ليس العمل على صناعة ثقافة جديدة أصيلة بالأمر العسير، إذا ما عرفنا كيف نبلور استراتيجيات بنّاءة تستثمر رأس المال الثقافي بكل أبعاده الفكرية والبيئية والأخلاقية، وتجعل الذات الفردية قادرة على امتلاك وعي رؤيوي، تتحكم فيه باستقلالية وفي الوقت نفسه تسمح لنفسها أن تخضع لنظم رمزية تحميها من فلتات السلوك منقذة إياها من الشطح والهلكة.
ولا غرو أنَّ بناء الذات هو أساس من أساسيات الصناعة الثقافية، الموصلة لواقع تتمركز فيه الأنظمة الرمزية باعتدال ليس فيه تقوقع ولا انفلات. وللأنظمة الرمزية نظريات تسير على وفقها كالنظريات النفسية ومنها نظرية المعرفة السلوكية والنظرية الشعبية التي تؤمن بفكرة الشعب المتحكم في السلطة السياسية. وهناك النظريات الثقافية ومنها نظرية التنوع التي تقوم على افتراض أن الناس كلهم مثقفون ملتزمون أخلاقيون لهم تعليمهم وموقفهم.
ولقد وجد تزفيتان تودوروف أن كلمة ثقافة ترادف كلمة حضارة، التي بها تتحقق صلة الوصل بين أعضاء الجماعة، على أساس أن الثقافة هي التهذيب الذي هو تعلم العيش مع الآخرين، وهو بمثابة خطوة أولى نحو الحضارة التي تقوم على الاعتراف بتعددية المجموعات والمجتمعات والثقافات التي تقف على قدم مساواة إنسانية واحدة.
ولا يميز تودوروف بين ثقافة متعالية وأخرى شعبية، بل هما عنده سواء لا تناقض بينهما كونهما ليستا مفصولتين بحائط، كما أن كل واحدة منهما هي الرسم المنجز أو الشكل المعقد أو الصيغة السامية للأخرى، واجدا أن تحقق العبر ثقافي من دون ثقافة تعددية سيكون أمام خيارين الأول دوغمائي والثاني عدمي. ويجترح جان ماري بيساز لصناعة الثقافة علما اسمه الثقافة المادية وهو علم آثار يأخذ بعين الاعتبار المظاهر المادية للحضارات وعليها يبنى تعريف الثقافات في حد ذاتها وتطورها.
ومن الطبيعي أن تفضي الثقافة إلى التعدد، على اختلاف مناحي هذا التعدد اللغوية والفكرية والهوياتية وغيرها، حيث كل فرد مثقف هو شخص متعدد الثقافات منفتح، تأثرا وتأثيرا. وهذا ما يجعل الثقافات تمر بلا جواز استئذان. ولأن داخلها منفتح على خارجها لذا يتولد التعدد الثقافي فيها كاندماج معيشي وانتماء نظامي وتحرر مجتمعي. فالثقافة خيار لا إجبار فيه. وهذا ما طبقته فرنسا حين أنشأت وزارة باسم الهجرة والاندماج والهوية الوطنية والتنمية المشتركة التي منها انتقلت فيما بعد إلى سائر دول أوروبا الأخرى.
وهذا ما يحقق حسب تودوروف المواطنة أو الكوزموبوليتية التي هي مجموعة من كيانات أصغر بينها فروق وتتمتع بحقوق متساوية. والتعددية هي أفضل وسيلة لحماية الاستقلال الذاتي علما أن هذه التعددية لا يتم الإعلان عنها بمرسوم رئاسي أو دستوري بل هي تُعاين بمباشرة على أرض الواقع، شرط تحقق الكليانية والديمقراطية. ويتحدد تعدد أشكال الحياة الثقافية بطبيعة هوياتنا ومدى فهمنا أنفسنا بوصفنا كائنات نوعية. وكان هربرت ماركوز قد أكد أن المجتمع الأحادي تلاشى وزال ومعه ستزول أشكال الرقابة ومنها النزعة الكلية الاستبدادية والنظام النوعي للإنتاج وطبيعة توزيعه توزيعا يتوافق مع تعدد الأحزاب السياسية.
وسيسمح زوال المجتمع الأحادي للأحادية الفردية أن تشمخ بوصفها اتحادية يتعدد داخلها الفرد الواحد ليغدو صورة لمجتمع كلاني. والذي تريده الصناعة الثقافية لفواعلها هو أن يكونوا مستقلين ومندمجين تعايشا مع الآخر. وإذا كانت نظرية المجتمع الأحادي قد سقطت؛ فإن العناصر المعارضة المتعالية التي كانت الثقافة الرفيعة تشكل بعدا آخر للواقع هي أيضا في سبيلها إلى الزوال كما يرى هربرت ماركوز. بيد أنه يحذر مما سماه (كارثة التحرر) التي تحصل حين لا يستطيع المجتمع أن يزعم أنه يحترم الفرد وأنه في الوقت نفسه مجتمع حر بينما هو عاجز عن حماية الفرد الخاص حتى داخل جدرانه الأربعة، وهذا المحذور هو الذي عاشه العراق بعد سقوط الدكتاتورية فكابد ويلاته وقاسى شروره .
وتنطلق مشروعية صناعة الثقافة من فرضية أن التضامن بين البشر أمر طبيعي ورمزي قبل أن يرتبط بغايات عقلانية وحسابات اقتصادية ما دام الناس ليسوا مجرد أجهزة وآلات وحواسيب. ولن تفضي هذه الصناعة داخل المجتمع الواحد إلا إلى الأمن الثقافي، محققة الوعي الاجتماعي باتجاه التنظيم والتسامح والاعتراف والتحرر والمساواة.
ولكي لا تكون هذه الصناعة فذلكة طوباوية لا بد من الإصرار والتصميم على نبذ كل أشكال الوصاية ومسالك التحجر، من قبيل نخبوية النماذج ورسوخية المقاسات وبراغماتية التطلعات والرؤى وطوباوية الاعتقاد والمبدأ، مما يسميه علي حرب (صنمية الإتباع) التي تجعل المتبوع مجسدا للوعي والضمير أو العقل والاستنارة أو المعنى بالنسبة إلى الناس والمجتمع أو إلى الأمة أو البشرية التي يمثلها. ويمضي هذا المفكر في مختلف كتبه الفكرية الى تأكيد أن لا سبيل إلى بناء مجتمع تعددي؛ إلا إذا تخلى المثقف عن أطيافه النخبوية وغادر فكرة أنه صاحب الدور النبوي التي ما تزال تستحوذ على تفكير المثقف الراهن، مما عفت عليها إمكانات التحرر والاستقلال والجدارة، عادا سمات التمركز والوصاية والتسيد هي سبب الفواجع الإنسانية.
وهذا ما يؤمن به أيضا المفكر عبد الرزاق عيد الذي نبذ مفاهيم النخبة والمعيار والنموذج، داعيا إلى التعدد منتميا بأفكاره التنويرية هذه إلى مرحلة ما بعد الحداثة، ولقد حذر في كتابه «ذهنية التحريم أم ثقافة الفتنة: حوارات في التعدد والتغاير والاختلاف» من التمركز، كما ذهب إلى أن تزايد نخبوية السلطة ومركزيتها المطلقة هو الذي يجعل اللغة تزداد مركزية ونخبوية حتى تغدو الثقافة من اختصاص السلطة وبطانتها الإيديولوجية، كما يغدو العمل من نصيب الشعب والعقل من نصيب السلطة أو الخليفة. ثم تساءل كيف يمكن الدفاع عن جبهة الثقافة؟
وأجاب أنَّ السبيل إلى ذلك يتحقق عبر العلمنة التي هي الانفتاح الذي به تُزال الحدود والفوارق وبما يمكّن الثقافة من تحديث نفسها وصياغة وعي وطني حديث قادر على القبول بالتعدد والتنوع والمغايرة. والعلمنة أيضا رسملة للعالم على مستوى العمق بعد أن كانت قد رسملته على مستوى سطح النمط ومظاهره، وهي التي تتيح النجاة من التخلف وتحقق التحصن الذاتي الذي يحمي من الوقوع في النكوص والرجعية أو ما سماه (ثقافة التحريم) التي يراها انتصرت عندما تمكن الأصوليون من جر العلمانيين إلى مناقشة نص أدبي مناقشة فقهية أي عندما جروهم إلى التعامل معه بوصفه وثيقة عقائدية.
والغريب أن بعض المثقفين العرب في الوقت الذي يبدون فيه متحررين حداثويين يدعون إلى نهضة واقعنا العربي والإسلامي، فإنهم أنفسهم قد لا يكترثون للإتباعية ويؤمنون بالنخبوية، ويمقتون مقولات ما بعد الحداثة.
وليس السبيل لرأب صدع الاختلافات والتغايرات في الآراء والمواقف بين المثقفين؛ إلا بصناعة ثقافية تقبل الآخر بالتساوي وبلا انتقاص أو دونية، فتتحاور وتتوافق غير قابلة بالنمذجة حين تكون تحجرا، ولا مؤيدة للبراغماتية حين تلغي طرفا على حساب طرف، كما تعارض الدغماطية حين تكون تحجرا ينحصر في نخب متقوقعة على الواحد وليس المجموع.
والصناعة الثقافية التي نريدها لمجتمعاتنا العربية هي صناعة تعددية هدفها عام يسير باتجاه بناء قواعد صحيحة للحياة تؤسس للسلام والاحترام، ومسلكها مسلك شمولي يفضي إلى التعدد ويهيئ الأجواء المجتمعية للتعايش والتشارك والتوافق.
* كاتبة عراقية