لا تنته عذوبة الانتفاضة الشعبية في الجزائر ولا تبرح الحلوق، تظل تحفر بإنزيماتها حتى التسوس، لكنها بفعل الحلاوة المخدرة، كل الأشياء تتقزم أمام إرادة الشعب في الحياة والسير وعدم الرجوع القهقرى، وكل الصور الخارجة عن المألوف تزيد من مشروعية الحراك وقوته وسلميته، على آخر، وليس آخرا، صورة العروس بالفستان الأبيض وبباقة ورد رومانسية وعريسها يتصدرن الطليعة.
ومع كل الجمعات التي تزداد حشودها لا بد من التريّث للقول إن الحراك في ظاهره شيء وباطنه أشياء أخرى، فلا استقالة الرئيس أتت أكلها، ولا كل سيناريوهات هروب وايقاف وسجن رموز الفساد، مؤكدة وعلنية وشفافة، كل الأحداث خاضعة للقيل والقال، ودائما يقف الأكثر رصانة وتحليلا على أوهام الحراك.
ثم من هي العصابة؟ ألا توجد مؤسسة رسمية ذات سيادة وقرار أن تعطي للعصابة وأفرادها هوية، وأن يحاكموا بكل شفافية، حسب مبدأ الحراك، الذي لا يراد له أن يكون انتقاميا بل مخلصا المجتمع من الفساد الذي نخر عظمه؟
ما زال الحراك يدور في فراغ الاشاعات المغرضة. تفتح الملفات الساخنة الحميمية والسياسية والاقتصادية وتطفو على سطح الاعلام ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي. لكنها تتحول بسرعة لفقاعات هواء تختفي مع أول زفير. ما زال الحراك عاطفيا انفعاليا، كل جمعة تتنوع الشعارات التي تشفي الغليل، لكن غب المقابل يستمر أصحاب المصالح الفردية في تحقيق مآربهم في هدوء وبمسميات حب الجزائر.
الشعب يسير على الأرض وأصحاب المعالي ومن والاهم، وما أكثرهم، يسقلون الطائرات ويبرمون الصفقات. في جزائر موازية لا تعرف جزائر الانتفاضة والمسيرات العملاقة. حال الجامعات ومؤسساتها مندمجة مع ما يحدث لأنها جزء من الوطن، وبعض المؤسسات كأنها ليست معنية بالأحداث. العادة شيزوفرينيا تتأسس على المصالح بين جزائر الريع وجزائر الشارع والانتفاضة المستمرة. أولاد الشعب ينتفضون وأملهم كبير في الحراك، الذي ينصفهم ويغير البلد للأفضل، بينما سدنة الفساد وكهنته ما زالوا ينعمون ويغبطون ويتمرغون في العسل، ويبددون موارد الشعب دون رقيب.
هل من مهام الحراك تتبع عورات النساء، وإن كن وزيرات، ما الذي يحصده المجتمع من مراقبة طول وقصر تنورة وزيرة الثقافة. ألا يمكن محاكمة الفاسدين ليس من جوانبهم الذاتية، بل كمسؤولين ومناصب، أم دائما تصبح المرأة موضوعا دسما لجمال الحراك وفساد الأنظمة؟
بكاء ووجع على شهيدات الفراولة:
كادحات مولاي بوسلهام
منذ أيام لقيت أربع عشرة امرأة حتفها في حادثة اصطدام شاحنة نقل الرمال، وحافلة تنقلهن من وإلى مزارع الفراولة. تهور السائق، وربما ممارسته لنقل وقرصنة الرمال، طبيعة الطريق وانعدام العلامات فيها، زاد من حجم الكارثة، كما اشتكى مواطنو المنطقة من الخطر المحدق بهم وبعوائلهم في غياب تام للسلطة. وفي النهاية بهتت خدود الفراولة وانطفأت فرحة النساء وهن يقبضن الأجر الزاهد لإعالة أسرهن. المأساة تعبر وتدق ناقوس الخطر لعمالة هشة وبمعايير أكثر هشاشة، لقيت النساء حتفهن وهن غير مؤمنات اجتماعيا. جشع أرباب المزارع ومن يؤجرون الحقول يلهثون وراء طاقة رزق دون خسارة، وسوق عمل شحيحة تدفع النساء دون مؤهلات أن يرضين بالقليل ودون مطالبات تأمن حياتهن ومستقبلهن. غادرت الضحايا دنيا الفراولة ودنيا العمل ودنيا الوله مع الأبناء والأهل بعد قبض كل معاش. مزجت دماؤهن بحمرة الفراولة. خسرت عشرات الأسر معيلاتهن، وتجوع، ويهرب رب الجناين الدموي لا يخسر أبدا في غياب المراقبة. وتغرق الأسر في الأسى والألم والحاجة. ويعبر موكب الوزير، الذي يخشى أن يتلطخ بدموع أهالي الضحايا الممزوجة بالأتربة والدخان. وتبقى الجنازة مهيبة وسبحان من له الدوام.
القنوات العامة والخاصة:
من السيء للأسوأ
موالاة القنوات العمومية للنظام وعدم مواكبتها الحراك إلا مؤخرا ومن زاوية مرتبكة ومحافظة جعلت المتابعين يشنون حملات ضد صحافيي هذه القنوات ومذيعيها. ومع الوقت تزايدت الوقفات الاحتجاجية لعمال التلفزيون العمومي وصحافييه، تزداد نشرة الثامنة ارتباكا وغموضا والمتمثلة في صحافيين منها من يلازمون نشرة الثامنة. بوادر الحزن وعلاماته بادية عليهم واستقالة الرئيس بوتفليقة زادت من غضب الشارع ونعت الصحافيين بكل النعوت. قراءة بحسرة لرسالة الاستقالة ودموع الصحافية وتغير نبرات صوتها والتداول في قراءتها مع زميلها يزيد من تأجج وحنق المشاهد. وبين الأمر أن احتجاجات الصحافيين من أجل مسايرة مهنية للحراك كأنها ملح وذاب في الدموع والبكاء على الزمن الجميل. زمن انجازات الرئيس، التي أذاعتها كل القنوات العمومية الخمس.
وحال القنوات الأخرى، ليس على ما يرام، قناة “النهار” هي من أخذت حصة الأسد من الانتقادات والنعت بكل الأوصاف المشينة وأنها مثيرة للفتن وللقلاقل وأنها تصب جام انتقاداتها والتشهير بمن يشكلون محيط الفساد، بينما تترك الرؤوس الكبيرة.
وكذلك تثير في كل مرة برامجها الكثير من الجدل والاستياء لدرجة تشبيهها بقنوات الصرف الصحي، وفي كل مرة ينادى بغلقها منذ حادثة بوجدرة إلى تسترها وفي عز الحراك على العصابة.
كذلك قناة “الشروق” هي الأخرى تضاف لقناة “النهار”. ومما زاد من حدة التذمر منها ما حدث لمديرها بعد انتقاده لشقيق الرئيس، حيث تم اختطافه أو سيناريو اختطاف، حسب التأويلات. وكل القنوات الخاصة ليست بعيدة عن الشبهات لا سيما في هذه الأحداث الأخيرة، ولعلي حداد نصيب الأسد من هذه القنوات الخاصة، “دزاير نيوز” و”دزاير تي في”، و”نوميديا” ملك محيي الدين طحكوت، المقرب من الوزير الأول أحمد أويحيى. وكذلك بالنسبة لـ”الجزائرية وان” ومالكها أيوب ولد زميرلي. كل هذه القنوات هي لأثرياء من مال الشعب، الذي سلم لهم على أطباق من ذهب. وكلها ترد الجميل بكل الحيل والطرق، وتنشر ما تراه يخدم مصلحتها ومصالح أولياء نعمتها.
صحافيون شباب طموحون، بمظهر أنيق وأجمل واستديوهات فخمة، خارج رتابة اللون داخل فضاءات القنوات العمومية. لكن هذا لا يجعلهم بمنأى عن الانتقادات، ومن يتابع البرامج والتحليلات الكثيرة عن الحراك، يتضح له الأشكال التي تأخذها المحاورة، إذ لا يترك المجال للضيف أن يتنفس وفي كل لحظة يأخذ الصحافي المجال واسعا ليتكلم، محتكرا الكلمة. فما جدوى الضيوف بالبلاتو؟ والبعض منهم يدرك جاذبيته في المرآة، فيلعب بثقة على الجانب الجمالي، مما يسهل له التطاول على الضيف ويجادل بطريقة أقرب للوقاحة منها إلى الحرية والتبادل والتفاعل؟ فمن أين يمكن أن يتزود المشاهد بالأخبار ذات المصداقية، يا ترى؟
كاتبة من الجزائر