سافر الإنسان وارتحل منذ بداية وجوده على الأرض، وما وجوده على هذا الكوكب إلا رحلة يقطعها، يسير فيها وفق خط زماني مكاني مرسوم، وتضم رحلة الوجود الهائلة رحلات أخرى لانهائية، تتباين دوافعها وتختلف وسائلها مع مرور الزمن وتطور العصور. من خلال الرحلة اكتشف الإنسان العالم واكتشف نفسه، واكتشف شعوباً وألسنة وبلداناً وقارات، وحقق الكثير من المكاسب العلمية والثقافية، وكذلك على المستوى الفكري التأملي الفلسفي، فهناك من يرتحل عن الذات بحثاً عن حقيقة ما غائبة أو سكينة منشودة، وفي الحضارة المصرية القديمة كان الفراعنة ينظرون إلى الموت على أنه رحلة إلى العالم الآخر، وأن الميت إنما هو مسافر يخرج إلى النهار، والمسافر يجب أن يتزود بكل ما قد يحتاج إليه، لذا كانوا يدفنون معه كل حاجاته بما في ذلك الطعام والشراب، ليكون مستعداً تمام الاستعداد للقيام برحلته في ذلك العالم الغريب المجهول، الذي يكتشفه وحده دون صاحب أو رفيق. لم تكن رحلة الموت هي الرحلة الوحيدة عند الفراعنة، فقد قاموا بعدة رحلات منها الرحلة الشهيرة إلى بلاد بونت المصورة في معبد حتشبسوت في الدير البحري، وكان لتلك الرحلة أهداف سياسية وتجارية، حيث كانوا يجلبون البخور والعطور اللازمة لطقوس العبادة.
أما العرب فقد عرفوا السفر ومارسوا الترحال، ومنهم من كانوا قوماً رحلا بالطبيعة، وقد ذكر القرآن الكريم رحلتي الشتاء والصيف، وحملت أشعار العرب القدامي بعض أخبار من رحلاتهم، وربما يكون في الوقوف على الطلل أثر من آثار الترحال والتنقل. وبعد الإسلام اتسعت آفاق الرحلة العربية وتعددت دوافعها وأسبابها ومساعيها، وبلغت ذروتها خلال فترة الفتوحات الإسلامية، وكذلك الحج رحلة يقوم بها المسلمون في كل عام، ويشتاقون إليها على ما كان فيها من نصب ومعاناة في الأزمنة القديمة، فالحج من الأندلس والمغرب على سبيل المثال كان يستغرق سنة كاملة للذهاب والعودة، وفي القرآن الكريم نقرأ بعض الآيات التي تشير إلى السفر وتحث عليه، منها: «هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها» «وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون» «وحملناهم في البر والبحر» «قل سيروا في الأرض».
كذلك ارتحل العربي القديم بحثاً عن المعرفة وتحصيل العلم، في القاهرة وفاس وتونس ودمشق وغيرها من حواضر العلم والثقافة، وقد عرف التراث العربي مجموعة من كتب الرحالة المسلمين، الذين اهتموا بتدوين وإملاء رحلاتهم بما فيها من وصف لبلدان وأقوام وشعوب، وسرد لحوادث وانطباعات شخصية، كل ذلك بأسلوب شيق أدخل أدبيات الرحلات ضمن فنون الأدب العربي. وفي رحلات العرب القديمة المدونة نجد مادة شديدة الثراء والتنوع، فيها الجميل من فنون اللغة والوصف إلى جانب مادتها العلمية والاجتماعية، فيقول ابن جبير الأندلسي مثلاً في وصف مدينة دمشق: «جنة المشرق، ومطلع حسنه المؤنق المشرق، وهي خاتمة بلاد الإسلام التي استقريناها، وعروس المدن التي اجتليناها، قد تجلت بأزاهير الرياحين، وتحلت في حلل سندسية من البساتين، وحلت من موضع الحسن بالمكان المكين، وتزينت في منصتها أجمل تزيين».
يزخر التراث العربي بمجموعة من الرحلات المدونة كرحلة ابن جبير الأندلسي، ورحلة ابن فضلان، وتاريخ المستبصر لابن المجاور، وحادي الأظعان النجدية إلى الديار المصرية لمحب الدين الحموي، وغرائب الاغتراب للألوسي، وتاج المفرق في تحية علماء المشرق للبلوي والتي تعد من أشهر رحلات الحج المغربية. أما الرحالة المغربي ابن بطوطة فهو بلا شك أهم الرحالة المسلمين، وكتابه رحلة ابن بطوطة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) هو أشهر كتب الرحلات العربية. أطلق على ابن بطوطة لقب أمير الرحالة المسلمين، وقد انطلق ابن بطوطة من طنجة في المغرب عام 725 هـ/ 1324م إلى الحجاز قاصداً حج بيت الله الحرام، فأخذه ترحال وراء ترحال وسفر وراء سفر، وصارت الرحلة تؤدي إلى رحلة أخرى في ربوع بلاد امتدت من المحيط الأطلسي غرباً إلى بحر الصين شرقاً. فزار ابن بطوطة مصر والشام والحجاز والعراق واليمن، وفارس والأناضول وتركستان وأواسط افريقيا وبلاد التتر والصين وبعض بلاد الهند. استغرقت رحلات ابن بطوطة في مجموعها ما يقرب من ثلاثين عاما، عاد بعدها إلى وطنه مرة أخرى، وهناك في المغرب أخذ يقص حكايات رحلته الطويلة على محمد بن جزي الكلبي، الذي قام بتدوينها، بتكليف من سلطان المغرب آنذاك، في العصر المريني السلطان المتوكل فارس أبو عنان، الذي أعجب بما كان من ابن بطوطة، فأمر كاتبه محمد بن جزي الكلبي بتدوين تلك التحفة، وكان ابن جزي هو من أطلق عليها ذلك العنوان الطويل (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار).
إلى جانب رحلة ابن بطوطة هناك بعض الرحلات الأخرى المدونة، ككتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق للأندلسي عبد الله محمد بن محمد الإدريسي، الذي وصف فيه أجزاء من أوروبا وبعض البلدان الإسلامية، وكتاب «مروج الذهب ومعادن الجوهر» للمسعودي، ورحلات ياقوت الحموي. وفي عصور أخرى نجد تدويناً لرحلات ذات أهمية كبرى ككتاب «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» الذي أصدره رفاعة رافع الطهطاوي عام 1834 في عهد محمد علي باشا عن مطابع بولاق الأهلية في مصر، وفيه سجل الطهطاوي يوميات وأحداث وتفاصيل البعثة التعليمية الهائلة، التي أوفدها محمد علي باشا إلى فرنسا لدراسة مختلف العلوم والفنون والآداب. وكان لهذا الكتاب وصاحبه الأثر التنويري العظيم في تاريخ مصر. ومما يقوله الطهطاوي في ختام رحلة البعثة المصرية إلى فرنسا: «من المعلوم أن نفس القارئ لهذه الرحلة تتطلع إلى معرفة نتيجة هذا السفر، الذي صُرف عليه مصاريف لم تسبق لأحد، ولا سُمع بها في التواريخ عند سائر الأمم، وإنما نسطرها لأنها أنجبت علماء، منهم من وصل إلى رتبة أساطين الإفرنج، وهم ما بين مدبر للأمور الملكية، حائز كمال الرتبة في السياسات المدنية، ومتمكن في معرفة إدارة الأمور العسكرية، راقِ فيها إلى درجة علية، وما بين رباني بسائر الأمور البحرية، أو خبير بالطب، أو بالكيميا الصحيحة المرضية، وبصير بالطبيعيات، وماهر في علم الزراعة والنباتات، ومنهم فائق الأقران في الفنون والصنائع، ولولا خوف الإطالة لذكرت جميع من ظفر بقصده من الأفندية، على حسب حوزه للمراتب العلية».
كاتبة مصرية