فمٌ مندهش

أنا مريض يا سادتي وليس لمرضي دواء، هكذا قال لي الناس في قريتي وإذا قال أهل قريتي شيئا في شخص صدّق عليه وتلبّس به وما عليه إلا أن يصدقه. في قريتي حجة وحيدة للإقناع بأن رأي الجماعة سلطة، هي سؤال بسيط وما يزال يقنع على مرّ الدهور يقولون لك: وهل أنت تعرف أكثر من الجماعة؟ طبعا لا. معرفة الجماعة مسلم بها ولا يحيط بمعرفتها المكر.. قالوا لي أنت مريض بالإفراط في التعجب، فأنت تفغر فاك وتكثر منه حين نحدثك عن شيء يومي تافه.. عليك أن تداوي نفسك من هذا الداء.
كما تعلمون أنا مواطن عربي، ولو قلت لي أنت مواطن عربي لما أضفتَ لي شيئا ولكانت جملتك ناقصة، لأنك ستصفني بما أعلم وبما تعلم وبما يبدو شيئا غير ذي نفع.. فما نفع أن تخبرني أنني مواطن عربي إن لم تبن عليه شيئا جديدا كأن تقول لي أنت مواطن عربي، وعليك أن تقوم بدورك التاريخي.. لكن إن قلت لي ذلك فسأفغر فمي وأفغر عينيّ متعجبا من دوري التاريخي الذي عليّ أن أقوم به. ولو قلت لي وأنا في طريقي إلى المخبزة، بأن الخبز نفد فسأفغر فمي أيضا، وإن قلت لي وأنا ذاهب إلى دكان والدي بأن الدكان مغلق فسأفغر فمي وتتسع عيناي وأتعجب. هم يقولون لي ما لا أنتظر ويريدونني ألا أفغر فمي.. أصبت بالداء وليس لي من دواء حتى سموني الفاغر.. قال أهل قريتي لوالدي لمَ هو دائما مُبَاهَت مندهش.. قال لهم إن والدته قد أصابه وَحَمٌ لم يُقضَ: كانت تريد التفاح وثمن التفاح باهظ الثمن، وظلت على وحم لا يقضى حتى وضعت هذا المشدوه، فما قيل له شيء يحدث المفاجأة إلا وفغر فاه..
كان أبي يقرّعني ويقول عني إني معرة القبيلة، وكنت لا أندهش لما يقوله، وإنما أضحك خلسة وأخشى أن تصفعني كلمات الشتائم التي كنا في قريتنا بارعين في إنتاجها. ظللت على علتي حتى دخلت الجامعة، لم يكن أحد هناك يلتفت إلى دهشتي، لكنني وجدت ضالتي وأدركت أن الأمر متصل بشيء اسمه لازم عمل الكلام أو القول.
لا تعود الوصفة العجيبة إلى طبيب ولا إلى عالم نفس، بل إلى فيلسوف بريطاني اسمه أوستين. آمن هذا الرجل بأن القول هو عمل لغوي، وبأننا بمجرد أن نتكلم نكون قد شرعنا في عمل القول للتعبير عن شيء؛ والتعبير عن هذا الشيء هو أيضا عمل متضمن في القول كالإخبار والوعد والاستخبار وإبرام العقود بالكلام، وغيرها من الأعمال التي ننجزها يوميا بالأقوال.

أول مرة أشعر بأنني حي يرزق لأن لي إحساسا ورد فعل على ما يفعله في هذا الخارج الكلامي اللعين، ويتركني مشدوها فاغر الفم.

وهناك عمل ثالث هو ما ينتجه فينا كلام الآخرين من تأثير، وهذا هو الذي يعني حالتي المرضية فأنْ يقال لي: أنت مواطن عربي وعليك أن تقوم بدورك التاريخي وأتعجب وأفغر فمي، فهذا يسمى في نظرية أوستين، لازم عمل القول وهذا يعني أنني لم أفغر فمي من عدم، بل من قول هو الذي جعلني أفتح عينيّ تعجبا. حمدت الله أنني مستجيب ومتأثر بالأقوال التي تنتج هذا الأثر فيّ.. لأول مرة أشعر بأنني حي يرزق لأن لي إحساسا ورد فعل على ما يفعله في هذا الخارج الكلامي اللعين، ويتركني مشدوها فاغر الفم. لازم فعل القول هذا هو ما يظهر من أثر نفسي على المتكلم حين يسمع كلاما.. أن تقول لشخص أخرج فيخرج فهذا لازم فعل كلام؛ فإن لم يخرج فهذا أيضا لازم فعل قول. وأن تقول لك حبيبتك كلاما يأخذ بشغاف قلبك ويدمع عينيك فهذا أيضا لازم فعل القول.. وإن كنت حجرا لا تحركك الكلم الحارة الصادرة من منبع المشاعر الحية فذلك أيضا لازم فعل قول. مشكلة لازم فعل القول هذا أنه لا ينتبه إليه؛ في نظرية الأعمال اللغوية هو ليس مفيدا، أو قل هو ليس ذا موضوع في هذا الموضوع.. لكن لسلامتي ولعلاجي سأجعله ههنا ظاهرة مركزية طبعا هي مركزية في ذهن أهل قريتي، وفي ذهن أبي، ولكنها ليست كذلك في ذهن الحكيم أوستين.. شكرا لك أوستين لأنك نبهتني لمنبع « علتي» حتى وإن لم تعالجها..
ترك لي العم أوستين وصفة أساسية قال لي عليك أن تنظر إلى لازم فعل الكلام (وهو في هذه الحالة الدهشة والتعجب من أشياء تبدو بسيطة) في علاقته بالقصدية تلك التي يسميها أهل قريتنا النية.. أهل قريتي يرون نوايانا خبيثة، لكن لأوستين رأيا آخر: من يخبرني بما يدهشني ربما لم تكن في نيته أن يدهشني، قال لي العم أوستين إنه لا علاقة بين نية المتكلم ولازم فعل القول، أو لا علاقة بين من يقول لي إني باعتباري مواطنا عربيا عليّ أن أكسب الرهان.. ربما كان في نيته أن يحمسني مثلما قد يكون في نية من يخبرني أن دكان أبي مغلق، أن يخفف من تعبي فأعود أدراجي أو أذهب إلى المنزل بدلا من الدكان، هل يعني هذا أن العيب في نيتي أنا؟ حسب أوستين لا قيمة لنيتي أنا بل القيمة لنية المتكلم، أما أنا فليس لي إلا لازم فعل القول، ولا تصبح لي نية مرئية، إلا إذا صرت متكلما؛ لكن إن صرت متكلما فقدت الشعور بالاستغراب وأغلقت فمي واستعددت للنطق.
عدت إلى القرية في العطلة كانت حلاقة شعري قد تغيرت ومشيتي قد تبدلت ولبست لباس الشباب العاشق للحظته. اعترضني صديق والدي وأنا في المحطة ففغر فاه واعترضتني الجارة بنت الحارة ففغرت فاها؛ وفتح لي والدي الباب وسلم عليّ ثم فغر فاه، سألت أوستين عن الأمر فقال ليس هذا لازم فعل كلام، بل هو رد فعل على تغيير في الهيئة وفي السلوك.. هل على أبي وصديقه وابنة حارتنا أن تتكلم حتى يسمى ذلك لازم فعل القول؟ أجاب أن نعم. أنا لا يعنيني إن تكلمت أو لم أتكلم لأحدث في الآخرين رد فعل مماثل لرد فعلي على أقوالهم، أنا يعنيني أنني أحدثت فيهم صامتا ما أحدثوه فيّ متحدثين.
حين جلست بين يديّ أمي وحدثتني أن الموسم مبشر بكل خير، وأن الزيتون كريم وفير هذا العام، وأن والدي يبيع الشاة بأضعاف أضعاف ما اشتراه بها، لم أفغر فمي.. كانت أمي فرحة مسرورة بأنني تبدلت. حمدت أمي للجامعة فعلها وحدثتها أنني زرت طبيبا في المدينة اسمه أوستين. حمدت الله على الشفاء ودعت له بطول العمر قلت لها: أماه مات أوستين منذ ما يقرب عن ستين سنة.. ابتسمت وقالت: عدت إلى مرحك القديم.. لم يكن في نيتي أن أمزح كنت صادقا في ما أقول .. لكنني لم أرد أن أزعزع طمأنينتها: تصدق أني شفيت.
في الليل تحلقنا حول التلفزة نشاهد نشرة الأخبار.. صار فمي يشتاق إلى أن يعود إلى انفتاحه القديم، وأنا ألعن الشيطان.. طلبت من والدي أن نغير القناة لكنه رفض.. فتحت فمي ثم زدته فتحا لِمَا أسمع: أيها المواطنون الأحرار..

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية