غزة ـ «القدس العربي»: لا تعير الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المزمع عقدها يوم التاسع من الشهر الجاري، والتي ستحدد شكل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، أي اهتمام يذكر، لعلمها أن جميع الأحزاب التي تصل إلى سدة الحكم في تل أبيب، تتخذ المواقف والسياسيات ذاتها من الملف الفلسطيني، وهو الأمر الذي تكشفه برامج الأحزاب، التي تؤكد على مواصلة الاستيطان وتوسيعه، واستمرار التضييق على الفلسطينيين، والعمل على إنهاء حلمهم في إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وقد كشف الواقع المرير الذي يعيشه سكان قطاع غزة منذ 12 عاما وأكثر، حيث فرض الحصار على القطاع من قبل إسرائيل التي تعاقبت عليها حكومات عدة شكلت من أحزاب الوسط واليمين وبمشاركة اليسار، أن أيا من هذه الأحزاب لم يختلف في تعاملاته مع أوضاع غزة ومع مليوني فلسطيني يقطنون هذا الشريط الساحلي الضيق ويعانون من آثار الحروب والفقر والبطالة.
وعلى مدار سنوات الحصار شنت ضد القطاع ثلاث حروب شرسة، الأولى عام 2008 وكانت في عهد حزب من الوسط وبمشاركة أحزاب اليسار وفي مقدمتها العمل، والثانية كانت عام 2012 التي قادها حزب الليكود اليميني برئاسة بنيامين نتنياهو، وكان وزير الجيش أيهود باراك، رئيس حزب العمل اليساري، ووزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، فيما قاد الحرب الأخيرة عام 2014 حزب الليكود الذي كان على رأس ائتلاف يميني.
وقد خلفت الحروب الثلاث التي قادتها أحزاب اليمين والوسط واليسار، ضحايا كثر، وخلفت آلاف المصابين، ودمارا كبيرا في القطاع، ما زاد من حجم المأساة التي خلفها الحصار المفروض منذ حزيران/يونيو عام 2007.
كذلك لم نر أن أيا من الأحزاب الإسرائيلية التي توالت على الحكم خلال تلك الفترة وما سبقتها، أن قامت بتخفيف إجراءات الحصار، بل تعمدت كل واحدة منها إلى فرض إجراءات عقابية جديدة ضد السكان، إلى جانب تعمدها إلحاق الخسائر البشرية التي وصلت لحد «جرائم حرب» حسب إفادات وتقارير قدمتها جهات حقوقية دولية.
وبما يدل على ذلك، فقد أصبحت حياة السكان المحاصرين بمن فيهم الأطفال والنساء وكبار السن، الذين سقط الكثير منهم خلال الهجمات الإسرائيلية، صعبة جدا بسبب سياسات الحكومات المتعاقبة التي رفعت من نسب الفقر والبطالة بشكل غير مسبوق.
فآخر الاحصائيات الرسمية أكدت أن نسبة الفقر في قطاع غزة بلغت 75 في المئة فيما هناك عدد كبير من الأسر تعيش في «فقر مدقع» و80 في المئة من سكان القطاع يعتمدون بسبب الفقر وتردي أوضاعهم المعيشية على مساعدات خارجية لتدبير أمور حياتهم.
ورفع الحصار البطالة في القطاع إلى أكثر من 51 في المئة بينهم نسبة كبيرة من حملة الشهادات الجامعية، في وقت بلغ معدل الدخل اليومي للفرد دولارين أو أقل، بسبب إغلاق غالبية الورش والمصانع أبوابها لعدم توفر المال اللازم لشراء منتجاتها، أو بسبب عدم توفر المواد الخام التي تمنع إسرائيل إدخالها بموجب الحصار.
وسياسيا، لا تختلف نظرة الأحزاب الإسرائيلية وبرامجها في التعامل مع الفلسطينيين، سواء اليمينة أو أحزاب الوسط واليسار، فكلها تدعم الاستيطان وزيادة مساحته، إلى جانب قبضتها الحديدية في التعامل مع الفلسطينيين، من خلال القمع وممارسة عمليات الإعدام الميداني، وزيادة الحواجز العسكرية التي تقطع أوصال المدن، وجميعها مع فكرة استمرار احتلال مدينة القدس والسيطرة على المقدسات والمسجد الأقصى، وهي تعمل على تدمير كل السبل الهادفة لتطبيق «حل الدولتين» بسبب تهربها من تنفيذ بنود «اتفاق أوسلو» للسلام الذي قدم للفلسطينيين الحد الأدنى من أحلامهم بالعيش في دولة مستقلة عاصمتها القدس على حدود عام 1967.
وكذلك عرفت هذه الأحزاب بتشددها في التعامل مع قطاع غزة، من كافة النواحي، وهو أمر عبر عنه قادتها من خلال تصريحات متكررة، أثناء عمليات التصعيد العسكري الأخيرة، إذ دعوا إلى شن حرب رابعة على غزة، وزيادة الضغط على حركة حماس بصفتها الجهة الحاكمة، واغتيال قادتها، وتنفيذ عملية برية واسعة النطاق، ومعارضة تقديم التسهيلات اللازمة لمساعدة السكان المحاصرين.
وفي إطار الرفض الفلسطيني للانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، المتوقع أن تأتي بأحزاب تشرع المزيد من القوانين العنصرية، مثل قانون القومية ومعاقبة الأسرى، وغيرها، انطلقت حملات تدعو السكان العرب القاطنين في المناطق المحتلة عام 1948 لمقاطعة الانتخابات.
وترى الحملات أن المشاركة في انتخابات الكنيست الإسرائيلي تضفي الشرعية على المؤسسة الإسرائيلية المسؤولة عن سن القوانين التي تمنع الفلسطينيين من العودة وتجردهم من أبسط حقوقهم الطبيعية.
وفي هذا السياق، كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، دعت الفلسطينيين القاطنين في الوطن المحتل عام 48 إلى الوحدة ومقاطعة انتخابات «برلمان العدو» كونها تعطي شرعية للاحتلال ولممارساته ومخططاته العدوانية ولقراراته العنصرية.
وأكدت الجبهة أن «من غير المعقول أن يشارك شعب يرزح تحت الاحتلال الاستيطاني العنصري في انتخابات مؤسسة تشريعية، تعتبر أداة من أدوات الكيان وتصوغ وترّسم وتشرع من خلالها عدوانه الشامل على شعبنا في كل مكان» مؤكدة أن المشاركة العربية في هذا البرلمان «يسوقها الاحتلال على أساس أنه تعبير عن دولة يهودية ديمقراطية».
ودعت سكان 48 إلى توحيد طاقاتهم وخياراتهم الوطنية في مجابهة ومناهضة سياسات الاحتلال وأدواته العنصرية والقمعية وفي مقدمتها «الكنيست» مؤكدة أن مقاطعة الانتخابات تمثل «رسالة وطنية مهمة إلى كل شعبنا وإلى الأمة وأحرار العالم في وقت تتصاعد فيه وتيرة التطبيع والاستسلام» وأنها تأتي في إطار التأكيد على الهوية الوطنية في مواجهة قرارات التهويد وقانون القومية العنصري الذي تم إقراره من قبل الكنيست. وقد ثمنت في هذا السياق مواقف حركة أبناء البلد وحركات أخرى وكل الشخصيات الوطنية وجموع المثقفين الملتزمين الذين يرفضون المشاركة في انتخابات الكنيست ويدعون لمقاطعتها.