غزة ـ «القدس العربي»: مع انقضاء العام الأول على «مسيرات العودة وكسر الحصار» التي بدأت أولى فعالياتها يوم 30 اذار/مارس من العام الماضي، لم يعد قطاع غزة الشريط الساحلي الضيق المحاصر من قبل إسرائيل منذ 12 عاما، كما كان سابقا، بعد أن أعيد بفعل تلك المسيرات الشعبية التي لا تزال تتوافد أسبوعيا عبر حشود جماهيرية كبيرة، رغم القمع الإسرائيلي العنيف باستخدام «القوة المميتة» من جديد إلى واجهة الاهتمام الدولي، لحل مأساة السكان الذين يفتقرون لأبسط مطالب الحياة اليومية.
ففي 30 اذار/مارس عام 2018 وبفعل اشتداد الحصار الإسرائيلي الخانق على القطاع المحاصر، والذي ضاعف من أعداد الفقر والبطالة، لتصل نسب الفقر لأكثر من 75 في المئة والبطالة تفوق معدل 51 في المئة ومعدل الدخل اليومي للفرد يصل إلى دولارين أو أقل، خرج سكان قطاع غزة في «مسيرات العودة وكسر الحصار» التي اختير لها هذا اليوم بعناية، لما يمثله من رمزية فلسطينية، حيث يصادف ذكرى يوم الأرض الخالد والذي يذكر الفلسطينيين بمأساة احتلال أراضيهم، وتحويلها إلى مستوطنات تقطع أواصر المدن والقرى والمخيمات، وتزيد من معاناة الشعب تحت ظلم الاحتلال.
أولى دلالات «مسيرات العودة وكسر الحصار» كانت توحد الفصائل الفلسطينية من اليمين إلى اليسار في خندق واحد، فكانت حركة فتح تقف إلى جانب حركة حماس، لتشارك جميعها في الاشراف على هذه المسيرات، من خلال الهيئة الوطنية العليا، التي تضم أيضا شخصيات وطنية مستقلة وأكاديميين ومنظمات المجتمع المدني، وهو ما حمل رسالة إلى إسرائيل مفادها أن الهم الغزي والمأساة التي يعيشها السكان بفعل الحصار يوحد الجميع في خندق المواجهة.
ومع بداية الفعاليات الشعبية السلمية التي استخدمت الحجر والمقلاع، وإشعال النار في إطارات السيارات، احتجاجا على الحصار والقهر الذي يعاني منه السكان، عادت غزة من جديد إلى واجهة الاهتمام، لتقول للمجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية أن هناك شعبا يعاني من ويلات الفقر ونقص الدواء وقلة المال يريد أن يعيش كباقي شعوب العالم، بلا احتلال أو ظلم.
ولوحظ أن الاهتمام الدولي بغزة زاد، بسبب غزارة الدماء التي سالت من المتظاهرين سواء الرجال أو النساء أو الأطفال، وحتى من المسعفين العاملين في الطواقم الطبية، والصحافيين الذين ما زالوا يحافظون على تواجدهم لنقل الأحداث من أرض الميدان.
فمنذ اليوم الأول لانطلاق المسيرات تعمدت قوات الاحتلال التي تلقت قبل ذلك أوامر عسكرية تنص على التعامل بـ «القوة المميتة» ضد المتظاهرين، ما أدى إلى سقوط الشهداء والجرحى في غالبية أيام الأسبوع، لتزداد الأعداد في أيام الجمع، التي تنظم فيها فعاليات شعبية واسعة في «المخيمات الخمس».
«القوة المميتة»
وسجل يوم 14 أيار/مايو الماضي، الأكثر دموية في تاريخ التظاهرات والفعاليات الشعبية، حيث استشهد بفعل استخدام القوة المميتة من قبل الاحتلال، أكثر من 60 شهيدا، بينهم أطفال، وإصابة آلاف آخرين، بجروح متفاوتة.
وذكرت آخر التقارير التي رصدت الأحداث، قبل تنظيم «مليونية الأرض والعودة» التي أقيمت أمس بمناسبة مرور عام على انطلاق المسيرات، أن الاحتلال تعمد قتل 273 فلسطينيا.
وذكر مركز «عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق» التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، أن حصيلة شهداء المسيرات السلمية على حدود قطاع غزة، بلغت 273 شهيدا، بينهم 51 طفلا، و5 سيدات، و115 إصابة بتر أطراف.
وأشار التقرير إلى أن 30 ألف مواطن أصيبوا خلال هذه الفترة، أكثر من نصفهم تم علاجهم ميدانيا، نتيجة استنشاقهم الغازات السامة التي يطلقها جيش الاحتلال بكثافة، فيما أدخل النصف الآخر للمستشفيات لتلقي العلاج، من بينهم نحو 4700 طفل.
وحسب التقرير فإن من بين الشهداء ثلاثة مسعفين، ونحو 670 مصابا من الطواقم الطبية، فيما استشهد اثنان من الصحافيين وأصيب العشرات في استهداف واضح من جيش الاحتلال للطواقم الطبية والصحافية، فيما لا تزال سلطات الاحتلال تحتجز في ثلاجاتها جثامين 11 شهيدا في مخالفة صارخة للقانون الإنساني الدولي.
وقد دفع سقوط هذا العدد من الشهداء والجرحى، المؤسسات الدولية والحقوقية، آخرها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، لاتهام جيش الاحتلال باستخدام القوة المفرطة والمميتة ضد المتظاهرين السلميين، ليؤكد تقرير المجلس أن بعض هذه الانتهاكات من الممكن أن ترتقي لمستوى «جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية».
ومع تغول الاحتلال على المتظاهرين السلميين، شهدت فعاليات المسيرة تطوير أدواتها، لتستخدم بعض «الوسائل الخشنة» من خلال إطلاق «البالونات والطائرات الحارقة» ومشاركة شبان في فعاليات «قص السياج» الحدودي، وآخرين في إشعال النار في إطارات السيارات، ليتطور الأمر لحد تشكيل وحدات ناشطة في هذه الأعمال، آخرها أطلق عليه اسم «وحدات الإرباك الليلي».
تطور الأدوات
وقد سببت هذه الوحدات خسائر في الجانب الإسرائيلي، كان من بينها اتلاف أجزاء من السياح الفاصل، واحتراق مساحات واسعة من المناطق الحرجية على حدود غزة، وكذلك ازعاج جنود الاحتلال والإسرائيليين القاطنين في مناطق غلاف غزة من خلال فعاليات «الإرباك الليلي» التي يتم فيها تفجير عبوات صوتية، وتوجيه أشعة الليزر صوب الثكنات العسكرية، وإشعال النار وإطلاق أصوات صافرات الإنذار.
وفي مرات عدة تدخلت المقاومة الفلسطينية المسلحة، لترد على تغول إسرائيل على المتظاهرين، وكذلك على استهداف مقراتها، بزعم تصعيد فعاليات المسيرات الشعبية، لتندلع العديد من المواجهات العسكرية المسلحة، التي قامت خلالها إسرائيل بشن مئات الغارات ضد قطاع غزة، مستهدفة مواقع المقاومة ومنازل مواطنين، ومقرات مدنية، فيما ردت المقاومة بإطلاق صواريخ على مناطق الغلاف، وأخرى وصلت إلى أبعد من ذلك، وضربت على مرتين مدينة تل أبيب، للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب الأخيرة على القطاع عام 2014 كان أعنفها الأسبوع الماضي، لتنتهي جولات القتال هذه بتدخل الوسطاء.
وفي مسعى للتوصل إلى حلول تنهي مأساة السكان، وتمنع وصول الطرفين «المقاومة وجيش الاحتلال» إلى حرب رابعة، خاصة وأن المقاومة حذرت في وقت سابق من مغبة استمرار إسرائيل في التهرب من تنفيذ تفاهمات رفع الحصار، وأكدت أنها «لن تقبل أن يموت الشعب الفلسطيني جوعاً وقهراً» شرعت عدة جهات وهي مصر وقطر والأمم المتحدة، منذ العام الماضي، في وساطات للتوصل إلى اتفاق جديد يعيد الهدوء، ويضمن إنهاء مأساة سكان قطاع غزة.
تفاهمات
وجرى التوصل في تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، لاتفاق تفاهمات هدوء يشمل مرحلتين الأولى يبدأ تنفيذها خلال أسبوعين، وتشمل القيام بمشاريع إغاثة عاجلة، منها تقديم مساعدات مالية للأسر الفقيرة، وتخفيف مشاكل انقطاع التيار الكهربائي، وتشغيل عمالة مؤقتة، وزيادة مساحة الصيد البحري، وكذلك تسهيل عمليات التصدير والاستيراد، على أن تشمل المرحلة الثانية التي تنفذ خلال ستة أشهر، مشاريع بنى تحتية وإعمار، وتطوير خطوط الكهرباء، وبناء المنازل المدمرة، وإنشاء مشاريع تشغيلية دائمة، تقود في مجملها إلى رفع الحصار عن غزة.
وقد جرى البدء في تنفيذ عدة مشاريع إغاثة عاجلة بتمويل من دولة قطر، التي تبرعت بمبلغ 150 ميلون دولار أمريكي، جرى خلاله توفير وقود لمحطة توليد الكهرباء، ودفع مساعدات للأسر الفقيرة، وتشغيل عمالة مؤقتة بإشراف مؤسسات دولية.
غير أن إسرائيل التي أعلنت أكثر من مرة موافقتها على تفاهمات الهدوء، لا تزال تماطل في تنفيذ باقي البنود، ما دفع الفصائل الفلسطينية والهيئة الوطنية للمسيرات لإعادة تفعيل «الوسائل الخشنة» وتصعيد المسيرات الشعبية قرب الحدود، في مسعى لإلزام إسرائيل بالتفاهمات، حيث يجري الوفد الأمني المصري، اتصالات ولقاءات في غزة وتل أبيب، في مسعى منه لتطبيق كامل للاتفاق، ومنع انزلاق الأمور إلى مربع التصعيد والحرب. وينظر حاليا إلى ما ستؤول إليه الأمور في مقبل الأيام مع إنهاء مسيرات العودة عامها الأول ودخولها عامها الثاني، وهل ستتجه الأمور نحو تطبيق تفاهمات التهدئة، أو إلى تصعيد عسكري قد يقود إلى «حرب رابعة» تزيد من مأساة السكان المحاصرين.