الجزائر ـ «القدس العربي»: رحل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة عن الحكم أخيرا، بعد 20 عاما. عقدين من الزمن كانا من أصعب المراحل التي عاشتها البلاد، رغم أن كل الظروف كانت متوفرة من أجل تحقيق وثبة حقيقية، والأسوأ هو أن بوتفليقة استقال وترك البلاد غارقة في مأزق سياسي ودستوري، مع أنه كان في إمكانه أن يغير بعض الأمور، ويجهز أرضية يمكن البناء عليها من أجل الدخول في مرحلة انتقالية بطريقة سلسة.
لما وصل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم سنة 1999 جاء لينتقم من كل شيء، من التاريخ ومن الجغرافيا، من الجيش ومن الشعب، ومن القدر الذي خانه سنة 1979 لما توفي الرئيس الأسبق هواري بومدين و»حرم» من أن يكون الخليفة، وكان في الإمكان أن يكون رئيسا في 1994 لما عرض عليه الجيش أن يتولى رئاسة الدولة، لكنه وضع شروطا لم يتم التوافق حولها، مثل أن يعينه الجيش، في حين أن القيادة العسكرية قالت إن تعيين بوتفليقة كرئيس يجب أن يتم عن طريق ندوة الوفاق الوطني، التي كانت تضم أحزابا وجمعيات ومنظمات، لكن «غرور» بوتفليقة جعله يرفض إلا أن يعين من طرف الجيش، لأنه يرفض أن يعين من طرف أحزاب وجمعيات لم يؤمن يوما بفائدتها أو جدواها، وفعلا تعقد الوضع ورفض الجيش شرط بوتفليقة، وغادر الأخير الجزائر بسرعة مؤكدا لمحدثيه من قيادة المؤسسة العسكرية الذين جاؤوا إليه في الليل، أنه لن يستطيع قبول عرضهم، لأن عليه الاهتمام بصحته، وطار في اليوم التالي إلى سويسرا، ووجدت القيادة العسكرية نفسها في مأزق، ولجأت إلى الجنرال اليامين زروال، الذي قبل مكرها تولي رئاسة البلاد في وقت كانت الجزائر تعيش فيه حالة انهيار على كل المستويات.
وسارت الأمور بصعوبة، ولكن الجزائر تحت قيادة زروال، ورغم الأخطاء والانحرافات والظروف الصعبة التي كانت تمر بها استطاعت أن تقف على قدميها شيئا فشيئا، ولكن الخلاف وقع بين الرئيس اليامين زروال ومستشاره محمد بتشين من جهة وبين بعض الجنرالات النافذين، وانتهت القبضة الحديدية بقرار استقالة الرئيس زروال الذي فضل الانسحاب على أن يتخلى عن مستشاره وعلى أن يذعن لجنرالات الجيش، ووجد هؤلاء أنفسهم في أزمة فاضطروا إلى البحث عن خليفة، وجاء من يخبرهم أن بوتفليقة يمكن أن يكون البديل، وأنه آن الأوان ليتولى رئاسة البلاد، ويعيد إليها مجدها وبريقها، والأهم من ذلك يكسر الحصار غير المعلن المضروب عليها خارجيا، وينقذ جنرالات المؤسسة العسكرية من شبح محكمة الجنايات الدولية الذي كان يهددهم.
وصل بوتفليقة إلى الرئاسة وحصل على نسبة الفوز التي ترضي غروره وكبرياءه، وهذا رغم انسحاب المترشحين الآخرين في آخر لحظة، وشرع في حكمه وهو يريد أن يترك بصمته، وأن يفرض طريقته في تسيير البلاد، مع محاولة تقليد هواري بومدين والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وزعماء آخرين التقى بهم في مساره، وعمل بمجرد توليه الرئاسة على تجميع كل الصلاحيات في يده، فهو كان يحلم بسلطة فرانكو وليس بسلطة الملكة إليزابيث.
جنون العظمة
طوال سنوات حكمه تصرف بوتفليقة وكأنه لن يغادر السلطة أبدا، فهو جاء ليبقى في الحكم حتى مماته، وكان يحلم بجنازة رئاسية أكبر من تلك التي نظمت للرئيس الراحل هواري بومدين، وبالإضافة إلى تجميع الصلاحيات في يده أقدم على تكسير كل شيء، بما في ذلك المؤسسة العسكرية، التي وصف جنرالاتها بالقطط التي تستحق أن يخشاها، كما أنه عمل على تحطيم العمل الحزبي، واحتقار الصحافة، وتقزيم البرلمان، وتسفيه الحكومة والوزراء.
ويبقى الخطأ الاستراتيجي والتاريخي لبوتفليقة هو عدم انسحابه من السلطة سنة 2009 وتفضيله اغتصاب الدستور من أجل إزالة المادة التي تمنع ترشحه لولاية ثالثة، ليفتح بذلك أمام نفسه باب الرئاسة مدى الحياة، وباب الخروج من النافذة، لأن ذلك كان الخطأ الاستراتيجي والذي جعله ينتهي مطرودا من الحكم بانتفاضة شعبية لم تعرفها الجزائر من قبل، وبعد أن نزعت صورها وداس عليها المواطنون بالأقدام، وبعد أن اضطرت القيادة العسكرية إلى توجيه إنذار إليه وإلى جماعته ومطالبتهم بالرحيل عن السلطة فورا، بعد أن تبين أنهم يريدون الاستمرار خارج الإطار الدستوري، والإشراف على تسيير المرحلة الانتقالية، وبالتالي يقومون هم بتعيين من يخلفهم في السلطة، ويضمن استمرارهم واستمرار مصالحهم.
بوتفليقة ترشح إلى ولاية ثالثة سنة 2009 رغم أن حصيلة حكمه لم تكن تسمح له بالبقاء في السلطة لفترة رئاسية جديدة، وشاءت الأقدار أن يصاب بجلطة دماغية في 2013 الأمر الذي جعله يغيب لأكثر من 80 يوما، واعتقد الكثير من المتفائلين أنها النهاية بالنسبة لبوتفليقة، خاصة أن وضعه الصحي كان حرجا، غير أن الجميع فوجئ به يعود من رحلة علاج طويلة، ليشرع في عملية تكسير جهاز الاستخبارات، لإضعاف الفريق محمد مدين المعروف باسم الجنرال توفيق القائد السابق للجهاز، وهذا بعد أن كان قد أبعد وتخلص من معظم قادة المؤسسة العسكرية الذين وجدهم في المنصب لما تولى الرئاسة سنة 1999.
الرحيل والمأزق
لم يرحل بوتفليقة عن الحكم إلا بعد مخاض عسير، مع أن كل المؤشرات كانت توحي أن حكمه سقط يوم 22 شباط/فبراير ورغم ذلك إلا أنه أصر على البقاء والمعاندة، وتجاهل صوت الشعب، بل والمناورة، من خلال الإعلان في وقت أول أنه سيترشح وسيبقى في السلطة لفترة محدودة، وأنه سينسحب بعدها وينظم انتخابات رئاسية مبكرة، وأنه لن يترشح فيها، ولما تواصل الضغط أعلن سحب ترشحه، لكن مع البقاء في السلطة لفترة إضافية غير محدودة في الزمن، مع الإعلان عن بدء محاولة للالتفاف على مطالب الشعب، ولما استمر الحراك والضغط الذي التحقت به المؤسسة العسكرية التي طالبت بتطبيق المادة 102 من الدستور، عندما رأت أن الحراك يأخذ أبعادا أكبر أسبوعا بعد آخر، وسقف المطالب يرتفع أكثر فأكثر، والأمور تسير نحو مزيد من التعفن، وحتى رغم كل هذا حاول الرئيس وجماعته الالتفاف حول المطالب الشعبية، وحول ضغط الجيش، وصدر بيان يقول إن الرئيس سيستقيل قبل 28 نيسان/أبريل أي قبل نهاية ولايته الرئاسية الرابعة، غير أن الأمور تسارعت بشكل كبير، وتحولت البلاد إلى مسرح للشائعات وللمناورات، ونقلت وسائل إعلام جزائرية ومواقع التواصل الاجتماعي أن هناك محاولات لإقالة الفريق أحمد قايد صالح قائد أركان الجيش، وحبس الجزائريون أنفاسهم لأن الصدام كان على وشك الوقوع، وسارعت قيادة المؤسسة العسكرية لعقد اجتماع طارئ وتوجيه ما بدا أنه إنذار لجماعة الرئاسة، التي لم يتحرج قائد أركان الجيش من وصفهم بالعصابة، التي نهبت مقدرات الشعب والتي حاولت تهريبها إلى الخارج، وبعدها بأقل من ساعتين أعلن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة استقالته وانسحابه، وهذا في وقت كان الجميع ينتظر فيه أن يتخذ قرارات من شأنها حلحلة الأمور، لكنه فضل الرحيل وترك المؤسسة العسكرية في مواجهة الحراك الشعبي، الذي ارتفع سقف مطالبه، ولم تعد تنازلات السلطة تشفي كل رغباته ولا تلبي جميع طموحاته في التغيير وبناء الجمهورية الثانية.
اعتذار ولكن!
اختار بوتفليقة أن يخاطب الجزائريين برسالة أخيرة في أول يوم غادر فيه السلطة، ليطلب الصفح والاعتذار ممن قال إنه قصر في حقهم أو أخطأ، دون أن ينسى التذكير بما اعتبره إنجازات تمت خلال فترة حكمه، غير أن الرسالة جاءت في وقت كان فيه بالإمكان القيام بخطوة أخيرة لتصحيح الوضع ولو نسبيا، لكنه لم يفعل.
صحيح أن بوتفليقة رحل بعد عشرين سنة من حكم انتشر فيه الفساد على كل المستويات، المالي والأخلاقي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، عقدان من الزمن حطمت فيهما الكثير من القيم، ولكن بوتفليقة انسحب من السلطة وترك قنبلة موقوتة، لأنه وخلافا لما توقع الكثيرون لم يقم بإجراءات كان من شأنها تهدئة الشارع الجزائري، وتوفير الظروف المناسبة لتحقيق الانتقال بطريقة سلسة. ففي حين كان المتوقع أن يغير رئيس مجلس الشورى، لانتخاب رئيس جديد يرضى عنه الجزائريون لأنه هو من سيتولى رئاسة الدولة، كما أنه كان من المتوقع أن يقيل حكومة نور الدين بدوي، التي قوبل تعيينها برفض كبير، ويعين حكومة جديدة، غير أنه لم يفعل، وترك الأمور ملغمة، ولم يسع إلى حلحلتها.
واستمر الحراك الشعبي للجمعة السابعة على التوالي، ورغم أن الكثيرين عولوا على انقلاب المظاهرات ضد الجيش على اعتبار أن الرئيس رحل، إلا أن ذلك لم يحدث، لكن في المقابل تحولت المطالب إلى ضرورة رحيل الباءات الثلاث أو الأربع، وهم عبد القادر بن صالح رئيس مجلس الشورى، ونور الدين بدوي رئيس الوزراء، والطيب بلعيز رئيس المجلس الدستوري، ومعاذ بوشارب رئيس مجلس الشعب، وهو ما يوحي أن الحراك مستمر، وأن المخرج من الأزمة ما زال بعيدا، وأن بوتفليقة لما رحل ترك وضعا ملغوما، ليس سياسيا فقط، بل حتى على المستوى الاقتصادي، وهو الأمر الذي سيكتشفه الجزائريون قريبا.