الجزائر: استمرار الاحتجاجات المطالبة بتنحي رئيس الدولة المعين والجيش يتمسك بالدستور

كمال زايت
حجم الخط
0

الجزائر-“القدس العربي”: دخلت الأزمة الجزائرية فصلا جديدا بتولي عبد القادر بن صالح رئاسة الدولة مؤقتا، وسط رفض شعبي واسع، في وقت تبدو فيه الخيارات أمام المؤسسة العسكرية قليلة، الأمر الذي سيدفع أحد الأطراف إلى التنازل، إما بالاستنزاف أو بقبول الأمر الواقع، دون أن يدري أحد كم سيستغرق الأمر من الوقت والجهد والتضحيات كذلك.

واجتمع البرلمان الجزائري بغرفتيه مثلما كان متوقعا منتصف الأسبوع الماضي من أجل إقرار حالة الشغور على مستوى منصب رئيس الجمهورية، وهو اجتماع إجرائي منصوص عليه دستوريا، في حالة مرض أو استقالة أو وفاة رئيس الجمهورية، ورغم أن الدستور ينص على أن رئيس مجلس الشورى ( عبد القادر بن صالح) هو من سيتولى رئاسة الدولة، إلا أن الكثيرين كانوا يعتقدون أن الجيش سيتدخل من أجل دفع بن صالح للاستقالة وترك المجال أمام تعيين رئيس جديد إما من داخل مجلس الأمة، إذا تم العمل بالدستور، أو من خارج المجلس إذا تم تطبيق منطق أن شرعية السيادة الشعبية أقوى من الشرعية الدستورية، لكن المفاجأة كانت أن عبد القادر بن صالح هو من تولى رئاسة الدولة، وصدر تصريح عن قائد أركان الجيش يقول إن الحل الوحيد للأزمة القائمة هو في المخارج التي يوفرها الدستور، وحذر من وجود مؤامرات من جهات خارجية تحاول اختراق الحراك، وهو ما زاد في احتقان الشارع الجزائري، الذي شعر بالإهانة، بل وأحس أكثر من أي وقت مضى أن ثورته ستسرق منه، من طرف الأشخاص أنفسهم الذين سرقوا صوته وإرادته طوال عقود، عندما رأى أن الوجوه التي طالب برحيلها مازالت في مناصبها ومواقعها.

الاحتجاجات متواصلة بل أخذت منحى آخر، خاصة بعد قرار تعيين بن صالح الذي استقبل على أنه استفزاز للشعب، في المقابل الجيش أبدى تمسكه بالدستور وبالمخارج التي يوفرها، داعيا إلى النظر للمستقبل، والصبر لمدة ثلاثة أشهر، ريثما يتم تنظيم انتخابات رئاسية، مع التعهد بتشكيل لجنة مستقلة لمراقبة الانتخابات، وتمكين القضاء من لعب دوره كاملا في التحقيق وفتح ملفات الفساد التي كانت قد دفنت خلال العهد السابق، لكن هذا الموقف فسر من طرف المتظاهرين على أنه دعم لبن صالح، ومن هنا تعاظمت الشكوك، وزادت الرغبة في إعطاء المظاهرات جرعة إضافية لضمان بقائها مشتعلة.

الحلول المتوفرة بيد الجيش قليلة، فهو بين نارين، إما التدخل والانقلاب على الدستور، وإعطاء الذريعة لأية جهة تريد التدخل في الشأن الجزائري تحت مبرر أن هناك انقلابا عسكريا، وبين التمسك بالخيار الدستوري والمغامرة بمزيد من المظاهرات والاحتجاجات، والدخول بالبلد في مرحلة عدم الاستقرار، لأنه حتى الإعلان عن انتخابات رئاسية في هذه الظروف لم يزد الأمور إلا تعقيدا، لأن قليلين فقط سيغامرون بالمشاركة في هذه الانتخابات، وإجراؤها في ظل استمرار هذا الاحتقان الشعبي مهمة شبه مستحيلة.

ويمكن القول إن الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة هو من دفع بالأمور إلى هذا المأزق، فقد كان أمامه متسع من الوقت ليسحب ترشيحه قبل أن تتأزم الأوضاع أكثر، وقبل أن يرتفع سقف المطالب، وكان أمامه متسع من الوقت ليعين حكومة توافق وطني، وكان أمامه ما يكفي من الوقت لتغيير رئيس مجلس الأمة واختيار شخصية تحظى بالحد الأدنى من القبول، لكنه اختار ترك الوضع ملغما، وتعمد وضع المؤسسة العسكرية وجها لوجه مع الشارع، فإن هي تدخلت وداست على الدستور، ستجد من يتهمها بالانقلاب العسكري، وإن هي اختارت التمسك بالدستور، مثلما تفعل هذه الأيام، ستجد ( وقد وجدت) من يتهمها بمحاولة الإبقاء على الوضع القائم والالتفاف على الإرادة الشعبية.

الأكيد أن الجيش يتقدم في حقل ألغام هذه الأيام، فالشارع يعيش حالة غليان غير مسبوقة، والوضع المحيط بالجزائر لا يساعد على تغيير حقيقي وسلس وهادئ، والقوى الرافضة له والمتمسكة بالعودة إلى العهد البائد تعمل على سرقة انتفاضة الشعب، والالتفاف حولها بكل الطرق والوسائل، والمخارج تضيق كلما تقدم الوقت، ومطالب الشارع تتزايد ولا تتشابه، وإذا كانت اليوم متوقفة عند محطة رحيل الباءات الثلاث أو الأربع، وهم رئيس الدولة المعين عبد القادر بن صالح، ورئيس الوزراء نور الدين بدوي، ورئيس المجلس الدستوري الطيب بلعيز، يضاف إليهم رئيس مجلس الشعب معاذ بوشارب، فإن السقف سيتغير بمجرد تحقيق هذا المطلب، لأن هناك من أضحى يطالب بإقالة كل ( المحافظين) الولاة ورؤساء الدوائر والبلديات وحل البرلمان بغرفتيه، وإذا كانت المطالب بالتغيير مشروعة ومبررة بحكم كل ما فعله النظام بالجزائر والجزائريين طوال عقود من الزمن، فإن العدمية التي أضحت تسيطر على قطاعات واسعة من الحراك، واستمرار غياب ممثلين عنه، وعدم وجود استعداد لأي حوار، لا يفتح مخارج لهذه الأزمة التي دامت أكثر من اللازم، ولا أحد يعرف إلى أين ستصل وكيف ستكون نهايتها.

وتتحدث بعض المصادر عن قرارات جديدة قد يتم الإعلان عنها بداية الأسبوع الحالي من أجل تهدئة الشارع الجزائري، لكن يصعب تخيل أن أي قرارات قادرة على إحداث أي تغيير في موقف الشارع، مادام التركيز في الوقت الحالي هو على شخص عبد القادر بن صالح، وإذا ما بقي الأخير في منصبه كرئيس للدولة، فإنه من الصعب تهدئة الأوضاع.

الآن يبقى الأمر بيد النظام، الذي يمكن أن يفتش عن حل يقع في منتصف الطريق بين المطالب الشعبية وبين القيود الدستورية، في المقابل يبدو ضروريا أن يقدم الحراك ممثلين عنه، يتكلمون بصوته، يعبرون عن رأيه، يتفاوضون نيابة عنه، ويبحثون عن مخرج من المأزق الحالي، سواء كانوا من داخله أو من الشخصيات السياسية التي تحظى بحد من القبول والمعروفة بالنزاهة والاستقامة، وأن يقدم كل طرف قليلا من التنازلات، لأن التعنت والتمسك بموقف واحد لا يمكن إلا أن يؤدي إلى مزيد من التشنج.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية