غزة: الفقر وغياب القانون يرفعان معدل زواج القاصرات

إسماعيل عبد الهادي
حجم الخط
0

تستمر ظاهرة زواج القاصرات في قطاع غزة وتشهد تزايداً ملحوظاً في المناطق النائية والريفية، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يشهدها القطاع، حتى باتت تقلق العائلات الغزية وتهدد عادات وتقاليد المجتمع، وسط مخاوف من انعكاس هذا الزواج على ارتفاع معدلات الطلاق في الأراضي الفلسطينية.

ووفق إحصائية صادرة عن مركز شؤون المرأة في غزة، فإن أن 37 في المئة من المتزوجات في فلسطين، متزوجات دون سن 18 عاماً و5 في المئة دون 15 عاماً، في حين أن 63 في المئة من المتزوجات الصغيرات قد تعرضن للعنف من أزواجهن، كما أن 95 في المئة من المتزوجات مبكراً لا يشجعن التزويج المبكر لبناتهن.

أستاذ علم الاجتماع عبد الفتاح المصري يقول لـ”القدس العربي” إن الزواج المبكر هو ظاهرة خطيرة باتت تنتشر داخل المجتمع الفلسطيني، وهو يعتبر الفقر والبطالة من أهم الأسباب التي تدفع بالآباء لتزويج بناتهم القاصرات للتخلص من نفقاتهن وخوفاً من عنوستهن دون إدراك خطورة ذلك الفعل على بناتهم، ومدى قدرتهن على تحمل المسؤوليات العائلية.

ويشير إلى أن زواج القاصرات ينتهك حقوقهن النفسية والاجتماعية والجسمانية، فالفتاة لا يزال جسمها في طور النمو ولا تمتلك قدرة على الإنجاب والمعاشرة الزوجية، وتزاد الفرصة لتعرضها للاستغلال والعنف داخل الأسرة، وعدم إعطائها الفرصة لاستكمال تعليمها المدرسي لفصل القاصر عن زميلاتها، كما يتضاعف خطر إنجابها أطفالاً يعانون من إعاقات متنوعة، وتعرضها لأمراض أخرى كفقر الدم والحرمان العاطفي من الشعور بحنان الوالدين.

ويضيف أن من أهم الآثار الناتجة عن الزواج المبكر، الطلاق، والذي باتت معدلاته في زيادة مستمرة داخل المجتمع الفلسطيني، وهي تبعات تترك أثرها على الفتاة وأطفالها والمجتمع ككل، كما تكون الفتاة القاصر عرضة للتأثيرات النفسية والاجتماعية من قبل زوجها وعائلته لدفعها على الحمل بسرعة، وتعرض الكثير منهن للعنف الجسدي واللفظي من قبل أزواجهن، الأمر الذي يدفع الكثير منهن للتفكير بالانتحار للتخلص من هذا الزواج.

ويؤكد أن العادات والتقاليد وخاصة في المناطق الريفية في قطاع غزة تلعب دوراً بارزاً في تزويج الفتيات مبكراً، وفي حال بلغت الفتاة 15 عاماً يتم النظر إليها من قبل والديها على أنها عانس ويتوجب تزويجها، وبذلك يتم حرمانها من حقها في التعليم والتطور والمشاركة في الحياة المجتمعية، ومنعها من السماح باكتشاف ذاتها وتنمية إمكانياتها المعرفية، إضافة لشعور الفتاة القاصر بعدم استقرارها في الحياة الزوجية وتعرضها للإصابة بالتوتر والقلق والاكتئاب بسبب الزواج المبكر.

وللتخلص من هذه الظاهرة وتقليصها دعا المصري إلى ضرورة القضاء على كل أشكال التمييز بين الرجل والمرأة خلال العلاقات الأسرية، فالفتاة هي أكثر عرضة للزواج المبكر من الفتى، وأن يكون للأسرة والمؤسسات التعليمية الدور في التخلص من هذه ظاهرة من خلال إقامة العديد من ورش العمل التي تهدف لوضع قوانين وتشريعات تمنع تزويج القاصرات.

المحامي الشرعي والنظامي يوسف عبد العزيز يقول إن زواج القاصرات في غزة غير قانوني، لأنه تترتب عليه مفسدة عامة وغالباً ما ينتهي بالطلاق وخاصة في حال قررت الفتاة الارتباط بزوج آخر غير فلسطيني، فلن يتم إثبات ذلك الزواج لاختلاف قوانين الأحوال الشخصية من بلد إلى آخر، وبذلك يكون هذا الزواج أقرب إلى العرفي، ولا يتم إثباته رسمياً لمخالفته للقوانين الوضعية، ويحرم الفتاة من حقوقها القانونية كاملة.

ويضيف لـ”القدس العربي” أن الزواج المبكر يتم قبل بلوغ أحد الزوجين سن 18 والمعروف بسن الرشد، في حين أنه وحسب قانون الأحوال المدنية المعدل رقم 61 لسنة 1977 فقد جعل سن الزواج في الضفة الغربية 15 سنة هجرية للفتاة و16 سنة هجرية للفتى، وفي غزة تم اعتماد قانون رقم 303 لسنة 1954 يحدد سن الزواج الأدنى للفتاة 17 سنة والفتى 18 سنة، مع منح القاضي صلاحيات تزويج الفتاة دون هذا السن إذا بلغت سن النضج ووافق والدها على ذلك.

ويشير أن القضاة الشرعيين لا يدققون في الحالات المعروضة عليهم لتزويج الفتيات القاصرات دون السن القانونية، فلا يتم التحقق من الأضرار المحتملة عن هذا الزواج، وهل سيمنع الفتاة من حرمانها من استكمال تعليمها المدرسي، إضافة إلى التأثيرات النفسية والاجتماعية والصحية التي قد تتعرض لها الفتاة بعد زواجها، والذي قد ينتهي في غالب الأحيان إلى الطلاق لعدم أهليتها على تحمل الأعباء الكبيرة الناجمة عن الزواج المبكر.

الأخصائية النفسية هدي أبو جراد تقول لـ “القدس العربي” الزواج المبكر يؤدي إلى إصابة الفتاة بالعديد من الأمراض النفسية بفعل إجبارها من قبل زوجها على ممارسة العلاقة الجنسية، والتي تجهل تفاصيلها تماماً خلال تلك المرحلة، مما يؤدي إلى إصابتها بالتوتر والقلق وانفصام الشخصية والاكتئاب المستمر نتيجة لاتساع الفجوة بينها وبين زوجها.

وتشير إلى أن الفتاة القاصر والتي لم تتجاوز 18عاماً، غير ناضجة عاطفياً وجسدياً وعقليا، لذا فهي ليست جاهزة على الإطلاق لتكوين أسرة صحية وتحمل مسؤوليات أسرية، في ظل عدم تحشيد الرأي العام لتعديل سن الزواج في المجتمع الفلسطيني، والضغط على صناع القرار لجعل سن الزواج للفتية والفتيات واضحاً، ليتم القضاء على مشكلة الزواج المبكر ووأد هذه الظاهرة في مهدها.

وتبين أبو جراد أن القضاء على ظاهرة الزواج المبكر هو ضرورة حتمية لحفظ كرامة الفتيات القاصرات وتجنب المساس بحقوقهن وممارسة العنف ضدهن، والعمل على تبني قوانين أكثر حماية للمعنفات واللواتي يتعرضن للزواج في سن صغيرة، وإلغاء التشريعات والنصوص القانونية التي تمنح الغطاء لزواج القاصرات في غزة.

وتضيف أن التخلص من هذه الظاهرة يتطلب تضافر جهود منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الرسمية لطرح مواد تعليمية للفتية والفتيات تتمحور حول الجوانب الصحية الخطرة الناجمة عن الزواج المبكر، واعتماد المواثيق الدولية كمرجعية رسمية فيما يتعلق بالزواج والأحوال الشخصية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية