الخرطوم-“القدس العربي”: نجحت الضغوط الشعبية والسياسية والعسكرية الكبيرة التي مورست على رئيس المجلس العسكري في السودان، في إحداث تغيير سريع في القيادة. وبين نهار الخميس موعد البيان الأول ومساء الجمعة تفجر بركان غضب سوداني أدى لتنحي الفريق أول عوض بن عوف من رئاسة المجلس ليخلفه عبد الفتاح برهان الذي وصف بأنه عسكري مهني ومقبول من جميع الأطراف.
مئة وعشرون يوما من الوجود في الشوارع والاعتصامات، كانت كافية لتغييب عمر البشير من المشهد السوداني بعد ثلاثين عاما من شغله منصب رئيس الجمهورية، لكنها لم تكن كافية لإقناع الشعب بحدوث تغيير حقيقي في السلطة.
وعقب تلاوة البيان الأول من قبل وزير دفاع البشير عوض بن عوف، تفجرت الأحداث وردود الأفعال خارجيا، ورفضت كل القوى المعارضة ما جاء في البيان واعتبرت الوضع الجديد امتدادا ونسخة غير منقحة لنظام البشير.
البيان الذي انتظره الشعب السوداني لثماني ساعات من فجر الخميس الماضي وحتى منتصف النهار، أشعل الأوضاع من جديد بعد ثلث يوم من التفاؤل والفرح الممزوج بالحذر، ووفقا لمراقبين فإن البيان الذي أدان بشدة حكومة البشير، التي أطاح بها المجلس العسكري، يكرس لواقع أسوأ مما كان في السابق، خاصة فيما يتعلق بكل المطالب التي خرج من أجلها المحتجون، وكانت خلاصته “غاب البشير وبقي نظامه”.
ولم يكد عوض بن عوف المقرب من الرئيس السابق عمر البشير (نائبه ووزير الدفاع) ينتهي من الفقرة الأخيرة لبيانه، حتى ضجت الشوارع من جديد والتي لم تكن في حاجة لبيان استباقي صدر من تجمع المهنيين السودانيين، طالب فيه المعتصمين أمام مقر القوات المسلحة، بعدم ترك أماكنهم وطالب جموع الشعب بالالتحاق بهم ووصف ما حدث بالانقلاب العسكري. ووفقا لمصادر عسكرية فإن القوات المسلحة السودانية لم تكن راضية بأن تتصدر (لجنة أمن الرئيس السابق عمر البشير) الوضع الجديد ومارست ضغوطا كبيرة لتصحيح المشهد.
قوى إعلان الحرية والتغيير، التي تقود المعتصمين الموجودين أمام مقر الجيش منذ أكثر من أسبوع، أصدرت مساء الجمعة بيانا يفهم منه بعض الرضا عن القيادة الجديدة، بعد أن أعلنت رفضها الشديد لرئاسة بن عوف، الذي اعتبرته جزءا من نظام البشير.
بيان قوى التغيير لم يحتج لوقت طويل بعد تنحي بن عوف وقالت فيه: “ها نحن نسير في ثورتنا خطوة بخطوة نحطم صخور الشمولية ونبني قلاعاً للسلام والحرية والعدالة. تنحى اليوم بن عوف وزمرته تحت وطأة ثورتكم العظيمة وسنسقط كل شمولي يريد أن يتجبر ويختطف إرادتكم العظيمة. عزيمتكم التي لا تلين وإرادتكم الباسلة وحلمكم بوطن يشبه ملامحكم هي أسلحتكم التي خضتم بها معركة ديسمبر المجيدة والتي لم تكتمل بعد فما زال في الأمر بقية”.
خاطب البيان بلغة واضحة ومباشرة القيادة الجديدة للجيش التي نقل الفريق بن عوف السلطة لها وعلى رأسها الفريق عبد الفتاح برهان وطالبها بأن تحتكم لصوت الشارع وأن تنخرط مباشرة في عملية نقل السلطة لحكومة مدنية انتقالية عبر المجلس القيادي لقوى إعلان الحرية والتغيير وإلغاء القرارات التي اتخذها المجلس السابق بتعليق الدستور وفرض حال الطوارئ وحظر التجول.
قوات الدعم السريع ذات الثقل العسكري في المشهد السوداني لم تكن راضية عن مجلس بن عوف، وسارع قائدها الفريق محمد حمدان بإعلان إعتذاره عن المشاركة في الوضع الجديد بعد صدور البيان الأول للمجلس العسكري مباشرة.
ومن أكثر ردود الفعل دهشة للبيان الأول ما صدر عن قوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان والتي اعتبرت جزءا من التغيير الجديد، وحسب منشور على صفحة القوات في فيسبوك أكد قائد الدعم السريع رفض قواته “أي حلول لم ترض الشعب السوداني”.
وطلب حمدان من قادة الانتفاضة (قيادة تجمع المهنيين ورؤساء الأحزاب وقادة الشباب) فتح باب الحوار والتفاوض للوصول إلى حلول ترضي الشعب السوداني وتجنيب البلاد الانزلاق نحو الفوضى.
وفي أقل من نصف ساعة بعد ما وصف بتصحيح الأوضاع (تنحي بن عوف) أصدرت قوات الدعم السريع، التي رفض قائدها المشاركة في مجلس بن عوف، بيانا قالت فيه: “إن تطورات الأحداث تستوجب منا التأكد من موقفنا من معالجة الأزمة حيث سبق أن أوضحنا انه لابد من الأخذ في الاعتبار الحلول التي ترضي الشعب السوداني وتعيد الأمور في الدولة إلى مسارها الصحيح ولذلك فإننا نرى أن من الضروري اتخاذ خطوات وتدابير سريعة”.
وحسب البيان تتمثل تلك الخطوات في فتح باب الحوار مع مختلف شرائح المجتمع والإسراع في تنظيم لقاءات الحوار مع قيادات ورؤساء الأحزاب السياسية وتجمع المهنيين وقادة الشباب وقيادات تنظيمات المجتمع المدني. ووضع برنامج واضح لفترة انتقالية لا تزيد عن ثلاثة إلى ستة شهور ويتم خلالها تنقيح الدستور من خلال لجنة صياغة تشارك فيها كافة قوى السودان وتشكيل مجلس إنتقالي ويكون التمثيل فيه عسكرياً ومجلس وزراء حكومة مدنية يتم الاتفاق عليه بواسطة الأحزاب وتجمع المهنيين ومنظمات المجتمع المدني وقادة الشباب والمرأة وفق الحراك.
وطالب الدعم السريع بأن تكون مهمة المجلس الانتقالي التركيز على إنقاذ الوضع الاقتصادي وتوفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين، والإشراف على لجنة صياغة تنقيح الدستور دون التدخل في مهامها، مع ضرورة تشكيل محاكم ونيابات عامة لمكافحة الفساد بكافة صوره وأشكاله، وقيام انتخابات حرة ونزيهة وفق رقابة محلية دولية ووفق قانون انتخابات يتفق عليه بين أصحاب المصلحة.
وكان المجلس العسكري في السودان، قد أعلن في مؤتمر صحافي نهار الجمعة بأنه لن يسلم البشير للمحكمة الجنائية الدولية. وقال الفريق عمر زين العابدين مسؤول القطاع السياسي في المجلس، إنهم سيشكلون حكومة مدنية سياسية خالية من العسكر، مضيفا أن فترة السنتين التي اعتمدت عمرا للمجلس هي الحد الأقصى وبإمكانه تقليصها إلى شهر إذا دعت الأمور.
وحول وجود رموز النظام السابق في المجلس قال إن قيادات الشرطة والدعم السريع والأمن هم ركائز التغيير الذي وضحت معالمه. وأضاف: “لن نقصي أحدا بمن فيه المؤتمر الوطني والحركات المسلحة، ولن نقبل المحاصصة ونرحب بالجميع”.
وقال الكاتب الصحافي والمحلل السياسي يوسف الجلال في تعليق على تطورات الأحداث في السودان إن تنحي عوض بن عوف كان متوقعا، فالرجل لم يكن محل ثقة لدى قوى الحرية والتغيير والشارع السوداني، وكذلك لم يكن مقبولا في القوات المسلحة، ذلك لأنه جزء من النظام السابق بل من قياداته.
وأضاف الجلال لـ”القدس العربي” أن الخطوة المهمة المطلوبة من المجلس العسكري هي الإعلان عن نقل السلطة لجهة مدنية في أسرع وقت وتصحيح ما وصفه بالأخطاء التي اشتمل عليها بيان بن عوف والمتمثلة في تجاهل القوى السياسية في الوضع الجديد وعدم مشاورتها وإشراكها. ويقول: “يستحق بن عوف إن نقول إنه ساهم في حقن دماء السودانيين بالمشاركة في عزل البشير، ثم تنحيه استجابة لمطالب الشارع الثائر، وللحفاظ على الثورة لابد من يستمر الاعتصام بوصفه ضامنا حقيقيا لوصول الثورة لنهاياتها المنشودة ولإنهاء أي محاولة أو مؤامرة لسرقتها”.
ورفض السودانيين للمجلس العسكري الذي ترأسه عوض بن عوف لم يقتصر على العاصمة الخرطوم، فقد سقط قتيلان في مدينة ودمدني برصاص قوات الأمن حسب شهود عيان بعد تظاهرات رافضة لما حدث، وقطع محتجون الطريق الذي يربط بين الخرطوم وولاية الجزيرة وأحرق آخرون مقار جهاز الأمن في مدينتي كسلا وبورتسودان، وشهدت مدن ومناطق عديدة احتجاجات مماثلة.
وقالت لجنة أطباء السودان المركزية إن 13 قتيلا سقطوا في أحداث يوم الخميس لترتفع الحصيلة إلى 35 قتيلا منذ يوم السبت قبل الماضي، إضافة لمئات الجرحى بمدن السودان المختلفة منها 39 حالة وصفت بالخطيرة.
وتفاوتت ردود الأفعال العربية والافريقية والدولية حيث دعت مصر للحفاظ على تماسك السودان وأمنه ودعت قطر لإعلاء المصلحة العليا للشعب، وقال بيان للاتحاد الافريقي إن “الاستيلاء العسكري ليس الرد المناسب للتحديات التي تواجه السودان، أو تطلعات شعبها”. ودعت الجامعة العربية لأن يتوافق أهل السودان لما فيه مصلحة البلاد و”التمسك بالحوار السياسي، لتحقيق تطلعات الشعب السوداني في الحياة الكريمة والحرة والآمنة والمستقرة التي يستحقها”.
وقال الاتحاد الأوروبي إن العملية السياسية الموثوقة والشاملة هي القادرة وحدها على تلبية تطلعات الشعب السوداني، مضيفا في بيان له أن ذلك لن يتم إلا من خلال تسليم سريع للسلطة لحكومة انتقالية ومدنية.
وطالبت المحكمة الدولية بتسليمها عمر البشير المطلوب منذ عدة سنوات في تهم تتعلق بجرائم حرب، وقالت الخارجية الأمريكية إن رئيس المجلس العسكري عوض بن عوف موجود على لائحة عقوبات أصدرتها الإدارة الأمريكية في وقت سابق. وتوالت ردود الأفعال من بريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول ولم تخرج، في مجملها، عن الدعوة للاستقرار والحياة المدنية وإرساء الديمقراطية في البلاد.
وعقد مجلس الأمن جلسة مغلقة حول الأوضاع في السودان قدم فيها مندوب السودان الدائم لديها، كلمة أوضح فيها تطورات الأحداث في بلاده، وقال فيها إن المجلس العسكري سوف يسلم السلطة لحكومة مدنية، منوها إلى أن التغيير الذي حدث هو استجابة لرغبة الشعب، وأكد التزام المجلس العسكري بكافة المواثيق والاتفاقيات والمعاهدات الدولية والإقليمية والتعاون الكامل مع المجتمع الدولي لتحقيق الاستقرار والسلام والانتقال السلمي للسلطة في السودان.