يومَ خلعَ الحلاج خِرقته

بعيدا من عتامة الصورة وضيق الرؤية في واقع ومستقبل المسرح الشعري، وعلى الرغم من ندرة المرات التي امتلأت فيها مقاعد النظارة لأجل عرضٍ وجاهي يستغرق هذا النوع من المسرح، فإن مسرحية «مأساة الحلاج» تُعَد نقطة مضيئة لالتقاء المسرح العربي بالشعر، ومحوراً من الغنى الأدبي لكليهما من دون شك، لا لأن المسرح تكونٌ جيني معلقٌ بالشعر وحسب، وإنما لأن حضور المسرحية بالشعر أكثر أثراً منها بالنثر، في وجدان المُتلقي نصاً وعرضاً.
كتب صلاح عبد الصبور (1931- 1981) هذه المسرحية عام 1964 ونشرها عام 1965 مستلهماً تاريخية التراث في الفعل الإنساني القِيَمي الإيجابي، وجدوى تحقيق تناسق مُقنِع بين الوعي بالتاريخ، وحسن إسقاطه على المعيش، قدمه لنا عبد الصبور كشاعر مثقف، يرفض أن يتزلف للحاكم، كرفض الحلاج نفسه.
والحلاج حسين بن المنصور (858 ـ 922) شخصية جدلية غنية عن التعريف، عاش في العراق في منتصف القرن الثالث للهجرة (القرن التاسع الميلادي) وكان موضع اختلاف بين من اتبعه من المتصوفة والمُريدين من عامة الناس الذين اعتبروا أن ما انتشر عنه من أفكار وأقوال وأفعالٍ ممجوجة، غيرُ صحيح، في مواجهة من خالفوه وكفّروه، باعتباره ساحراً ومُجدفاً يدعي الربوبية، كافراً بالتوحيد، مُستعدياً السلطان الذي لا تجوز مخالفته كخليفة للمسلمين.
انتظمت «مأساة الحلاج» في جُزأَين، سمى عبد الصبور أولهما «الكلمة» والثاني «الموت» ووظف بعض الوقائع التاريخية من حياة الحلاج في خدمتها، أهمها إقدامه على خلع الخرقة بعد عودته حاجاً من مكة المكرمة، رغبةً منه في النزول إلى الشارع، ولُقْيا الناس كَسِيرِي القلب والضعفاء منهم لهدايتهم ودعوتهم إلى الله وطلب الفوز والسعادة بالآخرة.
أثار تصرف الحلاج غضب مريديه ومقلديه من حوله، لأن خَلْع الخرقة قد يفضي به – وهو الزاهد الكبير – إلى التورط في أمور الدنيا وشرورها، واللغو مع ناسها والخضوع لزينتها ومفاسدها. والخرقة هذه زي مما يلبسه المتصوفة ليميزهم عن غيرهم، ترمز الخرقة إلى ترك الدنيا واتباع الوعظ والدعوة إلى الله بطريقة خاصة، ويرفل فيها كل واحدٍ منهم لينذر نفسه للدين وطريق الحق القويم أمام الله وفي سبيله. لكن الحلاج مضى في رغبته مخاطباً صديقه «الشبلي» أحد شخصيات المسرحية، وهو يخلع عنه الخرقة إياها :
إنْ كانت قيداً في أطرافي
يلقيني في بيتي جنب الجدران الصماء
حتى لا يسمع أحبابي كلماتي
فأنا أجفوها… أخلَعُها.. يا شيخ !
إن كانت ستراً منسوجاً من إنيَتِنا
كي يحجبنا عن عين الناس، فنُحجبَ عن عين الله
فأنا أجفوها… أخلَعُها.. يا شيخ
يا رب اشهد !
هذا ثوبك
وشعار عبوديتنا لك
وأنا أجفوه، أخلعه في مرضاتك
يا رب اشهد
يا رب اشهد !
