التوزاني المغربي يربط أدب الرحلات بعجيب التدوين وفتنته

يسعى المغربي خالد التوزاني في كتابه الجديد الذي حمل عنوان «الرحلة وفتنة العجيب بين الكتابة والتلقي» إلى موازنة الكتابة عن أدب الرحلات وما يحصل فيها مما يسميها عجيب الرحلة، مثلما يسعى إلى التعريف بمنطقية التصديق الجمالي من جهة والأدبي من جهةٍ أخرى، فيما يخص نوع من الكتب كهذا.. ولهذا فإن كتابه هذا يدخل ضمن نظرية التلقي لنوعٍ محدد من الكتب، حين يتم الكشف من قبل المتلقي عما رآه الرحالة الذين يدونون الأحداث ويبرزون العجيب ويتفننون فيما يمكن إضافته من مشاهد بطريقة الجذب، لجعل المرئي عجيبا والمعلوم مدهشا والمخفي مثيرا، والمعروف يحمل غرابةً من نوع آخر.. مثلما يريد التوصل إلى تلك النقطة التي تفصل المتلقي عما يتلقاه، وهو كما يذكر يستصحب معه محاولة تصديق ما ذكره الرحالة في كتبهم، فإن هذه النقطة هي النقطة الإدهاشية التي تعتمد على محطتين مهمتين.. الأولى هي قدرة الرحالة في عملية التدوين، وكيفية إقناع الآخر بأن ما رآه هو الحقيقة، وإن لديه القدرة على إيجاد لحظة التقبل من قبل المتلقي وذوقه، لكي لا يحكم على ما يقرأه كونه مجرد رؤيةٍ خاصة غير حقيقية، أو إنها أسطورية بل هو الواقع الذي لم يره أو يطلع عليه.. والثانية هي قدرة المتلقي ذاته لاستخدام أدواته المعرفية المتأتية من المطاولة مع التلقي، وتكونت لديه ذائقة وذوق لكي يقترب من منطقة المؤلف، وأن ما يراه هو الجديد المغاير، كما يقول الكاتب إنهم «يواجهون الجديد دائما ويكسرون ألفة المكان والثقافة، فيبدعون أو ينقلون عالما جديدا مغايرا لما سحقته الرتابة وقتله الملل والسكون، ولذلك لم تكن غاية الرحلات إبداع عالم عجيب فحسب، ولكن التعجب من العالم الموجود».

المرء لا يحتاج إلى «كبير عناء ليدرك من أول وهلة أن العجيبَ ركن أصيلٌ في الرحلة، يُشكلُ محور اهتمام الرحالة والمتلقي معاً.

ركن العجيب والرحلات

هذا الكتاب الحاصل على جائزة ابن بطوطة للدراسات، الذي يحمل عنوانه ذاته الغرابة التي تجذب المتلقي يتكون من مقدمةٍ ومدخلٍ يضم مفهومين للعجيب في الرحلات وفصلين، وكل فصلٍ يضم عددا من الأقسام المهمة التي تدور حول غائية الكتاب وما يريد التوصل إليه، في أن وظيفة العجيب في أدب الرحلات تتجاوز ما هو مألوف في «الأدب العجيب»، لكون العناصر العجائبية داخل النصوص السردية تفزع المتلقي وتثير انفعاله، أو تذكي فضوله.. كما يذكر المؤلف في الخاتمة.
في مقدمة الكتاب يؤكد على أن المرء لا يحتاج إلى «كبير عناء ليدرك من أول وهلة أن العجيبَ ركن أصيلٌ في الرحلة، يُشكلُ محور اهتمام الرحالة والمتلقي معاً، فالأول نظرا لانتقاله في المكان فهو يغادر رقعة المألوف ليقف على عجائب البلدان وغرائب الموجودات، والثاني أي المتلقي فهو يبحث في الرحلة المدونة عن ذلك «العجيب» الذي أسَرَ الرحالة وجعله يقطع الصحارى والفيافي بصبر وأناة، وهو بهذا يريد ايصال المسافة الفاصلة ما بين الجهد العجيب لسرد العجائب وما بين التلقي للحظة العجيب، لتلقف ما هو غرائبي وحقيقي، لأن الرحلة لا تعني نقلا غير موثوقٍ، بل هو الوثوق بعينه كون الرحالة هو الناقل لما لم يتمكن المتلقي من رؤيته ويضعه أمامه.. كما كنا نتلقف الكثير من هذه الرحلات التي نعرفها مثل رحلات ابن بطوطة وابن ماجد وابن حوقل وياقوت وغيرهم.

ثقافة الشعوب

الكتاب محاولة لتتبع ليس أثر الرحالة، رغم إنه يقول إن «أروع الرحلات هي التي نقوم بها في رحلات الآخرين»، ولكن لتتبع التدوين لدى الرحالة في كيفية وضع الدهشة الكتابية التي تقنع المتلقي لزيادة المتعة، مثلما تزيد من الوعي والثقافة والاطلاع والوجدان والأبعاد النفسية والتأمل العجيب في عجيب الرحلات، للوصول إلى لحظة التعايش مع الشعوب الأخرى، التي يصعب الوصول لها لولا الرحالة وكتاباتهم «بما يخدم عمران الكون والإنسان ويؤسس لعالمٍ متحاورٍ ومتجاور، آمن ومطمئن»، ورغم أن الرحلة عند العرب، كما هو معروف ارتبطت في الموضوع الجغرافي، لكنها أيضا تتضمن عادات الشعوب وطقوسهم وديانتهم وطريقة عيشهم وسلوكهم وهو ما كان «الرحالة يسجل ملحوظاته في كتب تسمى بالمسالك والممالك، ولكن بعد أن استقلت الجغرافيا كعلم مستقل قائم بذاته، أصبحت الرحلة فنا ولوناً أدبياً يقوم على علاقة زمنية مكانية، تعتمد وصف الرحالة لمشاهداته وعرض الخواطر بدقة.. ثم تطور هذا الفن وارتقى في مستويات الإبداع والتجديد، حتى أصبحت الرحلة من أشهر الفنون الأدبية المتداولة في مختلف بلاد العالم». إن كتبا كهذه يدونها الرحالة لم تعد كما كان في السابق وهو ما يقوله التوزاني ذاته أيضا في هذا الكتاب، لأن الرحالة ليس موثقا أو مؤرشفا، أو إنه ربما تابع لحاكم أو له مهمة سياسية أو جيوسياسية وحتى جيودينية أو سيادينية إن صح القول، بل إن دراستها تتطلب جهدا واستقصاء، خاصة أن هذا النوع من التأليف تجتمع فيه فنون كثيرة، وموضوعات جمة، ما يجعل ضبط معاييره وتعيين مقاييسه، أمرا صعبا.. فالرحلة ليست ملتقى للأساليب والأجناس الأدبية فحسب، وإنما هي كذلك ملتقى للمعارف والفنون والثقافات.

إن السعي يكون منطوقا في الغايات والأهداف ومن ثم النتائـــج.. وهو ما بدأه عند تأسيس المشروعية لكتابه ومن ثم إماطة اللثام عن الالتباس الممكن بين العجيب والفانتاستيك.

تأمل ويقين

إن هذا الكتاب ربما يختلف عن الكتب الأخرى، سواء تلك التي تتبعت أثر الرحالة، أو إنها حققت في ما كتبه الرحالة عبر التاريخ، أو إنها استنطقت ما كتب عن أدب الرحلات، بل إنه يساوق بين الحداثة في البحث والتجديد في التدوين.. كذلك فإنه اعتمد التأمل في الطرح للوصول إلى عملية تأمل التدوين لدى الرحالة، خاصة وإنه يفرق بين الأدب المعروف وأدب الرحلات مثلما يصنف هذا النوع من الأدب بحسب المجتمعات فيقول «إذا كان وجود أدب العجيب في الإبداع عموما، قد ارتبط بالرعب والخوف، ومثل تمردا على الذات وخروجا عن اليقينيات الكبرى، وتلذذا بالفوضى والفزع، عبر مسخ الطبيعي أو تدميره، وتحويله إلى مخلوقات تثير الرعب، فإنه في أدب الرحلات العربية ارتبط بالجميل والممتع والمفيد، وخلق من رصد المفارق والبعيد عن المألوف جماليات الحيرة والدهشة، ولم يكتف بالغايات الجمالية، بل تعداها لتحقيق وظائف تربوية ومعرفية وعرفانية، ترتقي بتكوين الإنسان وتحسين بنائه النفسي والاجتماعي، بل تأهيل وضعه الاقتصادي والاعتباري من خلال الآفاق التي تفتحها الرحلة عموما، ولهذا فإن هذا الأدب لم يعد فرديا كما كان، بل صار اهتمام المجتمع لأنه ينظر إلى المواقف والأحداث والمشاهد، نظرة الطفل الذي يراها لأول مرة فيندهش أمام التفاصيل، ويطيل النظر في الجزئيات، وقد يبالغ في الوصف ويطيل الحديث في ذكر مشاعره تجاه ما يراه، ليبني الرحالة بهذا المنهج نصا عجيبا وجميلا ينهل من عجائب الكون وغرائب الموجودات ما يؤسس به تفرده وريادته ضمن فنون القول وأجناس الأدب».

فصول وأقسام

إن السعي يكون منطوقا في الغايات والأهداف ومن ثم النتائـــج.. وهو ما بدأه عند تأسيس المشروعية لكتابه ومن ثم إماطة اللثام عن الالتباس الممكن بين العجيب والفانتاستيك، والكشف عن أسباب الاختيار ومن ثم الإجابة على أسئلة دائما ما يطرحها المتلقي ومنها، كما يذكـــــر «ما الذي يجعل من نص ما نصا عجيبا؟ هل الكاتب هو من يحــــكم على نصه بالعجب؟ أم المتلقي، أم كلاهما يشهدان على خرق النص للمألوف والمعتاد؟ ما مفهوم «غير المعتاد» وما مقياس الابتعاد عن المألوف؟ هل يتعلق الأمر بمألوف القارئ أم المؤلف أم كلاهما؟ حيث ناقشنا حضور العجيب وغيابه».
إن الكتاب تضمن في الفصل الأول الذي حمل عنوان «في عجيب أدب الرحلات: المفهوم والنماذج ومفهوم أدب الرحلات» الذي يضــــم أقساما منها مفهوم الرحلة لغــــة واصطلاحــــا وأدب الرحلة وعجيــــب الجغرافيا، وكذلك عجيب الرحلة الأولى في محاولة «النبش في عجيب أول رحلة مدونة» ثم يسعى لتحليل الأقسام عبر منهجية واضحة والوقوف «على بعض المبادئ التي ترسم معالم هذا المنهج، والتي يتربع على رأسها تأويل خوارق العادة وآلية التبرك، ثم التسليم والانتقاء، وذلك بالاستناد إلى نماذج من العجيب».
وكذلك الفصل الثاني الذي كان بعنوان «موائد العجيب في رحلة ماء الموائد» والذي ضم العديد من الأقسام منها هوية «ماء الموائد» ورحلة موت محفوفة بالحياة وموائد العجيب في الرحلة، فضلا عن منهج الرحالة في تلقي العجيب وإنتاجه.. كما حمل الكتاب خاتمة أراد منها توضيح ما توصل إليه من حقائق وما يفتحه من آفاق تفرق بين العديد من العناصر في الكتابة الإبداعية لنوع من الأدب كهذا، الذي لا يبتعد عن الكتابات الأدبية الأخرى ومنها السردية.. بل هو يتجاوز، كما يؤكد «الإمتاع والمؤانسة إلى نقل ثقافة الرحالة واهتماماته وانشغالاته».

٭ روائي عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية