مضى شهر ونيف على انتصار الثورة السورية، فكانت الأيام الأولى من إسقاط النظام وخلع الأسد مكللة بالأفراح والاحتفالات، وبدأت الإدارة الجديدة منذ اللحظة الأولى بترميم ما تبقى من ملامح الدولة السورية التي نخرها فساد النظام البائد وهمجيته، فيما تواجه الحكومة الوليدة تحديات هائلة على الصعيد العام، وملفات معقدة على الساحة الخارجية وأخرى شائكة في المشهد الداخلي، ولعل أبرز تلك الملفات في المرحلة الحالية تتمثل بلم شمل الفصائل السورية المختلفة تحت مظلة جيش سوري واحد، ودفع تلك التشكيلات إلى تحويل سلاحها من فصائلي أو مناطقي إلى سلاح وطني يخضع لسيطرة الدولة فحسب، فيما تعد الهوية الوطنية الشاملة من أهم القضايا المجتمعية التي تحتاج إلى معالجة على أسس المواطنة والمساواة، وتعويم الهوية الوطنية على حساب المناطقية أو الطائفية، وهي قضايا تحتاج إلى جهود جبارة ومشاريع حقيقية شاملة لمنع انزلاق البلاد نحو مستقبل مجهول.
حكومة تصريف الأعمال في دمشق، تعمل بشكل متواصل لإعادة ترميم الدولة السورية من دوائر حكومية ومؤسسات بغية تلبية مطالب حياة السوريين، وتنظيم الوظائف الرسمية والموظفين فيها، فيما ما زالت وزارة الدفاع السورية والشرطة في تفعيل مراكز التسوية للضباط والعناصر ممن كانوا يتبعون للنظام المخلوع، وتتواصل عمليات التمشيط لانتزاع الأسلحة بقوة من أيدي قوات النظام الرافضة لإلقاء السلاح بعد تورطها بجرائم وانتهاكات بحق السوريين طيلة السنوات الماضية.
أما على الصعيد الدبلوماسي، فقد استقبل القائد العام للإدارة الجديدة، عدة وفود دبلوماسية وأمنية عربية وغربية، وشهدت العاصمة- دمشق حراكا دبلوماسيا واسع الناطق، كما جال وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني عدة دول عربية في زيارات هي الأولى من نوعها منذ إسقاط نظام البعث في سوريا في 8 من شهر كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، وهي زيارات نتج عنها مد جسور جوية وبرية عربية تجاه سوريا، كما ساهمت كل من قطر وتركيا في صيانة مطار دمشق الدولي وإعادته للخدمة، ما ساهم بتفعيل امكانية استقبال المطار للرحلات الجوية.
الجيش الموحد…
الامتحان القادم
وزارة الدفاع السورية تعقد الجلسات التنظيمية مع القيادات العسكرية ضمن عملية انخراط الفصائل في وزارة الدفاع، وفي سبيل ذلك اجتمعت مع غالبية قيادات الفصائل السورية المسلحة.
فبعد مرور شهر على إسقاط نظام بشار الأسد، لوحظ وفق رشيد الحوراني، الباحث في مركز جسور للدراسات، عدم وجود أي اشتباك مسلح بين الفصائل فيما بينها.
كما أن إسقاط النظام السابق، وحد التوجه لدى الأطراف المحلية «فصائل المعارضة السورية وقسد وفصائل السويداء» باتجاه هدف واحد هو إرساء الاستقرار وبناء الدولة سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وهذا كله مؤشر إيجابي في سبيل الوصول إلى بناء جيش وطني للبلاد.
الحوراني، أشار خلال تصريحات خاصة بـ«القدس العربي»، إلى مساهمة الغطاء الدولي والعربي المتمثل بزيارات الوفود الدبلوماسية والأمنية إلى دمشق بنتائج إيجابية في المشهد السوري، والحصول على توافقات أدت إلى منع المواجهات العسكرية، فعلى سبيل المثال، دعت ألمانيا، قوات سوريا الديمقراطية «قسد» إلى تسليم سلاحها والاندماج مع قوات المركز.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ميل السوريين بشكل عام إلى الاستقرار بعيدا عن الحرب يشكل عاملا إضافيا في نجاح توحيد الجيش، إضافة إلى ملامح عدم قدرة ما تبقى من النظام من الجيش على التأثير وعلى تنظيم أنفسهم لتشكيل قوة تواجه السلطات الحالية وأجهزتها سواء العسكرية أو الأمنية.
واستطرد المصدر قائلا: نلحظ ملامح مبشرة بجمع السلاح من مختلف الفصائل بما فيها الجيش الوطني وفصائل السويداء منها على سبيل المثال أن نسبة من عناصر هذه الفصائل تداوم دواما جزئيا بالفصيل لأسباب مالية، ومن العناصر طلاب الجامعات، وهذه الشريحة من السهل تركها للسلاح واختيار حياتها المستقرة وفق تخصصها، ومنها من قام بشكل تطوعي بتسليم السلاح لظروف خاصة تعود للمجتمع الأهلي كما هي حالة السويداء، وزوال أسباب وجودها ينفرط عقد هذه الفصائل.
أما على صعيد المخاطر، فمن أبرزها وفق الحوراني، تلك التي تواجه سوريا في المرحلة الراهنة، والمتمثلة باستمرار التهديدات الخارجية ومنها بشكل خاص استمرار التوغلات البرية الإسرائيلية جنوب البلاد، إضافة إلى التهديدات الاجتماعية التي ظهرت بعد الإعلان عن التطوع في صفوف الجيش الجديد وأنه «في سبيل الله» وهو ما أثار تخوف بعض الفئات الاجتماعية من غير المسلمين السنة، وتخوفهم من إقامة دولة جيشها يحمل العقيدة الإسلامية أو الجهادية حسب خلفية هيئة تحرير الشام التي قادت عملية ردع العدوان.
جيل عسكري جديد
انهار جيش النظام السوري البائد خلال المعارك التي خاضتها المعارضة السورية المسلحة لتحرير البلاد، في حين كانت ساعة الحسم عندما تم الإعلان عن هروب بشار الأسد خارج البلاد، ليلقي جيشه الأسلحة على قارعة الطرقات ويهرب من الثكنات العسكرية بعد ارتداء الزي المدني، شكل ذلك إعلانا عن إنهاء حقبة عسكرية طالت 6 عقود من حكم آل الأسد العسكري على سوريا.
في ذات الوقت شكل ذلك تحديا مصيريا للمعارضة السورية التي باتت منذ تلك الساعة هي عماد الدولة الجديدة، وأن بناء جيش وطني وجمع الفصائل تحت مظلة واحدة واسترجاع الأسلحة من فلول النظام أو من قبضة المدنيين الذين التقطوا الأسلحة الملقاة على قارعة الطرقات، مهمة تحتاج إلى خطوات متسارعة وقانونية وحوارية.
العقيد عماد شحود قال لـ «القدس العربي»: بناء جيش سوري وطني يعد من أهم الخطوات لبناء الدولة، فهذا الجيش هو القادر على حماية مكونات الشعب ومؤسسات الدولة، ويحمي حدود البلاد، وأشار المتحدث إلى أهمية عدم دخول الفصائل المسلحة إلى الجيش الوليد على هيكلة كتل، معتبرا أن ذلك يهدد الجيش بالانقسام في أي لحظة أو عند أي تحول، على اعتبار أن التشكيلات العسكرية للفصائل قائمة على أسس عقائدية مختلفة، منها قومي ومنها عشائري أو مناطقي. وقال شحود: يقع على عاتق وزارة الدفاع الاعتماد على عملية ايجاد جيل مقاتل جديد من خلال الكلية الحربية، والاعتماد على نظريات الحرب الحديثة، كما يقع على عاتق ذات الوزارة تسليح الجيش بأسلحة متطورة، بشكل يتناسب مع أسلحة دول الجوار السوري، وتفعيل أنظمة الرقابة والمحاسبة لمنع انتشار الفساد أو الرشى ضمن قوام الجيش السوري القادم.
هوية الجيش القادم
حتى الآن أداء الإدارة الجديدة لافت وناجح، وفق ما قاله الباحث محمد سالم لـ«القدس العربي»، والحقيقة أن المرحلة الأصعب كانت هي إدارة المعركة ضد نظام الأسد، والتي نجحت فيها الفصائل بشكل كبير، وأن أداء الهيئة كان مفاجئا فيها.
بالتالي من نجح في المعركة الأكبر مرشح أن ينجح في الخطوات اللاحقة، خاصه إذا عمل بجد ودأب على إنشاء جيش احترافي، وهو أمر يحتاج إلى وقت وموارد كثيرة، فهناك العديد من الاشكالات والمخاطر أبرزها التعامل مع ملف «قسد» والنجاح في دمج الفصائل. من الصعب الحديث عن هويه الجيش السوري القادم من دون الحديث عن هويه الدولة السورية المقبلة وهذا مرتبط بالدستور والمرحلة الانتقالية التي لم تبدأ بعد فلا زلنا في مرحله تسير الأعمال، ولكنها مبشرة.
هناك عامل مهم واضح، وزاره الدفاع تعمل عليه كأمر أساسي في الجيش القادم، هو عدم تدخله في السياسة وارجاعه إلى وظيفته الأصلية في حماية البلاد من الأخطار الخارجية وليس التدخل في الشؤون الداخلية ولا شك بان هذا أمر ليس سهلا على اعتبار ان تاريخ الجيش السوري مثقل بالانقلابات العسكرية.
الهوية الوطنية وامتحان الانتماء للوطن
تعد الهوية الوطنية، الرابط الحقيقي بين الشعوب والأوطان، فهي بمثابة الركيزة الأساسية التي تجمع الشعوب وتبني جسورًا من التفاهم والانتماء، إنها تمثل تلك القيم والمبادئ التي تعزز الولاء للوطن والشعور بالفخر بالتراث الثقافي والتاريخي.
مشروع الهوية الوطنية، وفق كندة حواصلي، مديرة الوحدة المجتمعية في مركز الحوار السوري، هو موضوع شائك، ومن المفترض قيام الإدارة الجديدة بالبدء بعملية بناء الهوية الوطنية بشكل توافقي، من خلال توضيح المبادئ والقيم التي سوف تتبناها الدولة الجديدة، وكيف سيتم ضمها ضمن المناهج والإعلام والتصريحات السياسية، والسياسات الداخلية، وبالتالي فإن الهوية الوطنية يتم إنتاجها من قبل الجهات السياسية صانعة القرار، ومن ثم يتم ردفها من قبل المجتمع المدني والمشاريع والفعاليات.
ومن هنا تقول حواصلي لـ «القدس العربي»: لا بد أن نسأل أنفسنا، هل نحن متوافقون على الهوية الوطنية السورية؟ هل سوريا ستكون اسمها الجمهورية العربية السورية؟ أم الجمهورية السورية فقط؟ وهذا مجرد مثال، ولدينا ملفات كثيرة تصب في ذات الاتجاه، فنحن أمام إرث ثقيل من الحكم البائد، وأمام مرحلة مهمة ينبغي فيها إعادة تعريف ماذا تعني سوريا بالنسبة للسوريين، وما هي القيم التي سوف تشعرهم بالانتماء للوطن؟ وبالتالي ملف الهوية الوطنية يحتاج إلى سلسلة من النقاشات والحوارات يتحدث فيها الجميع عن هواجسهم وطموحاتهم للحالة السورية، وما يتعلق عليه من حقوق وواجبات، فالهوية الوطنية هي الشعور الحقيقي بالانتماء.
الهوية الوطنية بكافة التصورات هي لكل مكونات الشعب وتتضمن حقوقها وواجباتها المضمونة دستوريا، وكل ذلك يتم التوصل إليه عبر التوافق وتوحيد الرؤية إلى حد ما، وايجاد مساحات مشتركة في الملفات الجدلية، ستكون تلك التوافقات خطوات مهمة لإشعار السوريين بالانتماء أكثر للوطن.
ومن المهم، وفق حواصلي أن يكون الجميع تحت سقف القانون على أرض الواقع، ألا يكون ذلك محصورا في الخطابات أو القرارات، والتأخر في التوصل إلى الهوية الوطنية سيجعل العامة يتوجهون إلى الانتماء للمكونات الأدنى مثل العرق أو الطائفة أو الإيديولوجية، لذلك من المهم إسقاط التصورات الوطنية على أرض الواقع كسلوكيات وكخطوات تصبح هي الثقافة، مثل عدم استخدام الرشوة، والكفاءة هي العامل المهم للتوظيف، وغيرها من السلوكيات.
ومن أبرز التحديات في الفترة الحالية، تتكرس في طريقة إدارة الحوارات والنقاشات حول الهوية الوطنية السورية الجديدة، فهذه الحوارات ليس الهدف منها أن يضع كل طرف اللوم على الطرف الآخر، بل يجب أن يكون هدفها أن يتفهم كل منهما الآخر ويتقبل وجهات النظر، ويأخذ المخاوف بعين الاعتبار، أيضا من أجل النهوض بالبلد إلى درجات الاستقرار كالأمور السيادية والأمنية والإدارية.
العدالة
تعزز السلم الأهلي
إعلاء الهوية الوطنية، وفق الناشطة السياسية عالية منصور هو عمل تراكمي، فالمجتمع السوري اليوم منقسم وخارج من حرب طويلة شنها النظام عليه، وأثر هذه الحرب على معارضيه كما على مواليه، وموضوع إعلاء الهوية الوطنية يجب أن يبدأ من الحوار الوطني المزمع عقده والذي يجب ان يمثل الجميع، ولا ينتهي بالدستور الذي يجب ان يساوي بين السوريين بالحقوق والواجبات
العدالة، وفق ما تقوله منصور لـ «القدس العربي»: ستساهم بتعزيز السلم الأهلي، وبالتالي عندما تطال جميع المرتكبين وتتحقق العدالة للضحايا، سيتمكن السوريون من العودة إلى سوريتهم، فحتى وان كان أغلب الضحايا ينتمون لطائفة واحدة، لكن المرتكبين ينتمون لجميع الطوائف وليس لطائفة دون غيرها.
وتقول الناشطة السياسية، وهي كانت قد جابت عدة محافظات سورية مؤخرا: ما لاحظته، مع ارتفاع الحديث عن حماية الأقليات وحقوق الأقليات، ان الرد يأتي من الكثير من الشباب السوري بالتمسك بسوريتهم قبل أي هوية فرعية أخرى.
والهوية الوطنية تحتاج إلى نقاش صريح، وسياسة المواربة لا تنتج حلولا، ليطرح الجميع هواجسهم بصراحة كي يتمكن السوريون من التعامل مع ما حصل ومع المستقبل.
ولهذا كنت مع تأجيل مؤتمر الحوار، فالأمر لا يحتمل الفشل ونحن بحاجة لتوفير جميع الظروف لينجح المؤتمر وتنجح جميع الخطوات في المرحلة الانتقالية المرتقبة كي نصل إلى سوريا التي نريد، دولة ديمقراطية يتساوى بها الجميع وتحمي الجميع.
وقد يكون من المفيد عقد الحوارات الجانبية والمناطقية التي تحصل ويجب ان تحصل للوصول إلى مصالحة مجتمعية حقيقة على مستوى القاعدة. التحديات هي موضوع العدالة والتدخلات الخارجية التي تدغدغ طموحات البعض، إضافة إلى تصريحات بعض رجال الدين من فلول النظام الساقط والتي لا يناسبها هذا الالتفاف السوري حول سوريتهم، فيخسرون أي نفوذ بقي لهم بعدما خسروا نفوذهم بسبب سقوط الأسد ونظامه.