أسقط عبد الصبور خلع الخرقة على ذاته الثائرة، وجعلَ من فعل الحلاج منطلقاً فكرياً لا تستقيم مقاربة أو مواجهة الواقع السياسي/ الاجتماعي في مصر في منتصف الستينيات وقُبيل هزيمة حزيران/يونيو 1967 إلا من خلاله، لِمَا رأى فيه من إنعاشٍ طبيعي، وإنتاج متجدد لدلالات قيمَتَي الحرية والعدل، مثل بالنسبة له منحًى إصلاحياً انتهجه الحلاج في نقد وتعرية السلطة العباسية، مما عدهُ جوراً وظلامة على أيام الخليفة المقتدر بالله، لتضفير إرادة الناس في كرامة المعيش قولاً وعملاً. هكذا يقول عبد الصبور على لسان الحلاج وهو يرى إلى إرساء الصلاح جهد طاقته في تقويم الحاكم وإحقاق صحيح الدين في رعيته:
ماذا نقموا مني :
أترى نقموا مني أني أتحدثُ في خُلصائي
وأقول لهم أن الوالي قلب الأمة؟
هل تصلح إلا بصلاحه؟
فإذا وُليتم لا تنسوا أن تضعوا خمر السلطة في أكواب العدل.
أما الوالي الظالم
فسِتارٌ يحجب نور الله عن الناس
كي يُفرخ تحت عباءته الشر.
ولا يلبث عبد الصبور أن يصدُرَ عن ثقافة مسرحية بالغة في رؤيته إلى جدلية الشعر والمسرح، وعَدهِ انفصال أحدهما عن الآخر تغرباً وليس تحرراً، غير بعيد من التأصيل الذي غلب على علاقته بالتاريخ، مستثمراً في سبيل ذلك السيرةَ الذاتيةَ للحلاج بوصفه «المجاهد الروحي العظيم» ورجُلَ الدين الذي تكمن أهميته بترجمة مبادئه الصوفية إلى نشاطٍ يومي على الأرض، ضد الظلم وديكتاتورية السلطة، التي دفع ثمنها مآلاتٍ مأساوية فجة انتهت إلى سجنه لتسع سنوات ثم صلبه في بغداد عام 309 للهجرة (922 م) بعدما حقق دوره الاجتماعي في انكشاف تحالف السلطة مع الدين في وجه الكلمة والموقف:
لا يُفسِدُ أمر العامة إلا السلطان الفاسد
يستعبدهم ويجوعهم….
ما الفقر؟
الفقر هو القهر
الفقر هو استخدام الفقر لإذلال الروح.
خلقَ اللهُ الدنيا إحكاماً ونظاما
فلماذا اضطربت، واختل الإِحكام؟
خلق الإنسانَ على صورته في أحسن تقويم
فلماذا رُد إلى درك الأنعام؟
جمعَت «مأساة الحلاج» بين الخطاب السياسي، الذي يأنس إلى التاريخ متجهاً بمعانيه إلى التغيير واستنهاض الشعب لمواجهة كل مظاهر السلب والتأخر في الدين والسياسة والاجتماع والاقتصاد والفكر والثقافة، والقيمة الأدبية التي سدت ثغرةً فنية في بناء المسرح العربي الشعري بملْمحٍ حداثي يبتعد عن القارئ الكلاسيكي الذائقة، ويتعالق فيه المسرح والشعر في الاتجاهين في عملية تركيبية بين فن أصيل هو الشعر وفن دخيل هو المسرح، مستدركين أن كلمة دخيل هنا تأتي من زاوية معنى الوافد الجديد قياساً على تاريخنا الأدبي الطويل، أو الزائر المُرحب به الذي صَلُحَ بالدليل القاطع لربط الجمهور برؤية الشاعر وموقفه من خلال العمل الدرامي. في هذا الاتجاه لم يستغل عبد الصبور جماليات المنجز الشعري المشهور للحلاج، كي لا تتهافت مسرحيته لصالح التكرار والنسخ، بل ارتوى بروحية الأخير المباشرة حزناً ومعاناة، وباعتبارها حداثة فاعلة بقسماتٍ وجودية قلقة وحَدْسٍ تنويري اجتماعي، ابتعد فيهما عن الثيمات المُقلدة، فجاءت رؤيته أنضج في الدلالة وأخلَصَ في الغاية، ما دفع عبد الصبور إلى التعلق بالشعر الحديث في الإيقاع والشكل، لا المُقفى الخليلي، حين لم يجد أن النثر كان كافياً للتعبيرعن تلك الرؤية، وعندما عثر لنفسه على مهمات إضافية تضيق القصيدة العمودية عن تحقيقها كما ضاق عنها النثر، موظفاً التكامل القِيَمي لفني المسرح والشعر لصالح المواجهة المتوثبة والجدل الفكري الكبير الذي استغرق النص بحوارات بليغة ذاتية وأخرى خارجية تقابلية، بدا بعضها نشيداً جميلاً في حرية الإنسان وكرامته ومعتقده وهي تتموج مع انحناءات النفس وانكساراتها بين السكينة حيناً والثورة أحياناً.

كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية