مايا زبيب: تذكير بالباحثات عن الحرية

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: «أميال غالية» عرض مسرحي شهده مسرح «زقاق» بين 23 و28 آذار/مارس الماضي، يمكن تصنيفه من بين العروض التي تركت بصمة في فضاء مدينة بيروت لهذ الموسم. عرض تميز نصاً بالمتشعب والممسوك بنقطة ارتكاز متينة، رغم طوله. ويحسب لهذا العرض كذلك ليونة ممثلاته، إضافة للممثل الوحيد. ليونة في تلبية أدوار شتى لكل منهم، ومن بينها تمثيل يتيح للمرأة لعب دور الرجل والعكس، وباحساس عال. استعانت «أميال غالية» بأساليب كتابة تراوحت بين المعاصر والبحث في التراث الشعبي، ليس في لبنان وحسب بل في أكثر من بلد عربي. وكان للواقع السياسي حضوره دون الخوض المباشر في هزائمه. وعلى المنوال نفسه نسج المخرج خيوط المسرحية ووضعها على الخشبة. وشكلت الموسيقى الحية فيها شخصية قائمة بذاتها.
«أميال غالية» جديد «فرقة زقاق» لهذا العام كتبتها مايا زبيب وأخرجها عمر أبي عازار، وفيها الممثلون رائدة طه، وجنيد سري الدين، ولميا أبي عازار، وريم مروة والكاتبة. يشكل العرض بنصه وإخراجه والسينوغرافيا التي أحاطت به تكثيفاً تراجيدياً لواقع الإنسان العربي بدءاً من نكبة فلسطين وصولاً للراهن. تشكل الصبية «غالية» لبّ العرض، بريئة، وطيبة، لكنها حُمِّلت تاريخاً من هزائم سياسية لم تتوقف وتاريخاً من انكسارات النساء وأحلامهن المغتصبة.
ليس في العرض موقف سياسي رغم كون السياسة تُحرّك غالية بدءاً من النكبة، وصولاً إلى العراق، مصر وليبيا وركوب البحر طلباً للنجدة الأوروبية. فهل ستحب غالية نفسها هناك؟ وهل ستحقق حلمها بالرقص والموسيقى؟
مع مايا زبيب هذا الحوار:
■ «أميال غالية» عرض راوح بين التراجيديا والملحمة. أليس من بصيص أمل؟
■ الأمل موجود في الشباب القادرين على تغيير مصيرهم. من وجهة نظري العرض المسرحي ليس سلبياً. يُظهر مآسينا، وفي الوقت عينه يظهر العزيمة. وكيف للفرد الحصول على مراده حين يصمم. كما ويظهر العرض مدى التعاون والدعم المتبادل بين الناس رغم الأوضاع الصعبة على كافة الأصعدة. إذا بصيص الأمل موجود.
■ بدأت الرحلة من لبنان وحدود فلسطين وصولا إلى ليبيا. رغم كافة محطات العنف تحتفظ غالية ببراءتها أو سذاجتها. أي النساء تمثل؟
■ غالية فتاة مراهقة في الوطن العربي، وتعيش مصاعب أكبر بكثير من الشاب. إذاً تحدياتها أكبر، وقيودها أقسى وعليها التخلص منها وصولاً إلى مبتغاها. هدف الذهاب إلى أوروبا رمزي، فيما المضمون هو التحرر والإصرار على تحقيق الحلم.
■ هل المرأة هي الأرض في «أميال غالية» كما هو سائد شعراً وأدباً تماهياً بالحمل والولادة؟
■ يركز العرض على قوة المرأة المتأتية من المكان. غالية في ترحال، ومن مكان لآخر تلتقي بنساء يسكنّ الأمكنة ويعيشوها. نساء سيجن حولهن ممالكهن الخاصة والمختلفة. بالتأكيد في مكان ما من العرض الإتصال موجود مع الأرض، وكل ما هو موصول بالنساء والمعرفة النسائية في اللاوعي الجمعي.
■ الولادة في البحر والمولودة انثى. هو تجديد لرحلة الشقاء في رأيك؟
■ بل العكس. الحمل في حد ذاته يحمل احتمالات منها التجدد والحياة. هي ولادة لا حدود لها، وليس فيها كره الآخر ولا ضغينة. هناك ولادة منفصلة وجديدة، وإليها ينضم كامل أيتام العالم. ففي العرض يرد «أيتام العالم يمشون صوب الماء.. يحكون كل اللغات..».
■ هل وظفت أبيات الحلاّج واستحضار التراث الشعبي لتكثيف المأساة؟
■ لأن فكرة الحب تتواجد بكثافة في النص كان اللجوء إلى الحلاّج. في «أميال غالية» حب مطلق. تجذبني شخصية الحلاج الذي بقي مدافعاً عن أفكاره حتى آخر لحظة قبل أن يُقتل. هو الإيمان بمتابعة الفكرة حتى تحقيقها. واستعنت بـ»زرقاء اليمامة» لأمل دُنقل والتي تتناول فلسطين المغتصبة، لكن للأسف تلك القصيدة العظيمة تُجسّد حالياً الوطن العربي برمته. في تلك القصيدة نرى القدس وبغداد والشام. حضرت «زرقاء اليمامة» لأن المأساة تعيد نفسها وتتناسل للأسف في الوطن العربي. إلى ذلك كانت رديات وعديات وزغاريد العرض بكاملها من تأليفي، وفيها اعتمدت أسلوب التراث الشعبي.
■ هي سردية أو حكائية لحياة غالية ونساء الشرق والأمة منذ النكبة. هل الحروب الممتدة والمتواصلة أسست خلفية مسرحيتك؟
■ من الحروب أهتم بالناس وحراكهم، وبشكل خاص النساء اللواتي كنّ في مقدمة الثورات والإنقلابات التي شهدها وطننا العربي. صارت النساء ضحايا، قمعن، حُدت حركتهن، أو تمّ الاعتداء عليهن. في حين كانت النساء في بحث عن الحرية. «أميال غالية» بحدود ما شكلت تذكيراً بهؤلاء النساء الباحثات عن الحرية كما غيرهن من أفراد الشعب.
■ «أميال غالية» تعتمد عدة أساليب اخراجية. كيف عمل عمر أبي عازار لتداخلها واستقلاليتها معاً؟
■ يتضمن النص تقسيماً اخراجياً، فيما اعتمد عمر أبي عازار رؤية اخراجية مختلفة عن ما كنت سأنفذه لو كنت مخرجة العرض. اعتمد عمر التشكيلات المسرحية المرتبطة بالدوائر والخطوط. فالنص يتضمن أحياناً شعوذات وسحراً ونظرة للغيب، وما له صلة بالمرأة والمعرفة النسوية. ولأجل هذا جاءت الأشكال الهندسية شبيه بطلاسم الحلاج كمثلث يضم دائرة، وفي الدائرة خط. هو رسم وتشكيل للمساحة المسرحية. أما صعوبة الإخراج لهذا النص فتكمن في وجود الكثير من البلدان والمناطق. وكذلك وجود الكثير من الشخصيات مقابل وجود قلة من الممثلين يلعبونها جميعها. تمثلت الأهمية الإخراجية في خلق الأمكنة من مشهد لآخر، حيث ينتقل الكورس من تمثيل شخصية إلى سرد الحكاية. مكنتنا الحركة من خلق كل هذا. وكذلك العلاقة مع الأدوات المسرحية بما هي أكسسوارات، بحيث يصبح أحدنا شخصية مختلفة مباشرة على المسرح. اعتاد المشاهد هذا المبدأ في هذا العرض.
■ وصولاً للحلم الأوروبي جالت غالية في جغرافيا واضحة من الدامور إلى صبرا وشاتيلا. في رأيك هل تكسر التراجيديا التاريخ ويصبح معدياً؟
■ في ما تشهده منطقنا يمكن القول نعم التراجيديا صارت معدية. نعيش في منطقة تتراقص وتهتز تحت وقع الأزمات والتغيرات. وهناك تساؤل عن الحلم الأوروبي الذي يراود كل الشباب. والسؤال أيضاً لماذا تتمكن فتاة فرنسية أو بريطانية من المجيء إلى سوريا حين تشاء، وليس لفتاة لبنانية أن تسافر إلى ايطاليا على سبيل المثال؟
■ هل المصير العربي مُعلق بفم البصارة البرّاجة؟
■ تضحك مايا زبيب ملياً للسؤال وتقول: لست أدري، إنما في مكان ما يجب البدء في الاستماع لهؤلاء كي نفهم ما نقوم به. وكي نستمع للغريزة الإنسانية، ونعود لما هو حقيقي. وضعت البصارات بهذا الهدف، رغم كون البصارة حرامية وهمها فقط الـ10 آلاف ليرة.
■ كيف وظفت الموسيقى الحية في سياق العرض؟ وماذا أضافت إليه؟
■ منذ البدء شعرت بضرورة وجود الموسيقى كونها تلد الفواصل بين مشهد وآخر. كما وجدت لخلق الإحساس الخاص بكل مشهد. وهذا هو العمل الجميل الذي نفذته المؤلفة الموسيقية ليال شاكر. موسيقاها دعمت المشهد المسرحي دون أن تطغى عليه، رغم استعمالها آلة حاضرة وموجودة وصوتها قوي جداً، ويشبه الصوت البشري وهي الكمان. ترافقت ليال شاكر مع سيمونا عبدالله على الإيقاع وهكذا خلقتا معاً سجادة صوتية حملت العرض، بالتعاون مع المخرج بطبيعة الحال.
■ كل هذا لم يرفع المتفرج من رهبة التواجد بمواجهة ما يشبه السجن من حديد صدئ وحدود مظلمة؟
■ سينوغرافيا حسين بيضون أتت من فكرة النص العامة. لم نكن نرغب بسينوغرافيا تخلق الأمكنة الواضحة. وكما ذكرت في السؤال أظهرت السينوغرافيا العالم الذي نعيش فيه، وكم هو مسيج بحدود. هي الصورة التي تمّ اعتمادها اضافة إلى المراوح الموزعة خلف قضبان الحديد وكأن الفتاة تطير مع الهواء من مكان لآخر.
■ المدة الزمنية للعرض ساعتان. ألم يكن متاحاً تكثيف المأساة بحيث تتوافق مع التراجيديا بعد خروجها من حدود الملحمة؟
■ اختصرنا من العرض بعد أن بدأت الكتابة بنفس ملحمي، بحيث تمر غالية في تونس، وكذلك مشهداً طويلا في السعودية، وصولاً إلى البحرين. نعم كانت الجغرافيا أوسع لأن النفس الملحمي جذبني. لجأت للإختصار بحدود لم يمكن تجاوزها وإلاّ تتعرض الحكاية للبتر في منطقها التسلسلي. كان مستحيلاً اختصار المزيد.
■ ماذا تريد مايا زبيب من المسرح وفرقة زقاق تحديداً؟
■ يفتح المسرح مكاناً للتفكير وهذا ما نقوم به في زقاق. نأمل من خلال المسرح فتح مساحة تفكير مشتركة بين الناس. التفكير بمعيشتهم التي تُنسى أحياناً بحيث يُصبح الخطأ طبيعيا. بتنا نشعر المآسي التي تحيط بنا طبيعية، وما من أحد ترمش له عين على نساء تُبعن في السوق في منطقنتا وفي سنة 2019. علينا بناء طريقة تفكير مختلفة بحثاً عن عالم أفضل.
■ «أميال غالية» إلى أين بعد بيروت؟
■ الأسبوع المقبل إلى هامبورغ، ومن ثم في تاك تياتر في برلين. وقد نعرض في فرنسا هذا العام أو التالي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية