المسألة الليبية والأمم المتحدة: شرعنة حفتر

عبد الحميد صيام
حجم الخط
0

ثلاث دول عربية استحوذت على اهتمام أجهزة الأمم المتحدة في السنوات الثماني الأخيرة وهي سوريا وليبيا واليمن، بسبب ما شهدته من هبات جماهيرية سلمية في بداية عام 2011 لكنها طلق عليه إسم “الربيع العربسرعان ما تحولت إلى نزاعات دموية مسلحة وخرجت عن سيطرة أبناء البلاد أنفسهم لتتحول إلى لعبة قوى إقليمية ودولية.

فالدول الثلاث، رغم العديد من الفوارق الكبيرة في هياكلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أنها تتشابه في نوعية نظام الحكم السلطوي المطلق القائم على سيطرة الفرد القائد الواحد الذي يمسك جميع أمور الدولة والحزب والجيش والأجهزة الأمنية والمال والاقتصاد. فعائلة الأسد، الأب والابن، كانت تحكم سوريا منذ 41 سنة حيث انتقل الحكم وراثيا من حافظ إلى بشار، والقذافي حكم ليبيا مدة 42 وأعد ابنه سيف الإسلام لإدارة البلاد على طريقة والده، وعلي عبد الله صالح حكم اليمن 33 سنة ونقل كثيرا من الصلاحيات والقوة لابنه أحمد. والبلدان الثلاث ينقصها البناء المؤسس، فعندما يسقط القائد الواحد تنهار الدولة والجيش والرئاسة والأجهزة الأمنية. والأنظمة الثلاثة تقريبا تعاملت مع الانتفاضة السلمية في البداية بالقوة المفرطة ما أتاح فرصة للمتربصين بالبلاد لمنع أي تحول ديمقراطي سلمي في المنطقة العربية برمتها، وأن ينفذوا من الشقوق لدعم طرف ضد آخر وتحويل الانتفاضات الثلاث إلى مواجهات مسلحة أدت إلى تدمير البنى التحتية وإلحاق الأذى بالمدنيين قتلا وتشريدا وتهجيرا وتعذيبا واقتلاعا. وفي الحالات الثلاث، وفي غياب دور فاعل للجامعة العربية، ألقي عبء الوساطة والتدخل والمتابعة على الأمم المتحدة منذ البداية وخاصة في ليبيا موضوع مقالنا.

فشل الجامعة العربية

 

كان معمر القذافي يعيش على وهمين، الأول أنه زعيم كبير من نوابغ التاريخ وكان يحب أن يطلق على نفسه أنه زعيم الثورة العالمية، ومفجر ثورة الجماهير وأضاف إلى ألقابه “ملك ملوك افريقيا”. والوهم الثاني أن لديه نظاما يتساوى فيه الناس جميعا سماه “جماهيرية” يحكم فيها الشعب نفسه بنفسه عبر اللجان الشعبية المنتشرة في كل مكان يتربع على رأسها مؤتمر الشعب العام الذي، حسب رأي القذافي، صاحب القول الفصل في كل أمور ليبيا. والحقيقة التي يعرفها كل متخصص وعارف في الشأن الليبي، أن القذافي أفرغ البلاد كليا من أي نوع من التجمع أو التنظيم أو المؤسسات، حتى مؤسسة الجيش أفرغها من محتواها بعد خسائره في المواجهات مع تشاد حول إقليم أوزو في الأعوام 1978-1987 إلى أن حكمت محكمة العدل الدولية عام 1994 بأن الإقليم جزء من تشاد.

ومنذ انطلقت المظاهرات السلمية في مدينة بنغازي في 15 شباط/فبراير 2011 مستلهمة نجاح ثورتين في بلدين مجاورين لليبيا تونس ومصر، مطالبة بإسقاط النظام، ظهر القذافي محتدا وهدد بـ”تطهير ليبيا بيتا بيتا شبرا شبرا زنقة زنقة” متهما الجماهير بأنهم عملاء. وبعد سقوط أكثر من 400 ضحية في الأيام الثلاثة الأولى رفع سيف الإسلام سبابته مهددا بسحق التمرد في بنغازي، المدينة التي أهملها القذافي وقهرها وقام بهدم ضريح الشهيد الكبير عمر المختار عام 1980 ونقله من المدينة إلى بلدته “سلوقي” في مجاهل الصحراء حتى لا يزوره أحد.

عقدت الجامعة العربية اجتماعا على مستوى الوزراء وطالبت الأمم المتحدة بالتدخل يوم 13 آذار/مارس 2011 حيث أعلن الأمين العام للجامعة، عمرو موسى، في مؤتمر صحافي أن “الجامعة العربية تطلب من مجلس الأمن فرض منطقة حظر جوي حماية لليبيين والقاطنين من رعايا الدول العربية والبلاد الأخرى”. منذ ذلك اليوم خرج الموضوع الليبي عن حاضنته العربية وانتقل إلى مجلس الأمن وأجهزة الأمم المتحدة الأخرى.

مسارات التدخل

 

بدأ اهتمام الأمم المتحدة بتاريخ 22 شباط/فبراير عندما أصدر مجلس الأمن بيانا رئاسيا يعبر فيه عن قلق المجتمع الدولي من استهداف المدنيين واستخدام القوة المفرطة مطالبا جميع الأطراف بضبط النفس. لكن المجلس وبتشجيع عربي، عاد بعد أربعة أيام واعتمد تحت الفصل السابع القرار 1970 بالإجماع لفرض عقوبات على 16 شخصا من بينهم العقيد القذافي وأولاده ومساعدوه وتفويض المحكمة الجنائية الدولية التحقيق في كافة الانتهاكات التي تصنف على أنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

ثم التأم المجلس يوم 17 آذار/مارس واعتمد القرار 1973 تحت الفصل السابع أيضا لكن القرار أثار كثيرا من الجدل حيث لم يصوت لصالحه إلا عشرة أعضاء وامتنعت روسيا والصين عن التصويت بالإضافة إلى ألمانيا والبرازيل والهند. والقرار أعلن أن ليبيا كاملة منطقة حظر جوي للطيران العسكري والتجاري، وطالب جميع الدول باتخاذ كافة الخطوات الضرورية لحماية المدنيين. أي أن القرار أعطى الضوء الأخضر للتدخل العسكري. وقد كانت فرنسا أول المتدخلين حيث قامت طائراتها يوم 19 آذار/مارس بقصف قوات العقيد القريبة من بنغازي. ولم تنتظر قوات الناتو طويلا لتنفيذ البند الأول في القرار المتعلق بوقف إطلاق النار، حيث بدأت الغارات الجوية المتلاحقة للناتو لأكثر من ثمانية أشهر فدمرت الأخضر واليابس وألحقت أضرارا بالغة بالبنى التحتية والمنشآت والمباني والمؤسسات.

وأود هنا أن أراجع دور الأمم المتحدة في ليبيا والتي اتبعت ثلاثة مسارات: السياسي والإنساني وانتهاكات حقوق الإنسان. ولأن كل واحد من هذه المسارات يحتاج إلى مقال مستقل وطويل سأركز على المسار السياسي.

المسار السياسي – تمرد حفتر

أختارت الأمم المتحدة خلال السنوات الثماني الماضية ستة مبعوثين دوليين لتقريب وجهات النظر بين الليبيبن الذي وجدوا أنفسهم بعد سقوط القذافي في دولة تعمها الفوضى وتنتشر فيها الميليشيات وتعج بكل أنواع السلاح والمرتزقة والمهاجرين الذين يستخدمون ليبيا معبرا لأوروبا.

كأن أول المبعوثين وزير الخارجية الأردني السابق عبد الإله الخطيب، وآخرهم غسان سلامة. ورغم ما قيل حول الإسباني برناردينو ليون من ارتباط مع دولة الإمارات إلا أنه استطاع أن ينجز وثيقة الصخيرات المسماة “الاتفاق السياسي الليبي” بتاريخ 17 كانون الأول/ديسمبر 2015 والذي اعتمد في القرار 2159 يوم 22 من الشهر نفسه متبنيا الاتفاق ومعلنا أن القرار عبارة عن خريطة طريق لحل الأزمة الليبية تبدأ بتشكيل حكومة توافق وطني ومجلس رئاسي وصولا إلى كتابة الدستور الجديد والانتخابات التشريعية والرئاسية.

وينص البند 3 في القرار على “دعم حكومة الوفاق الوطني باعتبارها الحكومة الشرعية الوحيدة لليبيا”.

إلا أن الأمور لم تنتظم كما تمنى مجلس الأمن.

فهناك مجلس النواب في طبرق الذي يملك شرعية معترفا بها إذ إنه جاء نتيجة انتخابات حرة وهو ينازع شرعية أخرى ممثلة في حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج.

في هذه المرحلة أعلن اللواء المتقاعد خليفة حفتر أنه قائد جيش ليبيا الوطني بعد عودته من الولايات المتحدة وتشبيكه مع رموز الثورة المضادة في المنطقة العربية وخاصة مصر والإمارات والسعودية وذلك في شباط/فبراير 2014 وحل المؤتمر الوطني العام في طرابلس والذي كان يتمتع بالشرعية آنذاك. وبعد الانتخابات البرلمانية الثانية في 25 حزيران/يونيو 2014 وخسارة الإسلاميين ورفض المؤتمر الوطني العام في طرابلس للنتائج انتقل مجلس النواب إلى طبرق وبدأت مجموعات من البرلمان وبعض الميليشيات تلتف حول حفتر في المنطقة الشرقية وبدأ عملياته العسكرية تحت اسم “عملية الكرامة” ضد جماعة “فجر ليبيا” في بنغازي الذين اتهمهم بأنهم إرهابيون ومتطرفون إسلاميون.

لكن النفاق في مواقف الدول في مجلس الأمن كان واضحا، فمن جهة تعتمد القرار 2259 بالإجماع ومن جهة أخرى تقوم دولة مثل فرنسا، الدولة دائمة العضوية، ومصر، الدولة العضو في مجلس الأمن آنذاك، بدعم قوات حفتر بالسلاح والمال. وقد انكشف الدعم الفرنسي لحفتر عندما أعلن عن مقتل ثلاثة رجال أمن فرنسيين في بنغازي في تموز/يوليو 2016.

استمرت محاولات تأهيل حفتر رغم تقارير الأمم المتحدة المفصلة حول ما ارتكبه من جرائم في اقتحام بنغازي ومن بعدها درنة، مثل القتل التعسفي والإعدام خارج نطاق القانون واستهداف المدنيين والإعدامات الجماعية، وغيرها.

حاول السراج أن يستميل حفتر إلى جانبه في البداية لعله يرعوي عن غيه فالتقى به أولا في كانون الثاني/يناير 2016 لجس نبضه ثم عاد والتقى به مرة أخرى في بداية أيار/مايو 2017 في أبو ظبي دون أن يسفر ذلك عن نتيجة.

لكن التحول الحقيقي في إعادة تدوير حفتر وشرعنة موقعه جاء عندما اجتمع به فايز السراج بحضور غسان سلامة، المبعوث الجديد للأمين العام لليبيا، في باريس في تموز/يوليو 2017 برعاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. استغل حفتر هذا اللقاء لتعزيز مواقعه وتوسيع الاعتراف به من قبل المجتمع الدولي رغم عدم شرعيته من جهة وعدم قبوله باتفاق الصخيرات وارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وقد خرج حفتر من الاجتماع ليصف السراج بانه “إنسان ساذج” وظل يتصرف معه على هذا الأساس. فكلما سيطر على منطقة جديدة في ليبيا كلما اجتمع مع السراج مرة أخرى سواء في باليرمو أو أبو ظبي أو أي مكان آخر ويتفق معه على بعض النقاط لتسوية النزاع ثم يعود بعدها إلى مواصلة عملياته العسكرية مستخدما القوة مرة والمال مرارا إلى أن وصل إلى عنق طرابلس معلنا يوم 4 نيسان/ابريل عملية “تحرير طرابلس” مطالبا الناس في تسجيل صوتي “بإلقاء السلاح ورفع الراية البيضاء لضمان سلامتهم”.

إن لقاء الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، مع الجنرال المتمرد في بنغازي بعد يوم واحد من انطلاق ما سماها “عملية تحرير طرابلس” خطوة خاطئة عززت من عنجهية حفتر وتصميمه على الاستمرار في عملياته العسكرية لغاية السيطرة على كل أنحاء ليبيا بدعم من أطراف عربية ودولية. وهذه الضجة المفتعلة في مجلس الأمن والبيانات الباردة انما تكمل المشهد المأساوي للمجتمع الدولي وفشله في التصدي لبرنامج حفتر الذي لم يكن سرا منذ البداية.

 

 

 

 

 

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية