شهدت سوريا في 25 من آذار/مارس الحالي، تحولاً إقليمياً وعربياً ودولياً هاماً مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالدو ترامب منح سيادة مرتفعات الجولان المحتل لإسرائيل، واعتراف فوري من الولايات المتحدة الأمريكية بتلك الوثيقة التي قدمها ترامب لنتنياهو خلال اجتماعهما في واشنطن.
هضبة الجولان السوري المحتل، هي أرض سورية تقع في بلاد الشام، بين نهر اليرموك من الجنوب وجبل الشيخ شمالاً، وكان قد احتلها الجيش الإسرائيلي في الخامس من حزيران/يونيو عام 1967، وفي عام 1981 قرر الكنيست الإسرائيلي ضم الجزء المحتل من الجولان الواقع غربي خط الهدنة 1974 إلى إسرائيل بشكل أحادي الجانب ومعارض للقرارات الدولية.
أما سوريا المتضررة من القرار الأمريكي الذي سلخ أرضا عربية من أصحابها، فلم يظهر رئيس النظام بأي تعليق على التطور السياسي، في حين بدت تصريحات مسؤوليه السياسيين خجولة، أما قيادة الجيش فلم يكن لها أي كلام حول الحدث. ومحلياً شهد الشارع السوري انقاسماً بين الموالين للأسد ومعارضيه، فالجهة الأولى يبدو انها منهكة من ضنك العيش وغياب أدنى مقومات الحياة، فيما صعدت بعض الأصوات من الحزب الحاكم تندد بالقرار الأمريكي، وعلى صعيد المعارضة، خرج الائتلاف السوري ببيان رسمي يدين القرار، معتبراً هذه الخطوة تكريساً لشريعة الغاب، ومحذراً من المساس بحقوق السوريين.
ردود خجولة
مندوب النظام السوري في الأمم المتحدة بشار الجعفري، تناول الموضوع بطريقة تهكمية، إذ نصح الإدارة الأمريكية بالتكرم على إسرائيل عبر التنازل عن ولاية أمريكية أو اثنتين بدل التطاول على ما لا تملك.
وقال خلال جلسة لمجلس الأمن: «الجولان سوري وسيعود وعلى الأمريكي والإسرائيلي ألا يظنوا واهمين أن أرضا سورية يمكن أن تصبح يوما جزءا من صفقة لعينة وخبيثة… وإذا أرادت الإدارة الأمريكية أن تظهر الكرم لإسرائيل فعليها ألا تتطاول على ما لا تملك، فمساحتها واسعة ومترامية الأطراف وبالتالي فلتتنازل عن ولاية أو ولايتين من الولايات الأمريكية لإسرائيل ما دامت حريصة على رضاها عنها» وذلك وفقا لوكالة الأنباء السورية «سانا».
في حين طلبت البعثة الدبلوماسية للنظام السوري لدى الأمم المتحدة عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي على خلفية قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان المحتل، معتبرة القرار انتهاكا صارخا من دولة دائمة العضوية لقرار مجلس الأمن ذي الصلة.
ووصفت وزارة الخارجية السورية قرار ترامب حول الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان المحتل بالتصرف الأرعن، قال وزيرها وليد المعلم، إن اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان المحتل، لن يؤثر إلا على عزلة أمريكا.
الورقة السياسية التي أطلقها الرئيس الأمريكي ترامب حول الجولان، حملت بين طياتها العديد من الأمور المحورية المؤسسة للفترات القريبة المقبلة، وما يلفت الانتباه حسب المعارض السوري جيان عمر، في إعادة إحياء ملف هضبة الجولان هو التوقيت الزمني لفتح هذا الملف الشائك والمُعقد في هذه المرحلة بالتحديد، وفي التوقيت الذي تم فيه إعلان السقوط الكامل لتنظيم «الدولة» الإسلامية.
لماذا الآن؟
كما أن تعقيدات المشهد السوري الحالي وتشرذم المجتمع وفقدان السوريين للقرار السياسي حول مصير البلاد الغامض في ظل استمرار حكم النظام الحالي تحت الوصاية الروسية الإيرانية يبعث على التساؤل حول أهداف تحريك ملف الجولان.
وقال عمر لـ «القدس العربي»: «لا شك أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو له تأثير كبير على الرئيس الأمريكي ترامب، وأعلن عن ذلك نتنياهو نفسه وكرره في حملاته الانتخابية وفقاً للصحف الإسرائيلية المعارضة، ولكن يتوجب على السوريين عدم النظر إلى هذا، فملف الجولان المُعقد من منطلق الأولويات السورية وسياقها الزمني حيث من غير المعقول أن تنجر المعارضة السورية وراء استراتيجية النظام في استخدام ورقة الصراع مع إسرائيل للتغطية على الملفات الأكثر أولوية في الوضع الراهن».
الخيارات معدومة
المعركة مع الاستبداد لم تنته بعد، كما أن الحرب السورية خلًفت مئات آلاف الضحايا وعشرات آلاف المعاقين جسدياً ونفسياً وملايين المهجرين والنازحين، إضافةً إلى تدمير البنية التحتية للبلاد وانعدام متطلبات المعيشة الأساسية كالماء والغذاء والكهرباء والوقود.
علاوة عن الديون الخارجية التي مول بها النظام السوري حربه ضد شعبه، وبالتالي فمن غير المنطقي التفكير في هكذا مرحلة في تحقيق أي تقدم في ملف الجولان لصالح سوريا، كونها في أضعف حالاتها والإنسان السوري مُرهق من حروب الوكالة التي فُرضت عليه على أرضه، وعلى حساب دمه، وغير قادر على خوض أي معركة سياسية أو عسكرية لسنوات آتية كثيرة.
النظام السوري الفاقد للشرعية والمُلطخ بدماء السوريين من وجهة نظر ذات المعارض السوري، لا يملك شيئاً ليفقده، ولذلك سيسعى للاستفادة من ملف الجولان لتعبئة الشارع السوري قومياً وإعلامياً للتغطية على عجزه من القيام بالتزاماته وواجباته تجاه السوريين.
قضية الجولان لم يستطع الشعب السوري حلها لوحده في القرن الماضي لهيمنة نظام ديكتاتوري مجرد من الوطنية على قراره، كما لن يكون في إمكانه اليوم حلها لوحده في ظل النفق المظلم والتيه الذي يعيشه بعد سنوات عجاف من الحروب التي لم تنته بعد.
وبالتالي مجرد الخوض في هذا الملف سيتسبب في تشتيت الجهود الرامية إلى تحقيق التغيير الديمقراطي المنشود في سوريا، وسيُبعد الاهتمام الدولي أكثر من السابق عن ملف دمقرطة سوريا لصالح صراع جديد عنوانه الجولان، والمستفيد منه سياسياً إيران والنظام السوري والخاسر هو الشعب السوري والمعارضة السورية.
هذا وأنهى وزراء الخارجية العرب اجتماعهم في العاصمة التونسية، بعد إقرار بنود أعمال القمة العربية التي تعقد اليوم الأحد، وفي مقدمتها تأكيد عروبة الجولان السوري المحتل، وسبل دعم القضية الفلسطينية، خاصة في ظل القرارات الأمريكية والانتهاكات الإسرائيلية، ونددت الدول العربية بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل.
خدمة للأسد ونتنياهو
«أن هذا الصراع المُستحدث لن يُغير من الوضع الميداني والسياسي في الجولان بل سيخدم فقط الأصوات المتطرفة في إسرائيل وفي سوريا، وهم نظام بشار الأسد وبنيامين نتنياهو على حساب المعارضة الإسرائيلية من جهة والمعارضة السورية بدرجة أكبر في حال انجرارها وراء هذه المؤامرة الجديدة التي تأتي استكمالاً لمؤامرة صنع الإرهاب ومن ثم محاربته والذي ساهمت شرائح من المعارضة السورية من حيث تدري أو لا تدري بالفعل في صناعته على أمل اسقاط النظام به ليتبين أنه كان حصان طروادة ولكن بصناعة متعددة الأيادي والأهداف صب في النهاية لخدمة الجميع إلا الشعب السوري والمعارضة وهذا ما أراه اليوم في إعادة إحياء قضية الجولان في هذا التوقيت بالتحديد. وفق ما قاله جيان عمر لـ «القدس العربي».
إيران السبب
أما على صعيد الأصوات الموالية للنظام السوري، فقال المحلل السياسي صلاح قيراطة فقال: أجنح للحديث أن الرهان على الأنظمة العربية ومنها النظام السوري هي رهانات خاسرة، وإن الرهان المنتصر في النهاية هو على الجماهير وفي طليعتها الشعب السوري الحر المقدام الذي لم يعتد أن ينام على ضيم، وهو من سيحرر الجولان من يد محتلها الجبان ولو بعد آن.
ويرى السياسي الموالي أن إيران نجحت في إشغال ومشاغلة العرب عن سياسات إسرائيل العدوانية في المنطقة العربية، وقال لـ «القدس العربي»: «يجب أن نقول بدون مواربة ولا تورية بإن يجمعهما عداء واحد للعرب والمسلمين، وإيران هي الكيان المشبوه والتاريخ الأسود، وبانها مع الكيان الصهيوني صنّوان». فدور إيران في سوريا، كان بمثابة إعطاء المبرر لإسرائيل بأن يطالب العالم بالإعتراف بسيادتها على مرتفعات الجولان العربي السوري، حيث كانت الإدارة الأمريكية من أول المستجيبين، حيث أعلن الرئيس الأمريكي موافقته بعد أقل من 24 ساعة من طلب رئيس وزراء الكيان، وهذا يأتي كخطوة خطيرة على طريق تنفيذ صفقة القرن وجعلها واقعا ملموساً.