لعنة الحلاّج

حجم الخط
11

ولد الحسين بن منصور الحلاّج في غير زمنه، وها قد حلّت الذكرى الـ1097 لإعدامه، وعقارب الزمن العربي لا تزال متعثرة عند ساعة تكفيره، لا يزال إلى يومنا هذا من يلاحقه بتلك اللعنة، حتى ليُخيّل إلينا أنه قد يلقى حتفه بالطريقة نفسها لو أنه ولد في زمننا، كما بعض الشعراء، والأدباء، والمفكرين، الذين عاشوا نهايته نفسها، وإن بشكل مختلف، إذ لا تزال تلك الأصوات الملعونة التي لا تتردد في تكفير من يختلف معها، تعلو من حين لآخر لتهدر دم أحدهم. وإن كانت هذه الفترة الزمنية الطويلة قد أصلحت أنماط التفكير عند بعض المجتمعات، فإنّها عندنا تنام وتستيقظ على التوقيت نفسه.
قصّة الحلاّج بعد هذا الكم الهائل من السنين التي مرت، أصبحت أشبه بالأسطورة، وأصبحت محاكمته أشبه بمحاكمة مجنونة لرجل مجنون، كان يعرف بالضبط ما ينتظره، ومع ذلك ظلّ مثابرا على التقدم في سيره نحو هاويته، أمّا محاكموه فقد تصرّفوا بحماقة حين ظنوا أنهم يحمون الخالق، الذي يقول للشيء كن فيكون. إنّها أكثر المعادلات المطروحة عقائديا صعوبة، لا حلّ ولا تحليل لها لإذابتها، فقد صعب على المثقف العربي أن يبلغ تلك الهوّة العميقة في رأس من يعتقد أنّه يمثل الله على أرضه، صعب عليه أن يصحح أشياء جد مهمة، كأن يفهمه أن عرش الله لا يزعزعه لا كافر ولا مشرك، وله في كتاب الله آيات لعله يعقل، وأن قتل فرد بقطع رأسه، أو بصلبه حتى آخر رمق له، لن يعدّل من ميزان الإيمان لدى البشر. هذا ما يجعل «الحلاّج» يعود من فترة لفترة، وتعود لعنة ملاحقته حتى القضاء عليه، ويبدو جليا أن الأجيال المتوالدة، والمتوارثة للفكر المشوّه نفسه، عالقة في شباك الجريمة، لأنّها الأسهل من أجل البقاء في منظومة توهم من فيها أنه آمن.
قُتِل علماء بسبب جهل العامّة حولهم، وقتل شعراء للسبب نفسه، كون اللغة التي يتحدثون بها تفوق قدرة استيعاب تلك العامّة، وأتخيّل لو أن مبتكر الكهرباء جاء في زمن سيطرة الكنيسة على العقول، لبقي العالم يعيــــش في الظـــــلام، ولا شيء ينير عتمته غير قناديل الزيت. ثمــــة أمر علينا أن نعرفه، وهو أن التصادم بين العلم والجهل تصـــادم قاتل، وأنّ العالم المتطور لم يحصل على مكتسبات حقيقية إلاّ حين رفع من مستوى أفراده، واستغلّ الشعوب التي بقيت ترفل في الجهل باستعمارها.
يخبرنا التاريخ بقصص يبْيضُّ لها شعر الرأس في رمشة عين، عن أكثر من حلاّج، ولعل فرج فودة نموذج شارك في قتله مشاهير رجال الإفتاء، وأنصاف مثقفين عاشوا ويعيشون إلى هذه اللحظة تحت أسوأ الأنظمة العربية، انتهاكا لحقوق الإنسان، فلم يحاربوا لا الظلم ولا الفساد والمفسدين، بل حاربوا فرج فودة المسالم، رجل أفصح عن أفكار بإمكانها أن تغير حياة الفرد العربي المسلم نحو الأحسن، وكان يمكن الرّد عليه بأفكار، لكنّه العجز عن إيجاد الحجة، والعجز عن امتلاك موهبة الخطاب والتحاور، وهي نفسها الأسباب التي كانت تدفع بالإنسان البدائي ليهاجم غريمه ويقضي عليه.

يخبرنا التاريخ بقصص يبْيضُّ لها شعر الرأس في رمشة عين، عن أكثر من حلاّج، ولعل فرج فودة نموذج شارك في قتله مشاهير رجال الإفتاء، وأنصاف مثقفين عاشوا ويعيشون إلى هذه اللحظة تحت أسوأ الأنظمة العربية، انتهاكا لحقوق الإنسان.

عاشت مجتمعاتنا إذن منذ الزمن السحيق هذا الرُّهاب من الآخر المختلف، ولم تكن أسباب قتاله متعلّقة فقط لتوفير الكلأ والماء لدوابّها، والغذاء لأفرادها، لقد ظل الأمر شكلا من أشكال البقاء بالنسبة لها، كونها عاشت معزولة، فيما كل غريب يطلُّ عليها يأتي بأطماعه، ومظالمه، فتقاتله، عاشت منكفئة على نفسها، معتقدة أنّ الله يظلِّلُها وحدها على هذه البسيطة، وهذا في حدّ ذاته سبب وجيه لتكون متوحشة الجوارح، متأهبة دائما لتلقي أخطار غير متوقعة. تحليل الخوف المتجذّر في أفئدة أبناء مجتمعاتنا البسيطة، نصف المتعلّمة، نصف الواعية، يقودنا إلى فتح باب سيكولوجي واسع على نوعية حياتنا، وتركيبتنا الذاتية بكل عناصرها المختلفة.
يقول علم النّفس أن الخائف ينسحب من الحياة، ويركن إلى الموت، ففي الغالب يدخل إلى نفسه ويغلقها، يتقلّص بصره فلا يرى أبعد من نفسه، يعتبر بيته هو مخبأه الوحيد، وحين يغادره يتمنى لو أنّه غير مرئي، يلجأ في الغالب إلى ارتداء أثواب تخفيه أكثر مما تظهره، وتخيف غيره مخافة أن يقترب منه أحد. سيكولوجيا الخوف تمتد إلى ذواتنا عبر تضخيم حاسة الخوف الطبيعية التي زوّدنا بها الله لتفادي الأخطار، ولكنها حين تزيد عن حجمها الطبيعي نصبح مرضى، وبالتالي نحتاج إلى علاج. «يقف الرجل المرعوب في البداية مثل تمثال بلا حراك» يقول داروين، ويشرح العلم الحديث تقنيات وتفاعلات الخوف، وتأثيراته على الفرد في لحظته، الخــــوف قد يقـــود للجنون، أو للموت المفاجئ، أو لصدمة تترك أضرارا كالشلل، أو للاندفاع بقوة للدفاع عن النفس، تختلف ردات فعل الخائف حسب نوعية الشيء الذي يخيفه ونسبة وعيه وإدراكه، فهل يمكننا أن نقضي على الخوف؟
من الهباء أن نفكّر في طريقة لقتل الخوف في ذواتنا، هذا لن يحدث، إلا بتخدير خارجي يخل ببيولوجيا الجسد، لكن بإمكاننا تقبله والتخفيف من وطأته، ثم تجاوزه. وأول خطوة تبدأ بمواجهة مخاوفنا، بعضها لا يحتاج لإقامة الدنيا وعدم إقعادها، حين تكون المخاوف صغيرة، كالخوف من الثرثرة التي تمس سمعتنا، أو الخوف من فقدان الوظيفة التي توفر لنا مدخولا، أو ما شابه. المخاوف الكبرى هي التي تورّطنا في العنف، تلك التي تكشف مدى عجزنا للتعامل مع مطالب العالم، كونها لا تحلُّ إلاّ بموازنة وعينا مع أوضاع العالم الخارجي. وهذا لا يحدث إلا عند الوقوف بلامبالاة أمام الشيطان نفسه. حول هذا الشأن يروى عن سيد اسمه «زان» عاش خلال الحرب الأهلية في اليابان الإقطاعية في قرية صغيرة، سيطر عليها الغزاة، وقد فرّ الجميع منها قبل وصولهم، الجميع باستثناء السيد «زان» الذي ظل معتكفا في المعبد، فذهب الجنرال ليرى بنفسه نوع الرجل الذي كان ذلك السيد، كونه لم يعامله بالخضوع والاحترام الذي اعتاد عليه، انفجر في وجهه غاضبا وهو يلوّح بسيفه قائلا: «أمجنون أنت؟ ألا تدرك أنّك تقف أمام رجل يمكنه صدعك دون أن يرف له رمش عين؟». أجاب السيد بهدوء «هل تدرك أنك تقف أمام رجل يمكن إعدامه بدون أن يرف له رمش عين؟» لحظتها ارتجف صاحب السيف أمامه خوفا فقتله.
تنطبق الحكاية اليابانية مع حكاية الحلاّج، إذ أن ما قتله ليس كفره أو قمّة إيمانه، ولكنّ ما قتله هو غرور وفجور وجبن من حوله، فقد عاش في تناغم وتوازن بين عقله وحاجات جسده، كان مكتفيا، أمام رهط من المغرورين الذين اعتبروا أنفسهم امتدادا للخالق، حتى سلبوه حياته. نتذكّر الحلاج إذن، وقوافل العلماء، والشعراء والهائمين في ملكوت الله تسبيحا بالمحبة والسلام، لتجديد الدعوة لفسح المجال للحب ليدخل قلوبنا، فثمة حكمة تقول إن «القلوب الخاوية من الحب، تموت باكرا، وتصيب من حولها بالعدوى».

٭ كاتبة وإعلامية من البحرين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية