لدعمنا وقرأت رسائل الرفض التي وردت من السفارات البريطانية للمسرحيين العرب. وهذا أثمر سريعاً عن تأشيرات لبعضهم في الأيام الأخيرة من المهرجان.
■ عُرضت «جوكينغ» تحت مسمى «مسرح قيد التطوير» فهل تتغير بين شهر وآخر؟
■ لو شاهدت عرض أدنبرة لقلت «تغيرت كتير». في الواقع خاتمة «جوكينغ» الآن جديدة كلياً. اختبرت نهايات عدّة ورسيت على الحالية التي أراها مناسبة جداً. تتيح تركيبة العرض تناول أي حادثة جديدة وجديرة بالمسرح. أما التركيبة المسرحية الأساسية فنفسها.
■ ما هي تحديات الخشبة المتقشفة نصاً وممثلا فقط لا غير؟
■ الممثل على خشبة عارية من سواه، ومن العلاقة التي يمكن خلقها حية وحقيقية مع الناس، وإلاّ الفشل. راهنت على قدرتي التمثيلية، على مضمون المسرحية وقوته، وعلى طاقة نسج الخيوط الحقيقية بيني وبين الناس. تركيبة المسرحية تدعو المشاهدين للتورط معي في اللعبة. هي دعوة حقيقية لإستثارة مخيلة الجمهور، رأسه وأفكاره، لتقديم الاقتراحات كما في مشهد ايفون. أخبرت الجمهور أن الشريط غير موجود وتمت سرقته، وما سترونه عن إيفون التي سممت بناتها الثلاث ونفسها لاحقاً، هو ما تخيلته أنا عن قصتها. كل فرد من الجمهور مدعو لتخيل قصة إيفون. تعدد التخيل لهذه القصة يقول إن الحقيقة هي كل ما تخيله أي منا. المسرح فضاء عام متنور ونحتاج لفضاء عام وطني للنقاش. الرؤى التعددية تؤدي لإتفاق على خطط ناجعة تنقذنا. الـ»أغورا» التي يخلقها المسرح للنقاش يفترض أن تُعمم أينما كان.
■ متى ستقولين ستوب لجوكينغ؟
■ أسعى لتوريط نفسي في مشاريع أخرى. العام المقبل سأكون ممثلة مع كريستيل خضر. ثمة مسرحيات تعيش، «جنينة الصنايع» جالت عشر سنوات. طالما المسرحية مطلوبة يعني أن الحاجة لها حقيقية، لكنها ستقف دون شك.
a